أديب من وطني / غنيمة زيد الحرب... القصيدة الخضراء في صور الصحراء
يذكر النقاد أن الشاعر العربي القديم، غالبا ما تكون القبيلة حاضرة في شعره، لكونها مرجعيته الأولى ومصدر فخره ومدحه. فالعرب كانت تفاخر بشعرائها، والقبائل تهنئ بعضها عند ولادة شعرائها. في حين، غابت هذه الصورة عن شعراء اليوم– وإن لم تكن بصورة عامة – وذلك لكون الشاعر نفسه مرجعية لشعره وصوره وأفكاره المنتشية فيه.
والصورة الشعرية لدى الحداثيين، هي ما تكون عادة انعكاسا دقيقا للواقع الخارجي بما يستعيرونه منه من وصف وتشبيه و استعارة، مما يمكن أن تكون صوتا هامسا لمرجعية ما للمبدع الحداثي أيا كان نوع إبداعه. ولأن الطبيعة، هي أحد مكونات الصورة الشعرية، إلى جانب العقل، العاطفة، الحقيقة الباطنة، اتحاد الذات بالموضوع، الإيحاء الصوتي، والتركيب اللغوي. فيمكن القول، أنها صورة تجسد طبيعة العلاقة بين الإنسان وبيئته (المكان/ القبيلة)، والصحراء كما كانت حاضرة عند الشاعر العربي القديم، فهي أيضا حاضرة عند الشاعر الحداثي، يستعير منها صوره ورموزه.
والشاعرة الكويتية غنيمة زيد الحرب (مواليد 1949)، صنفها الناقد الدكتور سليمان الشطي في كتابه (الشعر في الكويت) ضمن شعراء الحقبة الثمانينية من القرن الماضي بحسب تاريخ نشرها لنصوصها الشعرية، برغم أن أول قصائدها تعود إلى أوائل السبعينات. نلاحظ في شعرها ذلك الامتداد والاتساع للصحراء في أشعارها أفقا مفتوحة، تستلهم منها اتساع المكان وهوية الانتماء الذي تراه في قصيدة (انتماء) في ديوان (هديل الحلم):
رائع ذلك الانتماء
للرؤى... للغيوم
للمدى... للفضاء
للسنا
للنجوم
للعلا
للسماء
***
غير أن التراب
زاخر بالعطاء
في ثراه الجذور
والمنى .. والنماء
في رباه الزهور
والشذى
والضياء
***
رائع... ذلك الانضواء
تحت أفق الوطن
رائع والثمن
قطرة من دماء
الانتماء هنا لهذا المكان بمختلف صوره، وإن كان واضحا بصور الشاعرة الحسية وغير الحسية في القصيدة، التي ترتفع إلى أعلى المكان: الرؤى / الغيوم / المدى / الفضاء / السنا / العلا / السماء. مع استدراك (غير) بأهمية سطح المكان وعمقه بمفرداته: التراب / الثرى / الجذور / المنى / النماء / الزهور / الشذى / الضياء.
والصحراء جاءت في صور الشاعرة غنيمة الحرب، بما تملكه من أفق واسع وكون هائل من المفردات وتراكيب المعنى المفتوح، ففي ديوان (أجنحة الرمال)، استحضرت الشاعرة الصحراء معها في مدينة الضباب (لندن)، وما أقامته من مقارنة بين شمسي المكانين في قصيدة (ألق التراب):
الشمس في «لندن»
خجولة
تضع الخمار وتنطوي
خلف الحجاب
وهناك بيتي
والأحبة
والتراب
يتألق تحت وجه الشمس ، ويرتوي
من نبض قلبي
وارتعاش خواطري
والاغتراب
ثلج تسلل في دمي
كالليل
كالمخالب
كالحراب
***
الشمس في «لندن»
بخيلة
تخفي الكنوز و تختفي ، خلف الضباب
و تخبئ الذهب المعطر تحت أجنحة السحاب
وتفرّ من شبح الضرائب في الضحى
فتغط في سردابها الرطب المذاب
بندى الغيوم ، وتترك المدى
وهج السراب
وهناك بيتي . للشموس ملاعب
تجتاحه الأنوار
ويعشقه الضياء
جذلان تسكبه أباريق السماء
متعطشا ينسل في سحب الثرى
ويعب من ألق التراب
فشتان ما بين الصورتين لشمس «لندن»، وشمس «البيت -الصحراء»، ولقصيدة لم تركز على اختلاف المكان فقط، وإنما على ما استعارته من صفات إنسانية للشمس، أثارت فيها مشاعر وتصرفات البشر في المكانين .
