لغة الأشياء / ما يستحق «الانتظار»

تصغير
تكبير
| باسمة العنزي |

في قصة الكاتب الليبي فتحي نصيب المكتوبة قبل عام من الثورة الليبية اشارات ودلائل تفوق ظاهرها كقصة عادية عن رجل ينتظر محبوبته ليبوح لها باحباط عن وضعه الملتبس بالحزن، قراءة هذه القصة وغيرها مما كان يكتبه الأدباء في زمن الأنظمة القمعية شديدة البطش بكل من تسول له نفسه التعبير بدقة عن حال الوطن، يضعنا أمام المطب الذي كان أغلبهم يحاول عبوره بذكاء.

«ستأتي كاشراقة الشمس عقب المطر»* بهذه العبارة الايجابية المدشنة لزمن ما بعد الثورة على الطغاة، تبدأ اللقطة القصصية بيقين من ينتظر بزوغ شمس الحرية بعد سنوات من الظلمة القسرية.

ستجلس أمامه في مهابة و يشكو لها في ألم، منذ البداية ندرك كقراء أن القصة تتجاوز اطارها الحالي، هناك حرية عصية على وطن عانى الكثير وفي المقابل هناك فرد لا يملك سوى الانتظار بقناعة لا تخفت رغم تراكم طبقات المرارة في تفاصيل حياته و من حوله.

وما بين حتمية مجيئها القدري وما بين انتظاره الذي امتد عشرين عاما تتداعى الصور عن الوضع الراهن وخيوط اليأس التي امتدت للآخرين فالأصدقاء منهم من تبخر ومن هاجر ومن انتحر والعجائز يمسحن بلاط المستشفيات من أجل لقمة العيش، حتى حديقة الأطفال هجرتها أسراب الحمام واختفت منها المراجيح.

«ستأتي لا يساوره أدنى شك في ذلك حتى لو انحنى على عكازه وتكاثف ليله»*، في النص بدا الانتظار حاضرا وكل ما سيحدث في المستقبل وكل ما يؤلم ماضيا، وعبر مزج الزمن وتقطيعه لحصص متساوية عمد السارد لبث ثنائية الحياة بين ما هو حالى وآتٍ، وما هو واقع ومأمول.

اللغة جاءت بسيطة ومباشرة، المواربة كانت في الفكرة دون أن تدخل اللغة في لعبة الغموض، الاشارات المتفرقة عن الحروب والجوع وضياع العمر والطفولة المسروقة ورجال الشرطة والمدن البعيدة العصية وحركة أسماك الزينة في حلقة مفرغة، كلها كانت تشير بأسى لبلد حزين سرق حريته نظام دموي.

ما أعرفه عن فتحي نصيب أنه كان يكتب كثيرا ولا ينشر أغلب قصصه التي كان بامكانها أن تقضي على حياته أيام ظلام القذافي، رغم ذلك تعرض للكثير من المضايقات فقط لأنه كاتب. وبما أن الحرية المنتظرة التي تنبأ باشراقها جاءت أخيرا بعد انتظار طويل، آن للقصص الليبية أن تخرج من صناديقها السرية للقارئ العربي.



* من قصة «انتظار» للقاص الليبي

فتحي نصيب 2010
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي