حديثو الولادة «المرميون»... مَنْ يفلت من الوحوش تفترسه القوانين

اللقطاء... ضحايا من المهد إلى اللحد

تصغير
تكبير
| بيروت - من ردينا البعلبكي |

... جثة هامدة منهوشة الأطراف لطفلة حديثة الولادة بالكاد تَظهر ملامحها، ولم يتجاوز عمرها يومين، عُثر عليها في علبة كرتون، ملقاة في احدى مستوعبات النفايات في منطقة صيدا (جنوب العاصمة اللبنانية بيروت)، خلال عملية تفريغ النفايات.

في «السينما» او على الشاشة الصغيرة، اعتدنا أن يكون المشهد الأول هو لشخص يترك صندوقاً فيه طفل يغفو بسكينة تحت غطائه الدافئ ومعه رضّاعة و... رسالة. يتركه على باب مكان يوحي بالأمان، كميتم أو منزل أو حتى إحدى دور العبادة.

لكن الواقع بعيدٌ عما ينسجه الخيال، وما شهدته صيدا (جنوب لبنان) قبل اسابيع لم «يتجرأ» اي «فيلم رعب» على تصويره او تصوُّره. طفلة اليومين رماها ذووها بين أنياب الوحوش المفترسة التي التهمت الجزء الأكبر من جسدها الطري ونهشته قبل أن تلقي ما تبقى من رأسها عند قارعة الطريق في بلدة كفرحتى.

هي طفلة لم تكد ان تفتح عينيها على الحياة حتى دفعت ثمن الزنى او العلاقات خارج الزواج او الجهل او الفقر او اللا انسانية، او كل هذه مجتمعةً في مجتمع «يدفن رأسه في الرمال» عن ظاهرة قديمة ـ جديدة لا تكاد ان تخفت حتى تعود بأبشع وجوهها.

الطفلة لا اسم لها ولكنها تشكّل نموذجاً لقضية ـ مأساة اسمها «الأطفال اللقطاء» الذين يبدأ غالبيتهم حياتهم على قارعة الطريق، فاما تقتلهم «الوحوش» واما يذهبون ضحية قوانين تصبغهم بـ «الخطيئة» حتى... القبر.

في اللغة العربية، الطفل اللقيط هو مَن التقطه أحدهم وأودعه موضع رعاية.

وفي القانون اللبناني اللقيط طفل مجهول الأبوين يجده أحدهم في مكان ما على الأراضي اللبنانية.

وفي قانون الأحوال الشخصية فان المؤسسة الاجتماعية ذات الشأن التي تتسلّم الطفل يحقّ لها أن تُصدر وثيقة ولادة له يوقّعها مختار المحلّة، فيصبح لـ «اللقيط» هوية لبنانية تصدر باسم تنتقيه دار الرعاية الذي يختار له ايضاً اسم عائلة عادة لا تكون من العائلات الكبيرة، مع اسمين مستعارين للأم والأب.

واذا كانت الهوية اللبنانية لا تشير من بعيد أو قريب الى وضع هذا الانسان الخاص، فان اخراج القيد العائلي ما زال يحمل عبارة «مولود غير شرعي». مع العلم أن وزير الداخلية السابق الحقوقي زياد بارود عمل لاستبدال كلمة «لقيط» بـ «المولود حديثاً»، لكن قانوناً اللقيط هو أيضاً من لا يفقه أبويه ولا يجيد التعبير عن هويتهما حتى لو وُجد بعمر السنتين، كما تقول السيدة وفاء البابا، نائبة مدير عام «دار الايتام» الاسلامية.

لكن هل تغيّر التسميات القانونية من واقع الطفل اللقيط في لبنان؟ وهل يعبّر «تجميل» الواقع المكتوب عن واقع جميل فعلاً في المجتمع اللبناني؟

تتحوّل دار الرعاية الى «عائلة بديلة» بل وفعلية للطفل اللقيط، أو «الطفل الموجود» (enfant trouvé) كما يسميه السيّد أمين البستاني، مدير قرية الأطفالSOS ـ كفرحي البترون، فلا عمر معيناً ينبغي عليه من بعدها مغادرة مؤسسة الرعاية، وهو ان غادرها فذلك ينهي دورها كمأوى مادي له لا كسند معنوي يمكنه الرجوع اليه في أي لحظة أو عند أي مفصل من حياته سواء كان حزيناً أو فرحاً كالزواج مثلاً.

في التحقيق الآتي نحاول القاء الضوء على الواقع القانوني والفعلي لهؤلاء الأطفال، الذين يخلط الناس عادة بينهم كـ «لقطاء» وبين «مكتومي القيد» وهؤلاء هم الأشخاص الذين ولدوا نتيجة زواج شرعي معروف الطرفين، لكن لم يتم تسجيله في دوائر النفوس اللبنانية. ونبحث الحالات الاجتماعية مع مؤسستي «دار الأيتام الاسلامية» و«جمعية قرى الأطفال» (SOS)، المهتمتين بهذه الحالات.

تشرح السيدة وفاء البابا، طريقة وصول أي طفل لقيط الى «دار الأيتام الاسلامية»، موضحة أن «من يجده عليه أن يعلم مخفر الشرطة المسؤول عن المنطقة التي وُجد فيها. وبعد اجراء التحقيقات مع مَن عثر على الطفل، تستصدر الشرطة ورقة من مختار المحلة تفيد أنه تم العثور على طفل بمواصفات كذا وكذا، ومن بعدها ابلاغ النيابة العامة، حيث تصدر اشارة عن النائب العام الاستئنافي باحالة اللقيط على احدى دور الرعاية المختصة».

وتضيف: «يصل الطفل الى المؤسسة مع المحضر واحالة النائب العام، ونحن نوقّع المحضر ونتسلم نسخة عنه لاحقاً وبعدها يصار الى ختمها وهنا يبدأ دورنا».

وتشير نائبة مدير عام «دار الايتام» الاسلامية، الى أنه عند تسلم الطفل اللقيط فانه غالباً ما يكون يعاني مشكلات صحية «لأن ظروف الولادة لم تكن ميسرة طبعاً... ونحن نواجه مشكلات لاننا لا نملك أي ملف صحي للطفل لكننا نجري فحصاً للسكري وللسيدا في الأشهر الستة الأولى».

أما عن كيفية اطلاق الأسماء على هؤلاء الأطفال، فتوضح أنه «أحياناً يصدف أن تتسلمه صبية من العاملين في الدار وتختار أن تطلق عليه اسم أبيها أو أخيها، أو اسم أي شخص يكون مقرباً منها».

لكن في حين ان شهادات الولادة التي تُصدرها دار الأيتام الاسلامية تسجل كل «لقيط» يتسلمونه على أنه «مسلم» تماماً كما دور الرعاية المسيحية تسجل هؤلاء الأطفال على أنهم «مسيحيون» بغض النظر عما يمكن أن تكون عليه ديانة الوالديْن، فان البابا تشير الى «اننا في الدار نتعمّد عدم اطلاق أسماء ذات طابع ديني على اللقطاء، بل نختار أسماء مثل (سامي) و(رامي) وغيرها».

وتوضح أنه «في ما خص اسم العائلة للطفل اللقيط، فنحن لا نختار له نسبا واحدة من العائلات الكبرى أو المعروفة، بل تلك الصغيرة والمختلطة بين المناطق، فنطلق مثلاً أسماء مثل «سليم محمد» أو «أحمد ناصر».

واذ أشارت الى أنه «قبل ثلاثين الى أربعين عاماً كنا نطلق عليهم كنية «بيروتي» كعائلة، لكن مع الوقت صار اسم العائلة هذا بمثابة اشارة تدل على أن هذا الطفل قد يكون لقيطاً»، ولفتت الى أن الطفل اللقيط «هويته مثل هويتي» لا مشكلة فيها، لكن عبارة «مولود غير شرعي» تكتب على اخراج قيده العائلي»، شارحة أن «مع كل مولود يتم تسجيله يُفتح سجل في دائرة الاحوال الشخصية، والابن يوضع على خانة والده. أما المولود اللقيط فيبدأ السجلّ به».

وأكدت «أننا لن نكل ولن نمل» من مطالبة الدولة بأن تلغي هذه العبارة من السجلات لأنه «في النهاية لا ذنب لهذا الطفل» بالوضع الذي هو عليه كي يتم «نشر غسيله على اخراج القيد».

لكن البابا تشير الى قضية أخرى تقلقها وهي صعوبة تسجيل أي طفل تجاوز عمره الشهر حيث تعتبره دوائر وزارة الداخلية عندها بأنه لم يعد لقيطاً وبالتالي لا تمنحه الجنسية اللبنانية، في حين أن الأمر يتحوّل من «صعب» الى «مستحيل» مع تجاوز الطفل عمر السنة، مرجحة «سبباً سياسياً كالخوف من التوطين مثلاً».

وأشارت الى أن في الدار خمس حالات رفضت وزارة الداخلية تسجيلها، محذرة من ان الطفل من دون هوية هو انسان بلا هوية لا يستطيع التسجيل في المدرسة أو ممارسة أي مهنة، «هو موجود ككتلة لحم وليس ككيان» ويصير عندها «مشروع عنف كانسان».

وفي حين تشدد على «أن جهودنا تتركز على توفير الرعاية والعلم للأطفال اللقطاء من دون أن يزرعوا أي حقد في نفوسهم تجاه أبويهم»، تشير الى أن الأطفال يبدأون تلمس وضعهم من خلال أحاديثهم الأولى بينهم و«مفرداتهم» الخاصة، «أما نحن فلا نخبر الطفل أن أهله تخلوا عنه».

وأشارت الى أن «نظام الكفالة الذي تعمل به الدار منذ العام 1967 هو أحد الحلول لدمج هؤلاء في المجتمع حيث تنتقل الولاية من دار الأيتام الى الأسرة بعدما يتم درس أوضاع الأسرة لتؤمن له «رعاية بديلة».

ولفتت الى أنه على العكس من اليتيم يمكن للكفيل أن يأخذ الطفل اللقيط ليعيش معه ما دامت الأسرة «تقوم على زوج وزوجة»، موضحة أن الحل من الناحية الاسلامية يكون بأنه اذا كان اللقيط «صبياً فان أخت الزوجة في العائلة التي تتبناه تقوم بارضاعه، واذا كانت بنتاً لقيطة فان أخت الزوج مثلاً تقوم بارضاعها. وهناك حلول من الناحية الشرعية». وأضافت: «المهم ضمان عيش اللقيط ضمن أسرة كي يحس بالانتماء، ونحن نتابع وضع الأسرة بعد التكفّل. في البداية زيارات كثيرة، ثم تخف الى زيارة واحدة في السنة».

وشددت على أن مساعدة اللقطاء على الاستقلالية تتحقق في دمجهم بالمجتمع وعندها لا يعود هناك من مشكلة أمامهم، موضحة «أن لا عمر محددا لمغادرة اللقيط الدار، فالأخير يغادر بملء ارادته، ومنهم من يغادرون بسن 18 أو 20 أو 25... بعض الفتيات بقين حتى عمر 25، وهناك بعض المعوقين منهم بعمر 32، مع العلم أننا نبقي الطفل اللقيط المعوق في الدار».

أما بالنسبة للزواج، فتقول البابا: «مسؤوليتنا أكبر من مسؤولية الأهل في هذا الموضوع لأنهم أمانة في أعناقنا». وتضيف «يأتي الكثير من الناس ممن يريدون الزواج من فتيات لقيطات. بعض هؤلاء الفتيات وبعد أن يخرجن من الدار يلتقين بشريكهنّ في مكان العمل أو الجامعة فيأتين به الى الدار ونصبح كـ «أم العروس».

وتروي كيف أن الدار تصير في أول أيام كل عيد وكأنها «بيت التيتة» حيث يأتي أبناء وبنات الدار مع عائلاتهم ويتحدثون عن ذكرياتهم.

واذ تشير الى أن «الصبية اللقيطة هي دائماً اضعف من الرجل اللقيط، فهي بحاجة الى الدعم والعناية»، تضيف: «لذلك فان دار الأيتام تلعب دور أهل العروس. تقدم لها الذهب أو الكهربائيات أو غرفة نوم. كما تتابعها لدى الولادة وتقوم بزيارات لها في عيدي الفطر والأضحى».

وفي حين تلفت البابا الى أنه في العالم العربي يتم تزويج اللقيط من لقيطة و«كأن هذا العار يجب ألا ينتشر»، تشير الى انهم في الدار «لم نعد نزوّج لقيطاً من لقيطة»، مضيفة: «هذا خطأ جسيم. اولادهما سيكونون «لقطاء اجتماعياً». لا خال ولا خالة ولا عم ولا عمة. يصير مرجعهم المؤسسة بينما الهدف هو دمجهم في المجتمع».

وتختم: «كل زيجات اللقيط من اللقيطة انتهت الى الطلاق لأنه في مؤسسة الزواج هذه لن يكون هناك سوى شخصين من دون عائلة».

بستاني

من جهته، يصر أمين البستاني، مدير قرية الأطفال ـ SOS كفرحي البترون في مقاربته هذه القضية على استخدام تعبير «الطفل الموجود» لا «الطفل اللقيط»، أي الطفل الذي تم ايجاده.

يدخلنا بستاني مباشرة الى الأسئلة الأولى «المحرجة» التي تبدأ بين سني الرابعة والخامسة، لاسيما مع بداية احتكاك الطفل اللقيط بأترابه في المدرسة.

عندها، يضيف بستاني «تتحرك الأسئلة بشكل أكبر في رؤوسهم، اذ يبدأ بملاحظة أن لكل طفل عائلة بيولوجية يعيش في كنفها. وحتى لو كان صدّق فعلاً أن المربية هي والدته العاطفية، فانه سيسأل أولاً عن سبب وجوده في الجمعية: «ليش أنا هون؟».

ويروي كيف أن طفلاً في السادسة جاءه مرة يسأله ان كانت المربية جورجيت هي أمه: «صحيح أن أمي هي ماما جورجيت؟ هل يجب أن يكون لي أم في الخارج؟» وكما تعرفين فان الولد يسمع في المدرسة عن جمعية قرى الأطفال بأنها لرعاية الأيتام، ويبدأ الأطفال بالسؤال عن أمهم وأبيهم. المجتمع لا يساعدنا دائماً».

لكن البستاني يشدد على «أننا لا نخفي الحقيقة عن الطفل لأن الحقيقة اذا تجنبناها اليوم فهي ستظهر غداً»، ويحذر من أنه اذا اكتشف الطفل بـ «أننا كذبنا عليه، فذلك سيعني أننا نسفنا كل تربيتنا الصحيحة» لأن ذلك سيؤثر على الثقة. ويضيف: «نجيبه على قدر السؤال من دون افاضة في الشرح. مثلاً سألني طفل مرة «أنا مَن؟ أين أمي وأبي؟»، فأجبته بأنني لغاية الآن أنا متأكد من أن له أماً وأباً، وهذه حقيقة مفروغ منها، لكنني لغاية الآن لا أعرف أين يتواجدون في الوقت الحاضر. هذا لا يعني أنه لن يأتي نهار ونكون عرفنا مَن هم، لكن قد يطول الوقت، وقد لا نعرفهم أبداً، الا اننا سنسعى دائماً من دون كلل أو ملل لنجدهم». ويتابع: «بهذا الجواب، لا نكذب على الطفل أو نزرع في نفسه أملاً كاذباً، وهكذا خرج هذا الطفل مرتاحاً من مكتبي وليس من غموض يلفّ أصوله. علماً انه عندما عاد ثانية يسأل عن سبب سكنه في الدار لا في بيت كبقية الناس، أجبته بـ «أنني متأكد من أن هناك سبباً قاهراً أقوى من ارادة والدتك اضطرها لأن تودعك لدينا في sos حيث هي واثقة من أنك في مكان كالجمعية ستكون بين أيد أمينة وتتلقى أفضل التربية وكأنك في المنزل».

وشدد على أن الأساس في البناء النفسي السليم «هو أن نجعل الطفل يستوعب مشكلته ولا يحقد على أهله وأن يعذرهم ما دام لا يعرف الظروف التي دفعتهما للتخلي عنه»، موضحاً أنه «في الغالب فان التحليل في لاوعي «الطفل الموجود» هو أن الأمور كانت على ما يرام بين والديه، لكنها افترقا بسببه، وبالتالي «أنا المشكلة»، ولذا نحاول أن نعكس هذه المعادلة فنخبره أن الأمور لم تكن على ما يرام وأن ذويه حين أحسوا بأن مشكلاتهم ستعرضه للخطر، قرروا وضعه لدينا ليكون في مكان أمين».

ويضيف بستاني ان الرعاية التي يتلقاها اللقيط في جمعية قرى الأطفال «تتضمن كشف المهارات التي يتمتع بها والعمل على تنميتها حتى تكون له حيثية خاصة يتمتيز بها مستقبلاً»، لافتاً الى أهمية الكفلاء، ومركزاً على اهمية مساعدة الطفل اللقيط كي يرى «الجزء الممتلئ من الكوب ويكون متفائلاً»، حيث نحاول ان نزرع فيه أمل الخروج يوماً الى المجتمع والانطلاق في الحياة كما كثيرين.

ويشدد على أن «التربية ونمو العلم والمعرفة والاخلاق التي يتلقاها الأطفال في SOS هي ما ينمي شخصياتهم ويزيد من حضورهم وثقتهم بأنفسهم لأنهم يعرفون أن جمعية قرى الأطفال لا تترك أولادها، وحتى لو بلغ أحدهم الثلاثين فنحن الى جانبه».

ويوضح أن عمر الـ 18 «لا يعنيهم بشيء، فلا حدّ عمرياً لبقاء الطفل في الجمعية، وحتى عندما ينطلق الى الحياة والمجتمع، عندها تكون رسالة SOS انتهت لكن علاقتها مع الولد لا تنتهي. فاذا احتاج لأي مساعدة أو وقع في أي ضائقة لمن يلجأ الانسان؟ لأقرب المقربين اليه، وهؤلاء هم نحن».

لكن بستاني أردف «بالنتيجة نعم هناك جرح. وما نقوم به هو أن نخفف من وجع هذا الجرح الى الحد الذي يجعله مقبولاً ومحمولاً».

وعما اذا كانوا يتلقون طلبات للزواج من لقطاء في الجمعية، يجيب: «هناك بنات كنّ هنا وتزوّجن من شبان كانوا في رعاية SOS أصلاً. ويشرح ان «من يريد الزواج ببنت من الجمعية فانه يقصدنا ويطلب يدها تماماً كما يفعل لو أن والديها موجودان، ومن ثم يخطبها، فتخرج عروساً من هنا». لافتاً الى أنه ليست هناك حالات من نوع أن يتعمد لقيط مثلاً البحث عن لقيطة ليتزوجها. لكنه يشير الى أن ما يحدث «هو مثلاً أن يلتقي شاب أو فتاة ممن تركوا الجمعية بشريكهم في العمل أو الجامعة وعندها يخبرونه قصتهم ويأتون به الى الدار «فنحن أهله».

ويروي قصة شاب ترك الجمعية وكان يعمل «ولدى بلوغه 27 عاماً أراد الزواج فرجع الى الجمعية وذهبتُ أنا معه وطلبت يد عروسه، واتفقنا على أن أكون «الاشبين»، لكن قبل الزواج تعرض لحادث وتوفاه الله للأسف».

ونسأل: لكن كيف يتقبل أهل العروس في هكذا حالات فكرة زواج ابنتهم من طفل لقيط؟ فيجيب بستاني: «من خبرتي في حالات عايشتُها، فان السؤال الأول لأهل العروس يكون عن النسب، لكن عندما يكتشفون أن هذا الشاب يتمتع بأخلاقيات عالية واحترام ومعرفة وثقة بالنفس وقدرة على الحضور اجتماعياً، وهي الصفات التي ستبقى في النهاية، فان رأيهم يتغير، ذلك أن هناك شباناً من عائلات معروفة يمكن أن يخدعوا أهل العروس فيصبح هؤلاء يريدون الخلاص منهم».

ويوضح أن ما يساعد في هذا الموضوع أن لجمعية قرى الأطفال SOS سمعة محترمة ومميزة «وبالتالي فالناس يعرفون التربية التي يتلقاها الأطفال هنا. وهكذا فالقصة تبدأ بين الشاب والفتاة ثم نتدخل نحن لنقرّب وجهات النظر بينه وبين أهلها مثلاً. وهناك علاقات ناجحة وتكللت بالنجاح».

وفي هذا السياق، يشير بستاني الى أنه لا يعتقد أن ظاهرة الأطفال اللقطاء قد تنامت في الآونة الأخيرة ذلك أنه «بات من النادر أن تجد كما في الماضي طفلاً على باب دار أو جمعية»، معرباً عن اعتقاده «أن الأمر تحوّل تجارة، أو ما يطلق عليه «التبني الأسود» حيث يتعرض الأطفال للبيع والشراء». لكنه يوضح «أن ذلك لا يعني أن المجتمع صار أكثر تقبلاً لفكرة الطفل اللقيط، فالأمر يختلف من بيئة الى أخرى، ومجتمعنا عبارة عن مجتمعات عدة»، مضيفاً: «في بعض الحالات تختفي الأم مع طفلها لأن والده يكون وعدها بالزواج أو لأن غيابها لا يثير قلق أهلها مثلاً نتيجة تفكك العائلة فتقرر الاحتفاظ بالطفل، وفي بعض الأحيان تحمي الأم ابنتها ريثما تجد مكاناً تودع فيه الطفل... لكن أحياناً تنتهي الأمور بجريمة شرف».

وحين نسأله هل حصل أن رجع بعد فترة أحد الوالدين وسأل عن الطفل مطالباً بحضانته؟ اجاب: «نعم هناك حالة صارت معنا. اذ في احدى المرات تكشفتْ خيوط القصة، وبعدما تأكدنا رفعنا القضية الى النيابة العامة التي أجرت تحقيقاتها ورفعت بدورها القضية الى المحكمة».

ويروي «أن القصة بدأت عندما جاءت الأم ووضعت ابنتها من زواج غير شرعي في SOS واختفت. في هذه الفترة كان الأب يبحث عن ابنته حتى وجدها هنا وكانت قد بلغت 23 عاماً، وطالب بلمّ الشمل. لكننا رفعنا الأمر الى القضاء الذي أثبت الأبوة عبر الحمض النووي».

ويضيف: «لكن أريد أن أوضح أننا في هذا الموضوع لا نسمح للوالد بان يرى ابنته مباشرة. ودورنا لا يقتصر على الموضوع القانوني. فنحن نعمل في هكذا حال على التحضير النفسي والعاطفي للطفل. ونريد التأكد من الحالة النفسية للوالد وأنه لا يريد شراً بابنته».

وكيف كانت ردة فعل هذه الشابة؟ هل تجاوبت مع ابيها؟ يجيب: «الفتاة فرحت في البداية ثم ما لبث أن أصابها الحزن وصارت في مرحلة العتاب على أبيها لأنه كان غائباً كل هذه الأعوام. لكن بعدها عرفت الأسباب وتغلبت عاطفة البنوة التي كانت تختزنها وصارت الأمور على خير ما يرام».

ويوضح بستاني «اننا حين نتسلّم طفلاً لقيطاً فاننا في الجمعية نحسب حساب يوم كهذا فنحتفظ بكل ما قد يشكل دليلاً مهماً في المستقبل كالثياب التي كان يرتديها هذا الطفل بعد غسلها وتوضيبها بالتأكيد، وهذا كان يحصل خصوصاً قبل 7 الى 8 سنوات حين لم يكن هناك فحص الحمض النووي DNA الذي جعل الأمور أسهل».





ابن الـ 26 عاما رفض اللقاء مباشرة

... ولن يقول شيئا لوالديه إذا التقاهما



سامي هو طفل لقيط كان برعاية دار الأيتام الاسلامية، وهو حالياً يندمج في مجتمعه من دون مشكلات مهمة. لكنه ورغم أنه لا يعاني أي مشكلات مع المحيط كما قال، فقد رفض أن تكون المقابلة مباشرة، مفضلاً الهاتف.

ربما ليس ذنب هذا الشاب الذي يبلغ 26 عاماً ويعمل في أحد مطاعم الأشرفية، بل هو المجتمع الذي مازال مكبلاً بأفكاره وحداثته وليبراليته.

يقول سامي الذي يعيش مع عدد من الأصدقاء الذين تعرّف عليهم في الدار الذي غادره قبل خمسة أعوام، انه يبني مستقبله و«الحمدلله».

ويوضح أنه ترك الدار «رغبة في التعرف على المجتمع وكي أبني مستقبلي في شكل مستقل رغم انني حين أردتُ المغادرة تنازعني شعوران، فرح للخروج الى المجتمع، وحزن على مغادرة الدار الذي عشتُ عمري فيه».

ويؤكد سامي الحائز على شهادة البكالوريا الفنية (BT) أن لا فارق بيني وبين أيّ شخص آخر في المجتمع «فعلى العكس الدار لم تجعلنا نحس بذلك».

لا يواجه هذا الشاب مشكلات في حياته اليومية، وهو مستعد لاخبار الصبية التي سيختارها شريكة لحياته بوضعها، و«سأتقبل ردة فعلها مهما كانت».

سامي لم يواجه مشكلات في الدوائر الرسمية حيث ما زال يحتفظ باخراج القيد الذي استصدرته الدار له، أما المعاملات الأخرى، من سجلّات عدلية وأوراق سكن فيستحصل عليها من دون مشكلات، كما يقول.

وهذا العشريني الذي يشق طريقه بثبات، لا يذكر متى بدأ يطرح الأسئلة الأولى عن وضعه، «وفي الأساس لم يكونوا في المؤسسة يتطرقون الى موضوع الأهل».

وسامي الذي يقول انه فقد الأمل مذ كان بعمر 17 عاماً من امكان أن يلتقي بوالديه، يؤكد أنه لن يقول لهما شيئاً اذا حدث اللقاء الذي لا ينتظره أصلاً.

لكن مرارة تلوح في صوت سامي في نهاية الحديث حين نسأله عن أحلامه، فيقول: «أكيد هناك أحلام. بعد التجربة التي مررتُ بها، حلمي أن أرتبط بـ «ابنة حلال» فأبني معها عائلة».
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي