• لورنس العرب الثاني أرسل تقريره شعوب تائهة في تاريخها
• التقرير رقم 9/ 87 المكان زحلة - لبنان الساعة 13
أبدأ التقرير بتحياتي لجلالة الملكة، والمجد لأرواح أجدادها، واستذكر تاريخ بريطانيا العظمى، مرة أخرى، لاني هنا في هذه البلاد لا أعيش في العصر الحاضر، ولا أحد يعيش في العصر الحاضر، هنا إما أنهم يتمنون العيش في الماضي، أو هم بالفعل يعيشون في الماضي.
التاريخ الذي ندرسه، ونتعلم منه، ونستلهم منه، في بلاد العرب يعيشون فيه، الحكم هنا للأموات لا الأحياء، وسلطة الأموات أقوى من سلطة الأحياء، فالأموات لا يملكون إلا محاسنهم.
هنا، من المحيط الى الخليج، الأموات وقبورهم، وأضرحتهم، هي الشامخة بين بيوت الفقراء، وحتى من يهدمون الأضرحة، يدفنون أنفسهم بين دفاتر وكتب ومقولات الأموات... لا استثناء هنا، فجميعهم سواء، يعيشون من أجل الأموات، وعلى بركة الأموات، ويقتلون بعضهم بسبب الأموات!
حاولت ان امخر عباب تاريخهم، ولكني مثلهم تهت بين أروقتها وأزقتها، فهنا لا تاريخ مكتوباً وموثقاً، ولا مباني، وجدران حفرت فيها أسماؤهم، التاريخ هنا قال فلان ورد فلان، وسألت مرة باحثاً في بيروت عن الكتب والمصادر فقال لي «في السابق لم يكونوا بحاجة للكتابة، كان الواحد منهم يسمع ألف بيت، ويحفظه وينقله لغيره وتبقى خالدة مدى الدهر...» لكنه لم يقل لي متى هذه الأمة القوية الذاكرة، أصابها فقدان الذاكرة فجأة؟ فهنا أقصر شعوب الارض ذاكرة، وبإمكان أي سياسي ان يقول الشيء ونقيضه في ساعات دون ان يعترضه أحد!
واقعهم التعيس مقارنة بماضيهم، يجعلهم يهربون إليه، لا يمكن ان يعيش شعب مهزوم دون ذاكرة يفتخر بها، قد يجلس معك أحدهم ويقول لك «آه، اليهود هؤلاء سفلة القوم لقد ذبحناهم ذبح النعاج في خيبر، آه، الفرس هؤلاء لقد مزقناهم في ذي قار، أوه، الروم لا تجعلني أذكرك بذات الصواري، مَن الاسبان؟ انهم كانوا عبيدنا لولا معركة بلاط الشهداء...» للتوضيح، انها معارك دارت قبل اكثر من ألف عام، ولكن هنا الحديث عن الألف عام كأنه الحديث عن يوم امس، وان حدثته عن يوم امس يقول لك، «يا اخي أنا حتى لا أتذكر غدائي»!
هل تذكرون مقولات القذافي التي أعلن ان في احداها، ان شكسبير اسمه «شيخ زبير» كانت طرفة لدينا، ولكن هنا الوضع مختلف، انهم يفكرون بالطريقة نفسها، فكل رواد وعلماء الكون أصولهم عربية، وكل اختراع واكتشاف أصله العرب، ومع كل اكتشاف، يخرج أحدهم ليقول، «ههه، وما الجديد، نحن نعرف ذلك منذ أكثر من ألف عام...» بكل بساطة يعتبرون أنفسهم أصل الكون والحياة!
هنا الأقوال مهمة لا الأفعال، ونحن صغار درسنا في مدارسنا عن القائد القرطاجي الذي أحرق سفنه ليحارب الروم، هنا الأطفال يعتبرون طارق بن زياد هو من أحرق سفنه، وقال لهم «البحر من ورائكم والعدو من أمامكم...» قالها بلغة عربية فصحى، رغم انه بربري يقود جيشا من البربر، كل هذا ليس مهما، وليس مهما كيف وصل الأندلس المهم مقولته، ولهذا في شوارعهم لا تجد أفعالاً ولا إنجازات، بل مقولات خالدة لزعمائهم على الجدران، لان الأفعال هنا «ما توكل عيش»، هنا الكلمات تسكرهم، وقد يعتز بطغاة كالحجاج فقط لانه أعجب بخطبته وهو يردد «اني أرى رؤوسا قد اينعت وحان قطافها...»!
لا أبالغ، جلست ذات مرة مع كاتب صحافي في الخليج، قال لي:سمعت مقولة صدام حسين الخالدة قبل إعدامه «ها هي المرجلة»، فاهتز وجداني، انه حقاً قائد ورجل تاريخي» ... صمتّ محركا رأسي مبتسما فقط، كان بإمكاني ان أقول، «وهل قتل الاطفال بالغازات الكيماوية مرجلة» ولكني صمتّ لخوف ان أهدم قلعة الوهم التي بناها فوق سحابات المجد الزائف!
التاريخ هنا، كبقرة هندوسية بيضاء، تخترق شوارع دلهي، لا يحق لأحد مسها... هنا في هذه البلاد النائمة على فراش الأموت، الأموات لا يموتون أبداً...!
تحياتي للملكة، خادمكم لورنس العرب... ولتقرير آخر.
جعفر رجب
[email protected]