نافذة على التاريخ / العلم والعلماء في عصر المأمون

 u062f. u0641u064au062du0627u0646 u0627u0644u0639u062au064au0628u064a
د. فيحان العتيبي
تصغير
تكبير
| د. فيحان العتيبي |

بدأ الاهتمام بالعلم والعلماء مبكرا ومصاحبا للدعوة الإسلامية، حتى أفضت الخلافة إلى المأمون فازداد اهتمامه بالعلم والعلماء وأقبل على طلب العلم من موطنه **ونشطت حركة الترجمة نشاطاً واسعاً في عصره، وهو الخليفة المنفتح الحر، الذي كان يدفع لحنين بن اسحق زنة الكتاب ذهبا، وكان يرسل البعثات في طلب كتب العلم والفلسفة، وأرسل المأمون لملك الروم جماعة من العلماء للحصول على الكتب النادرة من علوم الأوائل. فلما حملوا إليه ما اختاروه من كتب أمرهم بنقلها ووفر لهم كل الظروف المواتية التي تشجعهم وتحثهم على الإنجاز بالمستوى المناسب. وقد وثق علاقته مع ملوك الروم وواصل جهوده للحصول على الكتب المخزونة في بلاد الروم، وكان منها كتب أفلاطون وأرسطو وأبوقراط وجالينيوس وإقليدس وبطليموس، كما كان من شروط الصلح بينه وبين الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث أن يعطيه مكتبة من مكتبات الأستانة، فكان له ذلك، واجتمعت في عاصمة الخلافة العباسية أهم كتب الفلاسفة والعلماء في مختلف الفروع من طب ورياضيات وفلكيات وغيرها من الكتب العلمية الفارسية والهندية والسريانية فتسنى لطلاب المعرفة والعلم في العالم العربي أن يهضموا في سنوات قليلة ما أنفق اليونان وسواهم القرون في إنشائه.

وفي غضون حكم المأمون 813 ـ 833 م، وصلت الجهود الثقافية الجديدة قمتها. فلقد كان المأمون من مفاخر الدولة العباسية علماً وأدباً وفضلاً ونبلاً. ولقد وجه عنايته للعلم وأكرم العلماء وأعلى مجالسهم، وانصرفت همته أيما انصراف إلى نقل العلوم من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية، حيث عد ذلك من أفضل أعماله وأنبل أغراضه، رغبة في رفع شأن أمته وإعزاز جانبها. كما أنشأ الخليفة المأمون في سنة 830 هـ معهداً رسمياً للترجمة مجهزاً بمكتبة أطلق عليه اسم «بيت الحكمة». فكان هذا المعهد من أعظم المعاهد الثقافية التي نشأت في ذاك العصر.

وفي عهد المأمون نبغ علماء كثيرون وحكماء وكتاب، ممن كانوا فخر ذاك الزمان، وعلى كتبهم ومؤلفاتهم- في مختلف العلوم والفنون- شيد الأوروبيون حضارتهم الماثلة أمامنا الآن.

والحقيقة الواضحة الجلية أن كل حضارة مبدعة وناقلة، والحضارة الإسلامية ليست بدعاً في هذا المجال، وإنما اطلعت على فكر السابقين من يونان وإغريق وهنود وفرس وغيرهم من الأمم؛ إلا أن هذه الحضارة تميزت بهضم هذا التراث في فترة وجيزة نسبيا وأضافت إليه الكثير. فما من أمة تستطيع استيعاب التراث العلمي لغيرها من الأمم التي تفوقها حضارة، إلا إذا كانت قد وصلت إلى مستواها العلمي وزادت عليه. وقد كانت الأمة الإسلامية جديرة بذلك في وقت قصير. ذلك لأن مظلة العلوم الفقهية وعلوم القرآن والسنة قد أمدتها بإشعاعات أسرعت في تكوين فكرها العلمي الجديد. أما الميزة الثانية تتمثل في أن الحضارة الإسلامية شارك فيها غير العرب، وهو ما يؤكد عظمة الدين الإسلامي في انه لا يفرق بين جنس وآخر، والحضارة الإسلامية قد اشترك في تكوينها المسلمون من جميع الأجناس، وكان للأمم الأعجمية قسط مهم في بناء صرحها في مختلف العلوم. إلا أنه ينبغي أن يعلم أن هذه الأمم الأعجمية لم تنهض هذه النهضة إلا بعد ظهور الإسلام فيها، ولم تكن لها في إبان مجدها القديم فضيلة على العنصر العربي في الدراسات النظرية التي يراد بها العلم للعلم ولا يراد بها العلم للمجتمع أو للانتفاع به في حياة الناس.

ومن الثابت أنه ليس كل ما انتقل على أيدي الحضارة الإسلامية عربياً محضاً في الأصول والفروع، ولكن حسبها أنه لم ينقطع على أيديها. فاتصلت بفضلها وشائجه بالتاريخ القديم والحديث، فحفظت تراث الإنسانية كلها وزادت عليه ونقلته إلى من تلاها. وكل حضارة صنعت ذلك فقد صنعت خير ما يطلب منها. كما أن ابتكارات الحضارة الإسلامية في شتى مجالات المعرفة دليل على أن الحضارة العربية الإسلامية حضارة مبدعة حقا وليست ناقلة فحسب، وهذا ما يعترف به كثير من المستشرقين وتؤكده وقائع التراث العلمي العالمي.



* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة الكويت
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي