إشراقات النقد / الهوية في «يد مقطوعة تطرق الباب» للشاعر دخيل الخليفة (2)
| سعاد العنزي |
توقفنا في المقال السابق عند الشق الثاني من العنوان الجملة الفعلية (تطرق الباب) وهي بما كونها جملة فعلية تحمل دلالة الاستمرارية في فعل الطرق المستمر كما تحوي ضمنيا صوتاً وحركة ومستمرة ما دام الفعل مستمرا، هذا الصوت والحركة ينعكسان على عالم النص بأكملة حيث الحركة بين الشخوص في النص مستمرة، ومتأرجحة بين عالمي الموت، والحياة، كما إن الصوت أخذ بعدا إيحائيا في المجموعة؟
كما لفعل الطرق عدة معان أولاها إن هذا الكيان خارج الباب باب الزمان والمكان يريد أن يدخل هذا الفضاء المنفي عنه، من هذه الزاوية نرى فعل الطرق استئاناً للدخول.. (قيل أدخلا بسلام آمنين) ولا سيما ونحن نستشعر إن العنوان حذف منه مكملا للجملة إما يكون (تطرق الباب على عجل، أو على مهل) ولكن الشاعر لم يختر أي واحدة منهما لأنه مترو في طرقه لهذا العالم الذي قد يفتح له أو لا يفتح.
كذلك، ثمة معنى آخر للطرق في النص، يندرج تحت مفهوم الهوية وطرق الذاكرة، التي يراها الشاعر ضعيفة وميتة في الوجدان الجمعي لجماعته البشرية، فأراد أن يطرقها بالنص بقوة من مثل قوله، وقوله
ويفكك مفاهيم الذاكرة الجماعية التي تتهشم وتتناثر أمام ذاكرة المدينة، والجغرافيا التي أبت إلا أن تقسم البشر إلى فئات وأقسام:
فالعنوان مضمونيا يتقسم إلى ثلاث أفكار أساسية: اليد وهي تتحول إلى الأداة والقوة في النص، وهذا القطع لليد يحيل للعجز وعدم المقدرة والشخوص الممسوخة، والطرق الذي هو نقش للذاكرة، وفتح الباب للمسكوت عنه، والمعلق في ذاكرة الروح، الروح وحدها، والكلمات تسجل ذاكرة، تأبى ذاكرة المدينة أن تعترف بها، وأن تموضعها في موضعها الصحيح، والشرعي والقانوني، ولعل محاولة الشاعر الواضحة في النص تفتح بابا للاعتراف بها ومعالجتها معالجة موضوعية وإنسانية.
ومن بين الوحدات الدلالية الهامة في النص، برزت قضية الهوية كعنصر مهيمن ومسيطر على فضاء النص وتقسمت إلى ثلاثة عناصر فنية:
1- الهوية كرسم ووسم مشتت لشخوص النص.
2-الهوية الذاتية لأنا الشاعر في النص.
3- الهوية اللغوية للقصيدة.
الهوية والطابع العام لفضاء النص، انقسم إلى عالمين : العالم الأول: الفضاء العام للنص بمحلامحه المتحققة والموجودة بقوة والتي يموضع الشاعر نفسه رغمه عنه داخلها، وهو و كافة الأرواح التي ترزح تحت وطأة هذه الهوية، وهذا العدم والتلاشي. وهي تظهر في العديد من القصائد بحيث شكلت ملمحا مهماً في النص. وهو عالم: مليء بالشر (ليت الشر يرتاح من جنوده المجهولين أتعبوه بشربهم الدم حارا)... بينما الخير « يرتاح في قبره الأخير...! ولنلاحظ في اللوحة السابقة انتقالاً دراميكياً لصوره التقليدية لفكرة الخير والشعر في الشعر التي كانت سائدة إلى حد فترة قريبة نسبيا في تاريخ الشعر، إذ سابقا كان ينص الشاعر العربي على ان الخير يدحر الشر دوما، بينما دخيل الخليفة، وهو أحد الشعراء المعاصرين الذين ذاقوا مرارة عدمية الفعل الإنساني في الحقبة الحالية من تحويل البشر إلى آلات مجرد آلات تطبق ما يملى عليها من المؤسسات الفارضة لأنموذج بشري معين، لا يخترقه أحد، بحيث إن السلبية والعدمية والتلاشي كلها أصبحت ظاهرة كونية للإنسان المعاصر.
من معالم هوية فضاء النص أيضا، ان التاريخ هنا ليس شاهدا على حراك إيجابي، بل هو مجرد شاهد على المصائب، ومؤامرات تدمير الإنسان، حيث يعيد صانعو الشر نفس المؤامرات الشيطانية، وما تاريخ الإنسان المعاصر إلا شاهد عليها، واللغة تحاول تجميل هذا التاريخ، ولكنه بشع، وبشاعته نابعة من بشاعة الإنسان صانع التاريخ، الذي يقودنا إلى فكرة تالية في عناصر الهدم، وهي عدم الحياة والمكان كجغرافيا صنعتها يد الإنسان لقتل الارواح، حيث الحروب تنطلق بهدف الدفاع عن المكان، وخيرات المكان، وإقصاء الآخر من هذا المكان، فتنشأ من هنا معاضل إنسانية عديدة، من بينها إشكالية الهوية والانتماء. وهذا ما يتبلور كعامل أساسي في النص، الشاعر في بحثه هنا عن الخريطة الإنسانية، وعن الجغرافيا والتاريخ، اللذين يدمران الإنسان، هي محاولة منه بإلقاء وجهة نظره التحليلية لمشكلة ليست حادثة في فضائه ومحيطه الإنساني وحسب، بل هي قنابل مفخخة في كل مكان، تزداد ما تزايد العنف وتقاتل الإنسان من أجل المكان، فالمكان كما يقول محمود درويش (خطيئتي الأولى)، والمكان عند دخيل الخليفة (خارطة تأكل أعضاءها) فالمكان سبب للصراع، سبب للتعايش اللاسلمي، مادام الإنسان يتحدث عن هنا وهناك، يتحدث الجديد والقديم الأصيل والمزور، كلها ثنائيات ضدية خلقها الإنسان ليحارب الإنسان، وليمدد سلطته على الآخر ويقمعه ويهمشه ويظلمه ويقصيه، ويضعه في المكان من دون مكان ومن دون انتماء، لأنه يريد أن يمارس سلطته القمعية عليه:
هنا/ هناك
كف تبحث عن زنابقها/ وجه بلا ملامح/ فم يبتسم على بقايا رصيف/ فاكهة تتفقد بائعها/ قشعريرة بلا أضلاع/ صراخ!/ عبث يطل من جحور/ أصنام تتكئ على لحية/ هواء يتعفن تحت عمامة أراجوز/ حضارة من وهم/ دوي/ أضابع حمورابي/ رأس أبي جعفر المنصور/ ما الذي بقي غير طين غريب؟! (المجموعة الشعرية، خارطة تأكل أعضاءها، ص- ص: 62:63).
* ناقدة وكاتبة كويتية.
[email protected]
- دخيل الخليفة، ديوان «يد مقطوعة تطرق الباب»، دار أثر، الطبعة الأولى، 2012.
توقفنا في المقال السابق عند الشق الثاني من العنوان الجملة الفعلية (تطرق الباب) وهي بما كونها جملة فعلية تحمل دلالة الاستمرارية في فعل الطرق المستمر كما تحوي ضمنيا صوتاً وحركة ومستمرة ما دام الفعل مستمرا، هذا الصوت والحركة ينعكسان على عالم النص بأكملة حيث الحركة بين الشخوص في النص مستمرة، ومتأرجحة بين عالمي الموت، والحياة، كما إن الصوت أخذ بعدا إيحائيا في المجموعة؟
كما لفعل الطرق عدة معان أولاها إن هذا الكيان خارج الباب باب الزمان والمكان يريد أن يدخل هذا الفضاء المنفي عنه، من هذه الزاوية نرى فعل الطرق استئاناً للدخول.. (قيل أدخلا بسلام آمنين) ولا سيما ونحن نستشعر إن العنوان حذف منه مكملا للجملة إما يكون (تطرق الباب على عجل، أو على مهل) ولكن الشاعر لم يختر أي واحدة منهما لأنه مترو في طرقه لهذا العالم الذي قد يفتح له أو لا يفتح.
كذلك، ثمة معنى آخر للطرق في النص، يندرج تحت مفهوم الهوية وطرق الذاكرة، التي يراها الشاعر ضعيفة وميتة في الوجدان الجمعي لجماعته البشرية، فأراد أن يطرقها بالنص بقوة من مثل قوله، وقوله
ويفكك مفاهيم الذاكرة الجماعية التي تتهشم وتتناثر أمام ذاكرة المدينة، والجغرافيا التي أبت إلا أن تقسم البشر إلى فئات وأقسام:
فالعنوان مضمونيا يتقسم إلى ثلاث أفكار أساسية: اليد وهي تتحول إلى الأداة والقوة في النص، وهذا القطع لليد يحيل للعجز وعدم المقدرة والشخوص الممسوخة، والطرق الذي هو نقش للذاكرة، وفتح الباب للمسكوت عنه، والمعلق في ذاكرة الروح، الروح وحدها، والكلمات تسجل ذاكرة، تأبى ذاكرة المدينة أن تعترف بها، وأن تموضعها في موضعها الصحيح، والشرعي والقانوني، ولعل محاولة الشاعر الواضحة في النص تفتح بابا للاعتراف بها ومعالجتها معالجة موضوعية وإنسانية.
ومن بين الوحدات الدلالية الهامة في النص، برزت قضية الهوية كعنصر مهيمن ومسيطر على فضاء النص وتقسمت إلى ثلاثة عناصر فنية:
1- الهوية كرسم ووسم مشتت لشخوص النص.
2-الهوية الذاتية لأنا الشاعر في النص.
3- الهوية اللغوية للقصيدة.
الهوية والطابع العام لفضاء النص، انقسم إلى عالمين : العالم الأول: الفضاء العام للنص بمحلامحه المتحققة والموجودة بقوة والتي يموضع الشاعر نفسه رغمه عنه داخلها، وهو و كافة الأرواح التي ترزح تحت وطأة هذه الهوية، وهذا العدم والتلاشي. وهي تظهر في العديد من القصائد بحيث شكلت ملمحا مهماً في النص. وهو عالم: مليء بالشر (ليت الشر يرتاح من جنوده المجهولين أتعبوه بشربهم الدم حارا)... بينما الخير « يرتاح في قبره الأخير...! ولنلاحظ في اللوحة السابقة انتقالاً دراميكياً لصوره التقليدية لفكرة الخير والشعر في الشعر التي كانت سائدة إلى حد فترة قريبة نسبيا في تاريخ الشعر، إذ سابقا كان ينص الشاعر العربي على ان الخير يدحر الشر دوما، بينما دخيل الخليفة، وهو أحد الشعراء المعاصرين الذين ذاقوا مرارة عدمية الفعل الإنساني في الحقبة الحالية من تحويل البشر إلى آلات مجرد آلات تطبق ما يملى عليها من المؤسسات الفارضة لأنموذج بشري معين، لا يخترقه أحد، بحيث إن السلبية والعدمية والتلاشي كلها أصبحت ظاهرة كونية للإنسان المعاصر.
من معالم هوية فضاء النص أيضا، ان التاريخ هنا ليس شاهدا على حراك إيجابي، بل هو مجرد شاهد على المصائب، ومؤامرات تدمير الإنسان، حيث يعيد صانعو الشر نفس المؤامرات الشيطانية، وما تاريخ الإنسان المعاصر إلا شاهد عليها، واللغة تحاول تجميل هذا التاريخ، ولكنه بشع، وبشاعته نابعة من بشاعة الإنسان صانع التاريخ، الذي يقودنا إلى فكرة تالية في عناصر الهدم، وهي عدم الحياة والمكان كجغرافيا صنعتها يد الإنسان لقتل الارواح، حيث الحروب تنطلق بهدف الدفاع عن المكان، وخيرات المكان، وإقصاء الآخر من هذا المكان، فتنشأ من هنا معاضل إنسانية عديدة، من بينها إشكالية الهوية والانتماء. وهذا ما يتبلور كعامل أساسي في النص، الشاعر في بحثه هنا عن الخريطة الإنسانية، وعن الجغرافيا والتاريخ، اللذين يدمران الإنسان، هي محاولة منه بإلقاء وجهة نظره التحليلية لمشكلة ليست حادثة في فضائه ومحيطه الإنساني وحسب، بل هي قنابل مفخخة في كل مكان، تزداد ما تزايد العنف وتقاتل الإنسان من أجل المكان، فالمكان كما يقول محمود درويش (خطيئتي الأولى)، والمكان عند دخيل الخليفة (خارطة تأكل أعضاءها) فالمكان سبب للصراع، سبب للتعايش اللاسلمي، مادام الإنسان يتحدث عن هنا وهناك، يتحدث الجديد والقديم الأصيل والمزور، كلها ثنائيات ضدية خلقها الإنسان ليحارب الإنسان، وليمدد سلطته على الآخر ويقمعه ويهمشه ويظلمه ويقصيه، ويضعه في المكان من دون مكان ومن دون انتماء، لأنه يريد أن يمارس سلطته القمعية عليه:
هنا/ هناك
كف تبحث عن زنابقها/ وجه بلا ملامح/ فم يبتسم على بقايا رصيف/ فاكهة تتفقد بائعها/ قشعريرة بلا أضلاع/ صراخ!/ عبث يطل من جحور/ أصنام تتكئ على لحية/ هواء يتعفن تحت عمامة أراجوز/ حضارة من وهم/ دوي/ أضابع حمورابي/ رأس أبي جعفر المنصور/ ما الذي بقي غير طين غريب؟! (المجموعة الشعرية، خارطة تأكل أعضاءها، ص- ص: 62:63).
* ناقدة وكاتبة كويتية.
[email protected]
- دخيل الخليفة، ديوان «يد مقطوعة تطرق الباب»، دار أثر، الطبعة الأولى، 2012.