| كمال علي الخرس |
«لماذا أنا صامت، ولماذا صَمتُ طويلا طويلا عما هو واضح...» الاديب الالماني غونتر غراس
ببضع كلمات صُبَت في قالب قصيدة، ألهب الأديب والكاتب الالماني غونتر غراس اجواء النقد في العالم، خلاف القصائد التي تكتب حول العالم على مدى الاربع والعشرين ساعة، كلمات قصيدة غراس (ما يجب أن يقال) كان لها وقع الزلزال الذي هز إسرائيل والعالم الغربي ليس لأنها أتت بمعلومات جديدة وكشفت عما هو غامض، بل لأنها كسرت حاجز الصمت وتحدثت عما هو واضح.
غونتر غراس الحائز جائزة نوبل للآداب أعرب في قصيدته عن شعوره بالذنب للسكوت عن خطر إسرائيل النووية على السلام العالمي الذي وصفه بالهش أصلا. وبين أن اسرائيل التي تملك ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية قد تمحو شعبا كاملا من الوجود مقابل تهم واحتمالات بامتلاك الخصم برنامج عسكري نووي.
كثير من القوى الغربية استنكرت، بل وهاجمت الأديب الألماني، وطبعا الصقت عليه التهمة المعلبة الجاهزة بأنه عدو للسامية. أما اسرائيل فقد جن جنونها، فالمتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية تحول الى ناقد أدبي فوصف القصيدة بانها «رديئة تفتقد اللباقة.»
الهجمة على غونتر غراس لم تثن عزمه على قول الحقيقة، فالموضوع كان واضحا بالنسبة له، ولكنه يحتاج إلى شجاعة أدبية برهن على امتلاكه لها، فرد على الهجوم الغوغائي عليه بالإعراب عن الأمل بأن ينحو الألمان هذا المنحى بكسر جدار الصمت وتخطى حرمة نقد إسرائيل. ولعل خروج مثل هذه القصيدة الجريئة الى النور، والتي هي من نتاج اديب الماني كبير يساهم في ايقاظ الضمائر الحرة بأوربا وخروجها من سجن الرأي الذي يحرمهم من ادانة الجور الذي تمارسه اسرائيل وانصارها في فلسطين والعالم. ولعل هذه القصيدة الجريئة تكون رأس المطرقة الذي يحطم اسوار عقدة التكفير الذي يعيشها الالمان تجاه اسرائيل بسبب ممارسات النازية، والتي جعلتهم تحت ابتزاز دولة وريثة للنازية سلوكا على مدى عقود من الزمن.
ما هو واضح لغونتر غراس فهو أوضح وأجلى من الشمس لدى ابناء المنطقة العربية المبتلية بإسرائيل، والخطير وقد يكون الأخطر على منطقة الشرق الأوسط بسكانها عربتاً وغيرهم ليس قنابل إسرائيل النووية، بل الخطر هو زعزعة استقرار دول المنطقة عبر زرع الفتن وبذور الشقاق فيها، مما يهدد ليس الكيانات السياسية وحدها، بل يهدد بتمزيق المجتمعات العربية والمسلمة بصراعات طائفية وعرقية وغيرها، لأن مشروع وجود دولة إسرائيل قوية يقتضي وجود محيط ضعيف متصارع مفكك، وليس هذا الأمر سراً، بل هو من باب الحديث عما هو واضح.