نافذة على التاريخ / العرب أمة علمية قبل أن تكون شاعرة

 u062f. u0641u064au062du0627u0646 u0627u0644u0639u062au064au0628u064a
د. فيحان العتيبي
تصغير
تكبير
| د. فيحان العتيبي |

يعلمنا التاريخ أن الأمة العربية أمة علمية قبل أن تكون أمة شاعرة، وأن إنتاج العرب العقلي يفوق إنتاجهم الأدبي، فهل يمكن أن نعود أمة علمية كما كنا بالأمس؟**

تؤكد الدراسات التاريخية حول التراث العلمي العالمي بشكل عام والتراث العلمي العربي بشكل خاص أن العلماء العرب قاموا بدور رائد في بناء النهضة العلمية في العالم وخاصة في الفترة ما بين القرنين الأول والسابع الهجري- السادس والثالث عشر الميلادي- فقد فاق ما كتب باللغة العربية في العلوم المختلفة كل ما كتب بأي لسان آخر حتى تلك الفترة، وأصبحت اللغة العربية لغة الملايين وشملت كل أنواع العلم والثقافة، وقد قام العلماء العرب والمسلمون بنقل التراث العلمي العالمي إلى اللغة العربية، ويمكننا القول إنه ما من امة جعلت للتراجم حيزا مهما في مكتبتها كأمة العرب ونظرة إلى التراث العلمي العربي تؤكد هذه الحقيقة، حقيقة أن كل ما خلفه العلماء العرب من مصنفات وترجمات في مجالات الطب والفلك والرياضيات والزراعة والصناعة... الخ، شمل كل الحضارات القديمة من مصرية وآشورية وبابلية وصينية، إلى حضارة الأغريق وغيرها من الحضارات التي سبقتهم، فقد تأثّروا بها وأثّروا في من لحقهم من علماء النهضة الحديثة. حقا لقد حافظت الثقافة العربية الإسلامية على الثقافة اليونانية من الضياع، إذ لولا العلماء المفكرون العرب، لما وصلت إلى أيدي الناس مؤلفات يونانية كثيرة مفقودة في أصلها اليوناني ومحفوظة بالغة العربية. ولقد ظلّ علماء الغرب ومثقفيه يشتغلين على الثقافة العربية حتى بعد أن تقلّص ظلّها في الأندلس بجيلين أو أكثر حتى وصلوا إلى العصور الحديثة. وظلت الثقافة العربية الإسلامية تستهوي الكثيرين من أبناء العالم الغربي، إذ لم تتوقف الترجمة عن العربية في عصر النهضة وما بعد عصر النهضة، رغم الاتصال المباشر بالعالم اليوناني والحضارة اليونانية اعتباراً من منتصف القرن الثالث عشر للميلاد عندما بدأت الكتب اليونانية تُنقل رأساً إلى اللغات الأوربية في العصر الحديث.

كما كان العرب والمسلمون رواداً في المناهج العلمية الحديثة، وقد اكتسب المثقفون والعلماء في أوروبا من الثقافة العربية الإسلامية، أكثر من مجرد المعلومات، إنهم اكتسبوا العقلية العلمية ذاتَها بكل طابعها العلمي التجريبي والاستقرائي، بحيث وجد الأوروبيون في التراث العربي الإسلامي وفي الثقافة العربية الإسلامية ضالتهم المنشودة، لقد نهل علماء أوروبا من المصادر العربية الأصلية، ووجدوا أنها تراثٌ علميٌّ عظيمٌ، فقاموا بدراسته وتحليله وعكفوا على نشره. فمنذ أن وصل العرب إلى إسبانيا واستقروا فيها لما يقارب ثمانية قرون تزايد تأثير العلماء والمثقفون والمفكرون العرب على أوروبا بشكل كبير، وفي هذه الفترة بلغت الحضارة العربية الذروة، وكان ذلك عن طرق متعددة منها البعثات وطلاب العلم الذين وفدوا إلى أسبانيا، في تلك الفترة، للتعلم حيث يقضون السنوات الطوال في الدراسة والتتبع والإطلاع على كتب العرب فيها، فكانت البعثات الأوروبية تتوالى على الأندلس بأعداد من الطلاب الذين كانوا يأتون طلباً للعلم والمعرفة ويقضون سنوات ينهلون خلالها من العلوم العربية ثم يعودون بعد ذلك ليساه وا في نقل العلوم والمعارف العربية إلى أوروبا.

وظلت الثقافة العربية الإسلامية تستهوي الكثيرين من أبناء العالم الغربي، إذ لم تتوقف الترجمة عن العربية في عصر النهضة وما بعد عصر النهضة، رغم الاتصال المباشر بالعالم اليوناني والحضارة اليونانية اعتباراً من منتصف القرن الثالث عشر للميلاد عندما بدأت الكتب اليونانية تُنقل رأساً إلى اللاتينية من دون الاستعانة بالترجمات العربية. فالثقافة العربية لها قيمتُها وشخصيتها، فقد أنتجت الكثير مما لم تستطع الثقافة اليونانية إنتاجه في الحقول كافّة: إضافات وابتكارات واكتشافات عربية لم يعرفها اليونان.

إن حركة النقل من الثقافة العربية الإسلامية التي خرجت بها أوروبا من عصورها المتوسطة المظلمة إلى عصورها الحديثة المتنورة، لم تقتصر على نقل المعارف القديمة من يونانية وهندية وبابلية ومصرية، من كتب باللغة العربية إلى اللغة اللاتينية فحسب. بل إن أوروبا قد نقلت أيضاً معارف عربية خالصة، كما نقلت أنماطاً من الحضارة الإسلامية إلى حياتها العامة الخاصّة ساهمت بهذا القدر أو ذاك في دخول الغرب عصر النهضة.

فهل نتعلم من دروس التاريخ ونعود الى مناهجنا العلمية الحديثة التي تعلم منها الغرب وما أضيف إليها عبر القرون لنستعيد مكانتنا بين الأمم ونعود أمة علمية، تسهم من جديد في ارتقاء وتقدم الإنسان في كل مكان.



* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة الكويت
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي