رؤى / إشكالية المهاجر الأكاديمي ... عبر دائرة الاغتراب
زاهية صالحي
هيام القوسي
| سعاد العنزي * |
الاغتراب والهجرة سواء كانت لسبب البحث عن استقرار وأمان أو إيجاد فرصة عمل آمن، أو من أجل الدراسة وطلب العلم، هي رحلة ليست مضمونة النتائج** مئة في المئة. فقد يحقق المهاجر الاستقرار المادي الملموس في إيجاد فرصة وظيفية وعمل، ولكن من يضمن له ان هويته ستبقى ثابتة وغير متحولة، ومن الذي يضمن له انه سيعامل معاملة إنسانية حقيقية لا تشوب كرامته وحقه في الانتماء إلى هذا الفضاء الجديد، ومن الذي يضمن انه سيكمل موضوع دراسته كمتعلم بسلام وأمان ولا يجد العراقيل تتفجر الواحدة تلو الأخرى في طريقه، ليس لشيء إلا لأنه مسلم، أو أسود، أو أجندته السياسية لا تتماشى وأجندتهم، أو لأنه يؤخذ بجرم الانتماء أو الانتساب إلى واحد من قائمة المشبوهين لدى المؤسسات الأمنية في بلاد المهجر. هذا قد يحدث في واحدة من الصور والرؤى التراجيدية لحياة الاغتراب، لكن في المقابل لابد أن يكون ثمة جانب مشرق في منظومة الحياة في العالم الغربي إذ نجد مقاومة الإنسان الإيجابية التي تحاول تذليل العقبات تتخلل المتخللة في هذه المسيرة تتحقق في الحوار مع الآخر وإيصال المشهد الثقافي إلى الآخر المختلف والمغاير، والذي يكون في أسوأ الحالات متلقياً في مستوى درجة الصفر أو متلقياً يجهل أو يتجاهل الثقافة الإسلامية ومعارضاً بتطرف مسبق لنسق حياة المسلم فيأتي لهذا الدرس أو ذاك ليس ليتعلم بقدر ما هو آت للهجوم وتأكيد تصوراته المسبقة حول الثقافة والنسق الحياتي الإسلامي. فيكون السؤال المهم هنا كيفية إيصال الفكرة من منظور إسلامي محض إلى متلق تجذرت ثقافته بأصول الليبرالية والحداثة وحقوق الإنسان والمرأة ولا يعرف عن العرب والمسلمين إلا بعض العبارات المقولبة من مثل: إنهم إرهابيون وأصوليون ويقمعون المرأة بكل الصور، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ما يدعم ذلك الوعي الجزئي المقتص من سياقه وظرفه التاريخي والحضاري الانتقالي.
هذه الإشكاليات المفصلية في التعامل مع ثقافة الآخر، لاسيما وأنت ضيف زائر أو مقيم تربطك بهذا البلد المضيف عدة صلات إنسانية وأكاديمية، كانت مدار نقاش حضاري وفكري في جامعة لييدز البريطانية (University of Leeds)، تحت رعاية قسم الدراسات العربية والشرق أوسطية والتي قامت بتقديمها الدكتورة زاهية صالحي أستاذة الأدب والنقد في قسم اللغة العربية، إذ قدمت الورقات الأربع مدار النقاش الفكري في كلمات بالغة الشفافية والصدق في إيصال الرسالة الأكاديمية موضحة أهمية الموضوع، و رابطة إياه بالإنجازات السابقة للقسم في مطلع، وتعتبر إنها حلقة متممة لما دار في الماضي من مقاربات ودراسات وواصلة لما سيستجد في المستقبل القريب. كما أشارت إلى انها دراسات مثيرة للنقاش والجدل، و شكرت في نهاية كلمتها كل تنظيم الفعالية من زملاء لها، وخصت بالشكر كلاً من (شبكة الدراسات الإسلامية وHigher Education Academy) لرعايتهم المادية لهذه الحلقة النقاشية، وقدمت الأساتذة المتحدثين بعرض مختصر لسيرهم الذاتية الغنية بالإسهامات الأكاديمية المتخصصة بهذا المجال.
أولى هذه الورقات كانت ورقة الدكتور الباكستاني الأصل البريطاني الجنسية عامر سعيد من جامعة ساندر لاند University of Sunderland، معنونة بـ «تعليم الجهاد الهوية، السياسة، والجامعة»، و التي أضاء فيها عدة أمور أهمها كانت نظرة الآخر البريطاني للمسلم البريطاني القادم من خلفيات إثنية مغايرة له، إذ سيواجه نظرة اقصائية له ليست بشكل عام موجودة، ولكنها تتربص به هناك وهناك وبطريقة ممنهجة وعلمية تحاول أن تخفي الدوافع العنصرية التي تقف خلفها. هنا يلتفت عامر سعيد إلى النتائج المتوالية لأحداث 11/ 9 باعتبارها حدثا مفصليا جعل المؤسسات البريطانية وغيرها من الأوروبية والأميركية تحاسب المسلمين على إسلامهم، فيبقى على سبيل المثال المسلم البريطاني بين صراع في انتمائه الإسلامي والبريطاني فأيهما يعلن، وأيهما يفوق الآخر، هذه إشكالية ونزاع في الهوية الناشئة في الفضاء الثالث الهجيني، وفق تعبير هومي بابا، كما تثير من جانب آخر قضية الموضوعية والذاتية في التعليم الأكاديمي سواء من قبل الأكاديمي المسلم أو من الأكاديمي الغربي الذي يتعامل مع عرب ومسلمين.
من عند هذه النقطة بدأت الورقة الثانية متخصصة في الإجابة عن هذه الأسئلة الجدلية والإشكالية في الفصل الدراسي، وأمام طلاب متعددي الخلفيات المعرفية بالإسلام ومتفاوتين بها من خلال ورقة الدكتور مصطفى شيخ المحاضر في الدراسات الإسلامية في جامعة لييدز بورقته المعنونة بـ«مواجهة الفيل في الغرفة: تعليم الدراسات الإسلامية من خلال وجهة نظر نقدية داخلية». اذ انطلق في مناقشة بعض القضايا الإشكالية والخلافية في الإسلام وفق بعض المذاهب وكيفية عرضها لطالب ليست لديه خلفية معرفية بالإسلام ولا بتاريخ الإسلام، وكيف يتجنب النقاش في هذه النقاط المهمة والتي تثير بعضا من اللبس في الفهم هل يفتح الحوار مع الطالب فيحدث تكريس للفهم الخاطئ أو يتجنب (الفيل الرمزي: أي المعضلة التي تنشأ من الحوار الذي يؤدي إلى فهم خاطئ لمفاهيم الإسلام ونواهيه)، أم يغلق باب النقاش الخلاق والفعال فيحرم الطالب حقه في التفكير والتحليل ونقاش المسكوت عنه. من هنا هو يقدم مصطلح وجهة النظر الداخلية النقدية التي تشير إلى عدم التماهي والانصهار في الموضوع بل إبقاء مسافة بينك وبين المنظور الذاتي الذي يجعلك تفهم الموضوع بحكم انتمائك الديني، فيحرم الموقف الإسلامي من أن يفهم بوضعية ذاتية بحتة. وقدم مصطفى شيخ العديد من الأمثلة الخلافية في الإسلام وفتح باب النقاش أمام الحضور حول كيفية نقل هذه الأفكار إلى طالب وكيف ينظر إلى هذه المواضيع، كيف يتم تصورها، وهذا ما يجعلنا نقفز للورقة الرابعة قبل الثالثة التي ألقتها الدكتورة هيام القوسي في قسم الدراسات الإسلامية من الجامعة نفسها حول معالجة صورة المرأة بالإسلام : بمقاربة تحمل عنوان: «بين السلطة والموضوعية: تعليم المرأة والإسلام، والمجتمع»، وحقيقة تعالج هذه المقاربة بقرب وبعمق الإشكاليات المتعلقة بوضع المرأة في الإسلام والمزودة بشواهد من القرآن والسنة، تنص على كساء المرأة بصورة منقوصة كمخلوق غير كامل ويعلن تبعيتها في متعلقات حياتها للرجل، ما يتطلب منا مراجعات أكثر عمقا للنص الديني الذي يقرأ من قبل الآخر منقوصا ومجتزئاً لأن القراءات الإسلامية الحقيقية للنصوص الدينية كاملة غير منقوصة ومزودة بسياقها التاريخي الصحيح وغير المشوّه سيفهم ان المرأة كرمت في الإسلام تكريما حقيقيا ولم تشوّه ولم تنتزع عنها حقوقها. كل هذا جعل الباحثة تتساءل وفي الوقت نفسه توضح الآليات التي من خلالها تقوم بشرح وتوضيح وتيسير الصورة للمتلقي الخارجي الذي هو بعيد عن الدائرة الإسلامية وليس لديه اطلاع كاف على تاريخ المرأة في الإسلام، ولديه من المفاهيم الخاطئة عن الإسلام ما يجعله يفهم النص الديني بطريقة تجانب الصواب والحق، وأرجعت الباحثة الإشكالية في ما قام به الاستشراق من تشويه لصورة المرأة في العالم العربي الإسلام، والعبارات المقولبة والجاهزة عن المسلمين ومن بينها تعاطيهم مع المرأة، ووضعية المرأة في المجتمع المسلم.
وإن كانت ورقة الدكتورة هيام القوسي تعالج صورة المرأة في المجتمع المسلم نفسه فإن ورقة الدكتورة أمينة الرشيد «الإسلاموية والاداء: موازنة بين القوة والموضوعية» تعالج أوضاع المرأة السودانية في المجتمع البريطاني، وتوضح كيف ان المرأة السودانية قهرت وهمشت في المجتمع البريطاني من قبل السلطة والمؤسسات البريطانية، وانها صنفت بتصنيفات مسبقة ووضعت بقوالب جاهزة ما هضم حقها في بريطانيا، وصدرت هذه النظرة إلى المجتمع السوداني أيضا، ما أحال إلى فكرة صناعة النموذج في بريطانيا وصدره إلى الخارج البريطاني وفق نظرية المستعمِر والمستعمَر، وتجسير الفجوات بين الاستعمار المنصرم والاستعمار الحالي الجديد بإعادة إصدار النظرة القديمة نفسها بغلاف سياسي جديد، ولقد استندت د. أمينة في بحثها على عدة خلفيات نظرية أهمها نظرية ميشيل فوكو (السلطة والمعرفة) التي من خلالها فسرت علاقة السلطة بالمعرفة وكيف تنتج السلطة نوع المعرفة التي تريد أن تنشرها بين الناس لأغراض سياسية محضة، كما استعانت بنظرية الفلسطيني - الأميركي إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» الذي فضح فيه التمثيل الغربي الخاطئ للواقع العربي وقت الاستعمار وما قبل و مابعده. وبقدر ماكان كلام الدكتورة أمينة الرشيد صحيحاً ومقارباً للواقع إلا أنه فتح الباب (بوجهة نظري الشخصية) أمام الوجه الآخر من قضية المرأة ألا وهو الرجل، فإذا كانت المرأة تصنف وفق تصنيفات معينة، وفرض عليها أن تقوم بأدائية معينة، فكيف لنا أن نغض النظر عن صورة الرجل هو الآخر الذي يكون بالضرورة رسم له دور وصورة معينة يقوم بهما ويؤديهما وفق نظرية صناعة الأدوار من قبل السلطة تجاه المرأة وتجاه الرجل نفسه، فالآخر البريطاني أو المستعمر بشكل عام ليس لديه مشكلة شخصية مع المرأة وحدها، بل هو يرى كلاً من المرأة والرجل وحدات اجتماعية يستطيع من خلالها تعطيل حركة ونمو مجتمع المستعمر.
كذلك إشارتها لفكرة الأدائية وان المرأة كانت تؤدي الدور المنوط بها وفق تصور المؤسسة الغربية، وهنا الفكرة لبيير بورديو في تصنيفه لآليات إنتاج الفساد والظلم في المجتمع، يجعلنا أن نتساءل عن سبب خنوع المرأة لأن تكون مبنيا للمجهول مدى تلك الفترة، وهل كانت المرأة مغيبة عن المشهد الثقافي البريطاني رغما عنها، أو لأنها لم تع الوعي الكافي الذي يمكنها من تقديم نقد راديكالي لوضعها ومن ثم الانتقال إلى دور الفاعل والمتحرك في المجتمع الذي تتحرك فيه.
هذه كانت خلاصة تقريبية لمضامين الورقات الأربع، التي عقب كل واحدة منها نقاش من الحضور الذين كانوا أكاديميين يعتنون بعلاقة الأنا والآخر بفضاء الاغتراب، وبعد هذه الأسئلة الثرية، والنقاش الجاد، تتبقى أسئلة الهوية وحوار الأنا والآخر أسئلة معلقة في الذاكرة الإنسانية مادام البشر في تجديف مستمر نحو الآخر.
* ناقدة وكاتبة كويتية
[email protected]
الاغتراب والهجرة سواء كانت لسبب البحث عن استقرار وأمان أو إيجاد فرصة عمل آمن، أو من أجل الدراسة وطلب العلم، هي رحلة ليست مضمونة النتائج** مئة في المئة. فقد يحقق المهاجر الاستقرار المادي الملموس في إيجاد فرصة وظيفية وعمل، ولكن من يضمن له ان هويته ستبقى ثابتة وغير متحولة، ومن الذي يضمن له انه سيعامل معاملة إنسانية حقيقية لا تشوب كرامته وحقه في الانتماء إلى هذا الفضاء الجديد، ومن الذي يضمن انه سيكمل موضوع دراسته كمتعلم بسلام وأمان ولا يجد العراقيل تتفجر الواحدة تلو الأخرى في طريقه، ليس لشيء إلا لأنه مسلم، أو أسود، أو أجندته السياسية لا تتماشى وأجندتهم، أو لأنه يؤخذ بجرم الانتماء أو الانتساب إلى واحد من قائمة المشبوهين لدى المؤسسات الأمنية في بلاد المهجر. هذا قد يحدث في واحدة من الصور والرؤى التراجيدية لحياة الاغتراب، لكن في المقابل لابد أن يكون ثمة جانب مشرق في منظومة الحياة في العالم الغربي إذ نجد مقاومة الإنسان الإيجابية التي تحاول تذليل العقبات تتخلل المتخللة في هذه المسيرة تتحقق في الحوار مع الآخر وإيصال المشهد الثقافي إلى الآخر المختلف والمغاير، والذي يكون في أسوأ الحالات متلقياً في مستوى درجة الصفر أو متلقياً يجهل أو يتجاهل الثقافة الإسلامية ومعارضاً بتطرف مسبق لنسق حياة المسلم فيأتي لهذا الدرس أو ذاك ليس ليتعلم بقدر ما هو آت للهجوم وتأكيد تصوراته المسبقة حول الثقافة والنسق الحياتي الإسلامي. فيكون السؤال المهم هنا كيفية إيصال الفكرة من منظور إسلامي محض إلى متلق تجذرت ثقافته بأصول الليبرالية والحداثة وحقوق الإنسان والمرأة ولا يعرف عن العرب والمسلمين إلا بعض العبارات المقولبة من مثل: إنهم إرهابيون وأصوليون ويقمعون المرأة بكل الصور، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ما يدعم ذلك الوعي الجزئي المقتص من سياقه وظرفه التاريخي والحضاري الانتقالي.
هذه الإشكاليات المفصلية في التعامل مع ثقافة الآخر، لاسيما وأنت ضيف زائر أو مقيم تربطك بهذا البلد المضيف عدة صلات إنسانية وأكاديمية، كانت مدار نقاش حضاري وفكري في جامعة لييدز البريطانية (University of Leeds)، تحت رعاية قسم الدراسات العربية والشرق أوسطية والتي قامت بتقديمها الدكتورة زاهية صالحي أستاذة الأدب والنقد في قسم اللغة العربية، إذ قدمت الورقات الأربع مدار النقاش الفكري في كلمات بالغة الشفافية والصدق في إيصال الرسالة الأكاديمية موضحة أهمية الموضوع، و رابطة إياه بالإنجازات السابقة للقسم في مطلع، وتعتبر إنها حلقة متممة لما دار في الماضي من مقاربات ودراسات وواصلة لما سيستجد في المستقبل القريب. كما أشارت إلى انها دراسات مثيرة للنقاش والجدل، و شكرت في نهاية كلمتها كل تنظيم الفعالية من زملاء لها، وخصت بالشكر كلاً من (شبكة الدراسات الإسلامية وHigher Education Academy) لرعايتهم المادية لهذه الحلقة النقاشية، وقدمت الأساتذة المتحدثين بعرض مختصر لسيرهم الذاتية الغنية بالإسهامات الأكاديمية المتخصصة بهذا المجال.
