فيصل عمر الهاجري / الدين لله والوطن... للجميع
يدور في ذهني عصف فكري لمحاولات جادة، أصبو إليها محاولاً تفسير ممارسات التكفير والإقصاء وإلغاء الآخر التي باتت الثقافة السائدة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، واتساءل هل نحن وحدنا فقط من يقوم بهذه الممارسات البغيضة أم أن هناك أقوام أخرى تشاطرنا هذا الأمر؟ فهل يشتم الهنود الهندوس مواطنيهم المسلمين والعكس صحيح؟ وهل يكفر كهنة البوذا رهبان الكنائس في الصين؟ وهل يُخرِج الطليان الكاثوليك قرنائهم الإنكليز البروتستانت مِن المِلّة المسيحية كما يفعل سنتنا بالشيعة وشيعتنا بالسنة؟ فمع بالغ الأسف بات الدين الإسلامي الحنيف، ضحية للصراع الطائفي والعِرْقي والمذهبي الذي انفجر أخيرا عبر وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، فانتشرت المُزايدات من قِبل الأطراف المتناحرة والتي يدّعي أصحاب كل منها أحقيته وحصوله على الحقيقة المطلقة.
وأعتقد أن المشكلة الحقيقية تكمن في استشهاد جميع هؤلاء بالماضي كحجة لتبرير مدى صحة ادعائه، ولا أعني بالماضي النصوص القرآنية المقدسة أو السيرة النبوية العطرة، وإنما أعني الحقبة التي بدأت منذ زوال جيل الصحابة الأخيار، وانتهت بواقعة حرق كتب الفيلسوف الإسلامي (ابن رشد) وطرد فلول المسلمين من الأندلس، فتتابعت بعدها حوادث السقوط السياسي والفكري والمعرفي، إلى أن وصل المسلمون لمرحلة السقوط الحضاري الشامل، عندما اكتشف الغرب القارة الأميركية، لتبدأ سيطرتهم على العالمين : القديم والجديد، فيصح التساؤل في هذا الصدد : هل الصواب الحقيقي في الإسلام هو ما نستسقيه من دروس وعِبر الماضي فقط؟
فلقد حاول فلاسفة كثر كابن خلدون تشخيص العقلية الإسلامية ذات الهوية العربية لفهم أسباب بداية تدهور وإنحدار الأمة في منعطف حضاري وضيع، عندما قال جملته المشهورة (إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده) والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظرها بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب)... ولو عاش ابن خلدون بيننا اليوم وكان متواجداً في تويتر، لأيقن بأن (الغالب) لم يعد غالباً مُعاصراً، أي موجوداً معنا في نفس الزمان، ولكنه أصبح غالِباً ماضوياً، أي : تاريخياً!
وبمعنى آخر، كنا نعتقد أن المجتمعات الشرقية والعربية منها خصوصاً مولعة بالثقافة الغربية بشكل عام، والأميركية على وجه الخصوص، وذلك لتفوق تلك الثقافة في تصدير الإنتاج الفكري والمعرفي والصناعي، إلا أننا اكتشفنا أخيرا، وبفضل وسائل الإعلام الاجتماعي، أن مجتمعاتنا العربية مولعة ومتعلقة أكثر بتقليد ثقافات إسلامية تاريخية ماضوية، لاعتقادها بأن أفكار تلك الثقافات وممارساتها أنسب لنا ولعصرنا ولخصوصيتنا الإسلامية، من أي ثقافة أخرى معاصرة، فأتصور أن ذلك أكبر أسباب الارباك الحضاري الذي يعاني منه العقل (العربي-الإسلامي) فعندما يُحاول أحدنا العيش في القرن 21، وبنفس الطريقة والممارسات والأفكار التي عاش بها التابعي الجليل سفيان الثوري، فإنه يظلم نفسه ويظلم سفيان الثوري معه، ولو كان سفيان، وهو في رأيي أحد أعظم فقهاء الإسلام عبر التاريخ، عاش بيننا اليوم لأنكر على أولئك ممارساتهم لإسقاط ثقافة أخرى على ثقافتهم... يقول الفيلسوف المؤرخ الإنكليزي المعاصر أرنولد توينبي: (لابد أن ندرس الماضي لنفهم مشكلات اليوم والغد) ولكن الصراع الفكري-السطحي، الذي نشهده في الإعلام الاجتماعي، يدل على أن كثيراً منا يدرس الماضي ليفهم مشكلات الماضي فقط، وليس ليستفيد منها لفهم اليوم والغد!
بل إن أكثر هؤلاء مازالوا يختزلون صراعات الماضي السياسية والأيديولوجية ليسقطونها على واقعنا اليوم، تصوراً منهم أنهم بذلك (ينصرون) الدين ويؤيدونه، غير عارفين أنهم يسيئون إليه، ويحجمونه، ويجعلون منه أداة لتصفية عُقَدهم النفسية والفكرية والاجتماعية، لقد صارت مصطلحات كـ (الإسلام) و(الشريعة) و(العقيدة) و(التشيع) و(السلف) مرتبطة بالعنف والتكفير والتبديع، بينما هي في الحقيقة مرادفات لكلمات مثل (السلام) و(القانون) و(الموالاة) و(الإيمان) و(التسامح)، أصبحنا نسمع عبارات كثيرة مثل (الإسلام بريء منكم)! فإن إن كان الإسلام بريئا من جميع الطوائف والمذاهب التي تعتنقه اليوم، فمن إذا ينتمي للإسلام حقاً؟ وإلى أين ستُفضي بنا هذه المزايدات على الدين؟
فهل أصبح الفكر الإسلامي أكثر نقاءً ووضوحاً وخلواً من البِدع والضلالات بسبب هذه المهاترات السطحية والمزايدات الفارِغة؟ كيف نستشهد بالقرآن والسنة اللذين هما مصدرا التسامح، لنجيّرهما في حروبنا الكلامية-العُنصرية، دعا أبو هريرة رضي الله عنه لسفيان قائلاً : (اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس)، وكأن أبو هريرة يُخبرنا اننا لن نستطيع أن نغيّر الناس إن لم نستطع أن نحبهم أولاً.