ففي لندن... الشمس خجولة / بخيلة / تخفي الكنوز ، تختفي / تخبئ الذهب المعطر / فتغط في سردابها ، مما يتيح غيابها النفسي على ذات الشاعرة ، فتستشعر الغربة ثلجـا كرمز لبرودة الشعـور المسيطر على المكان / الذات / الآخر هنا في «لندن».
في حين يرتعش القلب تحت وجه الشمس الظاهر دون حجاب هناك حيث بيتها «الصحراء»، حيث المدى / وهج السراب، وإن جاءت ضمن سياق المكان الأول «لندن» لطباق مقصود في المعنى اللاحق للمكان الثاني «الصحراء»، الذي يجتاحه الضياء والأنوار، خلاف ضباب و سرداب لندن.
فأي شمس هذه التي تعشقها الشاعرة هناك في الصحراء، وهي التي تعب من ألق التراب؟
قد تكون الحياة، والساكنة بين ثراها و ملاعبها . هي سر حضور الصحراء في ذات الشاعرة في الغربة الباردة. ذاك المكان الذي يحن المرء إليه لكونه ذاكرة الطفولة، ويطرق أبواب الزمن لأجلها.
تقول الشاعرة في قصيدة (تجاعيد في وجه الطفولة):
أطرق باب الزمن القديم، انثني
أبحث في نوافذ الضباب
عن طفولتي
وعن ترائب المعارج التي
تغط في جفونها معالمي
ترقص في مروجها مواسمي
فتهتف الظلال
والطلول أنني
نثرت في عواصم الجفاف موسمي
علقت في معاصم الرياح أنجمي
وطرت في الهواء
خلف مأتمي
إلا أنها «الحياة» قد تقسو أحيانا على هذه الذات في ذات المكان الثاني «الصحراء»، حيث الهجير. فتقول في (استشهاد نخلة):
في هجير
تعشق الصحراء أظلالا
وريّا
طرزت أغصانها
في الأرض فيّا
رجموها
أمطرت غفرانها
شهدا جنيا
شاهد الميلاد كانت
ظلّلت
طفلا نبيا
***
وأدوها
طفلة الصحراء
والنبت البريّا
والنخلة هنا، ترمز لذات ما، تعيش في صحراء مكان ما ، فهي نخلة تستمد روحيتها من احتفاء الإنسان بها، أو قسوته عليها. ولعل تضمين الشاعرة صورة النخلة هنا طهر نخلة الصحراء وعطاء ظلالها وغفرانها / ثمرها حتى على من رجموها ، أو وأدوها.
الشاعرة غنيمة زيد الحرب ، غنية بصور الصحراء في ألفاظها ومعانيها التي توشحت بالاخضرار، فالصحراء ذلك المكان العاري من مظاهر المدنية المزيفة وأبراجها العاجية، التي لا يرمقها بعيون القحط و ذبول المكان إلا من لا يستطيع البعاد عن مدن الإنسان المترف و النمط المتعجرف، والعاجز عن اختلاق الحياة في المكان المقفر، إن كانت الذات ساكنة بالنرجسية، ومنها مزالق المدنية، وكأني بالشاعرة غنيمة الحرب تقول:
خلّ ثوب النرجسية
فهنا قلب تحدى
كل ريح الأرض
كي يزرع في عينيك أحلاما ندية
وهنا طفل تغنى
كي يمر الدهر في سمعك
أنغاما شجية
وهنا ورد
وظل
وشذا فلّ
وأغصان طرية
وهنا
تختال في أزمنة العرس صبية
***
ويستمر اخضرار المعاني و الألفاظ في حضور الصحراء لدى الشاعرة غنيمة زيد الحرب، وهي التي لا تمل العيش في كنف ظلالها و مداها السامي فوق التلال و الكائنات.
كاتب و ناقد