أولى هذه الورقات كانت ورقة الدكتور الباكستاني الأصل البريطاني الجنسية عامر سعيد من جامعة ساندر لاند University of Sunderland، معنونة بـ «تعليم الجهاد الهوية، السياسة، والجامعة»، و التي أضاء فيها عدة أمور أهمها كانت نظرة الآخر البريطاني للمسلم البريطاني القادم من خلفيات إثنية مغايرة له، إذ سيواجه نظرة اقصائية له ليست بشكل عام موجودة، ولكنها تتربص به هناك وهناك وبطريقة ممنهجة وعلمية تحاول أن تخفي الدوافع العنصرية التي تقف خلفها. هنا يلتفت عامر سعيد إلى النتائج المتوالية لأحداث 11/ 9 باعتبارها حدثا مفصليا جعل المؤسسات البريطانية وغيرها من الأوروبية والأميركية تحاسب المسلمين على إسلامهم، فيبقى على سبيل المثال المسلم البريطاني بين صراع في انتمائه الإسلامي والبريطاني فأيهما يعلن، وأيهما يفوق الآخر، هذه إشكالية ونزاع في الهوية الناشئة في الفضاء الثالث الهجيني، وفق تعبير هومي بابا، كما تثير من جانب آخر قضية الموضوعية والذاتية في التعليم الأكاديمي سواء من قبل الأكاديمي المسلم أو من الأكاديمي الغربي الذي يتعامل مع عرب ومسلمين.
من عند هذه النقطة بدأت الورقة الثانية متخصصة في الإجابة عن هذه الأسئلة الجدلية والإشكالية في الفصل الدراسي، وأمام طلاب متعددي الخلفيات المعرفية بالإسلام ومتفاوتين بها من خلال ورقة الدكتور مصطفى شيخ المحاضر في الدراسات الإسلامية في جامعة لييدز بورقته المعنونة بـ«مواجهة الفيل في الغرفة: تعليم الدراسات الإسلامية من خلال وجهة نظر نقدية داخلية». اذ انطلق في مناقشة بعض القضايا الإشكالية والخلافية في الإسلام وفق بعض المذاهب وكيفية عرضها لطالب ليست لديه خلفية معرفية بالإسلام ولا بتاريخ الإسلام، وكيف يتجنب النقاش في هذه النقاط المهمة والتي تثير بعضا من اللبس في الفهم هل يفتح الحوار مع الطالب فيحدث تكريس للفهم الخاطئ أو يتجنب (الفيل الرمزي: أي المعضلة التي تنشأ من الحوار الذي يؤدي إلى فهم خاطئ لمفاهيم الإسلام ونواهيه)، أم يغلق باب النقاش الخلاق والفعال فيحرم الطالب حقه في التفكير والتحليل ونقاش المسكوت عنه. من هنا هو يقدم مصطلح وجهة النظر الداخلية النقدية التي تشير إلى عدم التماهي والانصهار في الموضوع بل إبقاء مسافة بينك وبين المنظور الذاتي الذي يجعلك تفهم الموضوع بحكم انتمائك الديني، فيحرم الموقف الإسلامي من أن يفهم بوضعية ذاتية بحتة. وقدم مصطفى شيخ العديد من الأمثلة الخلافية في الإسلام وفتح باب النقاش أمام الحضور حول كيفية نقل هذه الأفكار إلى طالب وكيف ينظر إلى هذه المواضيع، كيف يتم تصورها، وهذا ما يجعلنا نقفز للورقة الرابعة قبل الثالثة التي ألقتها الدكتورة هيام القوسي في قسم الدراسات الإسلامية من الجامعة نفسها حول معالجة صورة المرأة بالإسلام : بمقاربة تحمل عنوان: «بين السلطة والموضوعية: تعليم المرأة والإسلام، والمجتمع»، وحقيقة تعالج هذه المقاربة بقرب وبعمق الإشكاليات المتعلقة بوضع المرأة في الإسلام والمزودة بشواهد من القرآن والسنة، تنص على كساء المرأة بصورة منقوصة كمخلوق غير كامل ويعلن تبعيتها في متعلقات حياتها للرجل، ما يتطلب منا مراجعات أكثر عمقا للنص الديني الذي يقرأ من قبل الآخر منقوصا ومجتزئاً لأن القراءات الإسلامية الحقيقية للنصوص الدينية كاملة غير منقوصة ومزودة بسياقها التاريخي الصحيح وغير المشوّه سيفهم ان المرأة كرمت في الإسلام تكريما حقيقيا ولم تشوّه ولم تنتزع عنها حقوقها. كل هذا جعل الباحثة تتساءل وفي الوقت نفسه توضح الآليات التي من خلالها تقوم بشرح وتوضيح وتيسير الصورة للمتلقي الخارجي الذي هو بعيد عن الدائرة الإسلامية وليس لديه اطلاع كاف على تاريخ المرأة في الإسلام، ولديه من المفاهيم الخاطئة عن الإسلام ما يجعله يفهم النص الديني بطريقة تجانب الصواب والحق، وأرجعت الباحثة الإشكالية في ما قام به الاستشراق من تشويه لصورة المرأة في العالم العربي الإسلام، والعبارات المقولبة والجاهزة عن المسلمين ومن بينها تعاطيهم مع المرأة، ووضعية المرأة في المجتمع المسلم.
وإن كانت ورقة الدكتورة هيام القوسي تعالج صورة المرأة في المجتمع المسلم نفسه فإن ورقة الدكتورة أمينة الرشيد «الإسلاموية والاداء: موازنة بين القوة والموضوعية» تعالج أوضاع المرأة السودانية في المجتمع البريطاني، وتوضح كيف ان المرأة السودانية قهرت وهمشت في المجتمع البريطاني من قبل السلطة والمؤسسات البريطانية، وانها صنفت بتصنيفات مسبقة ووضعت بقوالب جاهزة ما هضم حقها في بريطانيا، وصدرت هذه النظرة إلى المجتمع السوداني أيضا، ما أحال إلى فكرة صناعة النموذج في بريطانيا وصدره إلى الخارج البريطاني وفق نظرية المستعمِر والمستعمَر، وتجسير الفجوات بين الاستعمار المنصرم والاستعمار الحالي الجديد بإعادة إصدار النظرة القديمة نفسها بغلاف سياسي جديد، ولقد استندت د. أمينة في بحثها على عدة خلفيات نظرية أهمها نظرية ميشيل فوكو (السلطة والمعرفة) التي من خلالها فسرت علاقة السلطة بالمعرفة وكيف تنتج السلطة نوع المعرفة التي تريد أن تنشرها بين الناس لأغراض سياسية محضة، كما استعانت بنظرية الفلسطيني - الأميركي إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» الذي فضح فيه التمثيل الغربي الخاطئ للواقع العربي وقت الاستعمار وما قبل و مابعده. وبقدر ماكان كلام الدكتورة أمينة الرشيد صحيحاً ومقارباً للواقع إلا أنه فتح الباب (بوجهة نظري الشخصية) أمام الوجه الآخر من قضية المرأة ألا وهو الرجل، فإذا كانت المرأة تصنف وفق تصنيفات معينة، وفرض عليها أن تقوم بأدائية معينة، فكيف لنا أن نغض النظر عن صورة الرجل هو الآخر الذي يكون بالضرورة رسم له دور وصورة معينة يقوم بهما ويؤديهما وفق نظرية صناعة الأدوار من قبل السلطة تجاه المرأة وتجاه الرجل نفسه، فالآخر البريطاني أو المستعمر بشكل عام ليس لديه مشكلة شخصية مع المرأة وحدها، بل هو يرى كلاً من المرأة والرجل وحدات اجتماعية يستطيع من خلالها تعطيل حركة ونمو مجتمع المستعمر.
كذلك إشارتها لفكرة الأدائية وان المرأة كانت تؤدي الدور المنوط بها وفق تصور المؤسسة الغربية، وهنا الفكرة لبيير بورديو في تصنيفه لآليات إنتاج الفساد والظلم في المجتمع، يجعلنا أن نتساءل عن سبب خنوع المرأة لأن تكون مبنيا للمجهول مدى تلك الفترة، وهل كانت المرأة مغيبة عن المشهد الثقافي البريطاني رغما عنها، أو لأنها لم تع الوعي الكافي الذي يمكنها من تقديم نقد راديكالي لوضعها ومن ثم الانتقال إلى دور الفاعل والمتحرك في المجتمع الذي تتحرك فيه.
هذه كانت خلاصة تقريبية لمضامين الورقات الأربع، التي عقب كل واحدة منها نقاش من الحضور الذين كانوا أكاديميين يعتنون بعلاقة الأنا والآخر بفضاء الاغتراب، وبعد هذه الأسئلة الثرية، والنقاش الجاد، تتبقى أسئلة الهوية وحوار الأنا والآخر أسئلة معلقة في الذاكرة الإنسانية مادام البشر في تجديف مستمر نحو الآخر.
* ناقدة وكاتبة كويتية
[email protected]