فيصل عمر الهاجري
وأعتقد أن المشكلة الحقيقية تكمن في استشهاد جميع هؤلاء بالماضي كحجة لتبرير مدى صحة ادعائه، ولا أعني بالماضي النصوص القرآنية المقدسة أو السيرة النبوية العطرة، وإنما أعني الحقبة التي بدأت منذ زوال جيل الصحابة الأخيار، وانتهت بواقعة حرق كتب الفيلسوف الإسلامي (ابن رشد) وطرد فلول المسلمين من الأندلس، فتتابعت بعدها حوادث السقوط السياسي والفكري والمعرفي، إلى أن وصل المسلمون لمرحلة السقوط الحضاري الشامل، عندما اكتشف الغرب القارة الأميركية، لتبدأ سيطرتهم على العالمين : القديم والجديد، فيصح التساؤل في هذا الصدد : هل الصواب الحقيقي في الإسلام هو ما نستسقيه من دروس وعِبر الماضي فقط؟
فلقد حاول فلاسفة كثر كابن خلدون تشخيص العقلية الإسلامية ذات الهوية العربية لفهم أسباب بداية تدهور وإنحدار الأمة في منعطف حضاري وضيع، عندما قال جملته المشهورة (إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده) والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظرها بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب)... ولو عاش ابن خلدون بيننا اليوم وكان متواجداً في تويتر، لأيقن بأن (الغالب) لم يعد غالباً مُعاصراً، أي موجوداً معنا في نفس الزمان، ولكنه أصبح غالِباً ماضوياً، أي : تاريخياً!
وبمعنى آخر، كنا نعتقد أن المجتمعات الشرقية والعربية منها خصوصاً مولعة بالثقافة الغربية بشكل عام، والأميركية على وجه الخصوص، وذلك لتفوق تلك الثقافة في تصدير الإنتاج الفكري والمعرفي والصناعي، إلا أننا اكتشفنا أخيرا، وبفضل وسائل الإعلام الاجتماعي، أن مجتمعاتنا العربية مولعة ومتعلقة أكثر بتقليد ثقافات إسلامية تاريخية ماضوية، لاعتقادها بأن أفكار تلك الثقافات وممارساتها أنسب لنا ولعصرنا ولخصوصيتنا الإسلامية، من أي ثقافة أخرى معاصرة، فأتصور أن ذلك أكبر أسباب الارباك الحضاري الذي يعاني منه العقل (العربي-الإسلامي) فعندما يُحاول أحدنا العيش في القرن 21، وبنفس الطريقة والممارسات والأفكار التي عاش بها التابعي الجليل سفيان الثوري، فإنه يظلم نفسه ويظلم سفيان الثوري معه، ولو كان سفيان، وهو في رأيي أحد أعظم فقهاء الإسلام عبر التاريخ، عاش بيننا اليوم لأنكر على أولئك ممارساتهم لإسقاط ثقافة أخرى على ثقافتهم... يقول الفيلسوف المؤرخ الإنكليزي المعاصر أرنولد توينبي: (لابد أن ندرس الماضي لنفهم مشكلات اليوم والغد) ولكن الصراع الفكري-السطحي، الذي نشهده في الإعلام الاجتماعي، يدل على أن كثيراً منا يدرس الماضي ليفهم مشكلات الماضي فقط، وليس ليستفيد منها لفهم اليوم والغد!
بل إن أكثر هؤلاء مازالوا يختزلون صراعات الماضي السياسية والأيديولوجية ليسقطونها على واقعنا اليوم، تصوراً منهم أنهم بذلك (ينصرون) الدين ويؤيدونه، غير عارفين أنهم يسيئون إليه، ويحجمونه، ويجعلون منه أداة لتصفية عُقَدهم النفسية والفكرية والاجتماعية، لقد صارت مصطلحات كـ (الإسلام) و(الشريعة) و(العقيدة) و(التشيع) و(السلف) مرتبطة بالعنف والتكفير والتبديع، بينما هي في الحقيقة مرادفات لكلمات مثل (السلام) و(القانون) و(الموالاة) و(الإيمان) و(التسامح)، أصبحنا نسمع عبارات كثيرة مثل (الإسلام بريء منكم)! فإن إن كان الإسلام بريئا من جميع الطوائف والمذاهب التي تعتنقه اليوم، فمن إذا ينتمي للإسلام حقاً؟ وإلى أين ستُفضي بنا هذه المزايدات على الدين؟
فهل أصبح الفكر الإسلامي أكثر نقاءً ووضوحاً وخلواً من البِدع والضلالات بسبب هذه المهاترات السطحية والمزايدات الفارِغة؟ كيف نستشهد بالقرآن والسنة اللذين هما مصدرا التسامح، لنجيّرهما في حروبنا الكلامية-العُنصرية، دعا أبو هريرة رضي الله عنه لسفيان قائلاً : (اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس)، وكأن أبو هريرة يُخبرنا اننا لن نستطيع أن نغيّر الناس إن لم نستطع أن نحبهم أولاً.
فيصل عمر الهاجري