إشراقات النقد / الماضي والحاضر في رواية «اسمي سلمى» للكاتبة الأردنية فاديا فقير (3)

 u0641u0627u062fu064au0627 u0641u0642u064au0631
فاديا فقير
تصغير
تكبير
| سعاد العنزي |

كل هذه المعطيات والإشكاليات في مواجهة الذات والوطن والأهل، والآخر في حياة الاغتراب، وتشتت هوية البطلة سلمى بين الفضاءين و ذوبان حاضرها **في ماضيها الذي تحبه، جعلها تنفر من مناداة الإنكليز لها باسمها المستعار (سالي آشر)، وتردد في ما بين نفسها اسمها الحقيقي المرتبط لهويتها الحقيقية في بلدها ومنشئها الأردن، معلنة منذ البداية حتى آخر الرواية: اسمي سلمى، ما يؤكد على إصرارها على العودة إلى الذات الحقيقية وعدم التلون بأشكال وألون مغايرة ليست لها، ولا تسطيع أن تلعب ذاك الدور المغاير لها، ولطبيعتها. ومن جانب آخر هي تعالج فكرة الاسم من حيث الموروث الشعبي والفهم الاجتماعي لظاهرة الأسماء، إذ يكون للأسماء دلالة وتأثير على شخصية وحظ الإنسان من الحياة، فكما يقال إن لكل إنسان من اسمه نصيبا. ولكن هنا الإسم بحد ذاته قدم أكثر من دلالة وتحول في المعنى قد يبدو انه متناقض، ومتغاير، ولكنه في نهاية الأمر يكشف عن فلسفة الكاتبة في تقديم العمل، كبنية فنية شكلية تحمل بين طواياها مضامين فكرية تطرحها الكاتبة ضمنيا في النص ولا تصرح بها تصريحا تقريريا مباشرا. وهذا ما يسوغ لنا تحليل الاسم سلمى من الزوايا التالية:

1- الاسم سلمى كدلالة معجمية يعني «السليمة، الناجية، الخالصة»، وهو ما أشارت إليه الساردة في تفاعلها مع اسمها، إذ تتذكر كلام أمها عن سبب تسميتها سلمة، بأن تكون سالمة من الشر والضرر، ولكن هذا مجرد إيمان شعبي بسيط في اختيار اسم ذي دلالات إيجابية مانحة للسعادة والخير، إذ إن الاسم هنا لم يدفع عنها الموت على يد أهلها، من أسموها سلمى لتسلم من الشر، وتعيش حياة هنيئة ورغدة كما تقول أمها في الرسالة التي كتبتها لها وهي في السجن:

هذا ما أراده الله لك. سميتك سلمى لأنني عقدت عليك آمالا كبيرة. أردتك أن تتعلمي الكتابة، وتتزوجي من أحد أبناء شيخ القبيلة، وتأكلي اللوز والعسل طوال حياتك. أردتك أن تعيشي حياة أفضل من حياتي. لكن «خصلة صوفك» ظلت مختلفة دائما عن جميع فتيات القبيلة. كنت تصبغينها بالأحمر. وتحبين جذب الانتباه. (الرواية، ص59)

2- عند رحيل سلمى من الأردن إلى بريطانيا فإن اسمها أصبح سالي آشر بعد أن تبنتها إحدى النساء الإنكليزيات بعد تهريبها من الأردن، وهذا ما جعل الساردة دوما تعيش مونولوجا داخليا بينها وبين ذاتها، تتذكر اسمها الحقيقي، وتردده بينها وبين نفسها بتمتمة من يخشى أن يسمعه أحد، مما يشي بخوفها من أن تعلن اسمها الحقيقي، وهي الهاربة من خنجر انتقام أهلها، ولكنه في المقابل الاسم الذي يحمل الهوية التي لم تنسها ولو في فصل واحد في الرواية، وهذا ما أعلنته في آخر الرواية، عن سبب عودتها للحمى: «مع كل خطوة أسير باتجاهها. كان يجب أن أذهب وأعثر عليها. كان يجب أن أذهب وأعثر علي». (الرواية، ص338 ) ما يعطينا خلاصة تجربتها في الغربة، وهي الرفض لهذه الغربة بكافة أشكالها واسمائها المستعارة، حتى لوقدمت لها مأوى آمنا وابنا، فهو ليس إلا جدرانا خاوية من الحب والحميمية، ولنلاحظ حميميتها في وصف موطن نشأتها، واسمه: الحمى، وهو ما يعني في قاموس المعاني:«حمى- حِمى» (ح م ي).

- «حِمَى العَشِيرَةِ»: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُحْمَى ويُدَافَعُ عَنْهُ كَالدَّارِ وَالْمَرْعَى وَمَا إلَى ذَلِكَ.

- «أنَا فِي حِمَاكَ»: فِي عِرْضِكَ.

وهذا يدل على ان رؤية الساردة النفسية للحمى بأنه هو المكان الوحيد الآمن الذي تستطيع أن تعيش فيه، حتى لو كانت مهددة فيه بالقتل، ولكنه المكان الذي حملت فيها ذكريات أهلها ونشأتها، وفيه ابنتها. فالعودة للحمى، هي ذاتها العودة لاسمها الحقيقي سلمى، ولهوية روحها وذاكرتها التي عجزت طوال السنوات التي عاشتها في الغرب أن تنساها.

ليست تقنية الاسم اسم الرواية وحدها ما يشد القارئ للرواية، ولا الموضوع كذلك، بل إن الرواية ككل متكامل مصدر للتشويق المستمر والتحفيز المتواصل لإتمام قراءة النص من خلال إتقان عملية السرد وإجادة استخدام تقنياته المتعددة، فاللغة لغة سردية متناسقة وشعرية وقتما يكون للشعرية سبيل، وعملية وصفية عندما تريد أن تحسن الوصف، ويطغى عليها جانب البوح الذاتي الذي يشعرنا بأن الساردة تخرج الكلمات من روحها ووجدانها وعقلها الذي يلتقط كل التفاصيل الدقيقة ليصور عالمها الحزين، وليشعرنا بالتعاطف المفرط معها ومع نواحها الداخلي. كما كانت اللغة أيضا عاملا مهما في كشف مدى كراهيتها للفضاء المضيف فكل المحيط حولها رمادي ويوصف بسلبية مفرطة تكشف عن موقفها النفسي تجاه المكان والزمان الحاضر. وهذا ما يجعلنا نلتفت إلى قضية أخرى وهي ان التقديم السردي لانتقال شخوص الرواية بين المكان والزمان تناوب باستمرار بين الماضي والحاضر، إذ لا ترى الساردة شيئا في فضائها الجديد إلا يذكرها بحدث من أحداث الماضي، ويتيح لها فرصة منطقية في سرد أحداث الماضي في الحمى وهي لاتزال قابعة في سريرها بمدينة اكستر.



* كاتبة وناقدة كويتية

* فاديا فقير، «اسمي سلمى»، دار الساقي، ترجمة: عابد إسماعيل، الطبعة الثانية 2011.

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي