أماكن / عبور المحيط (3 من 3)

u062cu0645u0627u0644 u0627u0644u063au064au0637u0627u0646u064a
جمال الغيطاني
تصغير
تكبير
| جمال الغيطاني |
... ايسلندا، البحر الأعظم، جرينلاند، الساحل الكندي، من نقطة إلى نقطة، من لحظة إلى أخرى، مدن هناك في حشا الليل، وجودها بالنسبة لي يتمثل في هذه الأسماء التي أطالعها فوق الخريطة، لكنه وجود نائ بقدر قربه.
وفي الوقت نفسه الذي أدركه، يفلت، ينأى، فأي علاقة يمكن الوقوف عليها، وجود هذه المواضع في حقيقته، وبين كينونتي أنا، بمعنى آخر، أنا أطير الآن داخل حيز محدود، متحرك يتغير موقعه باستمرار، تشير المعلومات المتاحة إلى أنني فوق الساحل الكندي، حيث تتجه الطائرة الآن جنوبا بعد أن صعدت شمالا.
هل أنا موجود فعلا فوق الساحل الكندي، أم انه مجرد علامة فوق الخريطة، وكيف أكون موجودا في اللحظة نفسها التي أفارق فيها الموضع الذي أدركه، الحيز في حركة دائمة مستمرة، أما استمراري وأماني وضمان وصولي إلى نقطة معينة هو هذا الفراق الدائم للمكان انتفاء الوجود في لحظة إدراكه، أما لو اتحدت كينونتي بالمكان الذي يشير إليه السهم المتحرك فوق الخريطة، فربما يعني ذلك الهلاك المبين، لو توقفت حركة الطائرة فجأة، لو حطت فجأة فوق مكان خارج الخطة لاتحدت بالمكان، ولخرجت من الكينونة.
ذات يوم بعيد في زمن الحرب ضد إسرائيل؛ كنت في البحر الأبيض، أركب قطعة بحرية تمخر في الليل، بدأت نوة، رياح عاصفة، وأمواج عنيفة، رأيت التجسيد الحي لذلك التشبيه القرآني القوي «وموج كالجبال»، خرجت إلى السطح، تمايل عنيف، أقبل نحوي ضابط بحري شاب، صاح يطمئنني، «البحر كويس» ثم زعق «اطمئن، لا خطر مادمنا نمضي، الخطر كله إذا توقفنا...»، تماما كالقلب، تركض دقاته من ثانية إلى أخرى في رحم الوقت، وإذا سكن، توقفت الحياة، وانتقلت إلى الأفق الذي لا بين!
أتابع من خلال النافذة خطا نحيلا أحمر اللون عند الأفق الدائري يتسع شيئا فشيئا، حتى تتوهج السماء عمرة كونية نادرة، تكشف بحرا من الغيوم فوق المحيط الأعظم، فكأنهما الأصل والظل، الصوت والصدى، لا يستمر الضوء القاني طويلا.
ندخل الليل الطاغي مرة أخرى، أي ضوء هذا؟ أهو الفجر الكاذب؟ أم انه مصور الفجر، أم انه فجر المكان الذي مرقنا به؟ فُتناه لأننا نتجه غربا إلى الموضع الذي تغرب فيه الشمس، والذي حاول الإسكندر المقدوني بلوغه لكنه فشل، أما الذي أدركه فهو سيدنا الخضر الذي شرب من نبع الحياة، هذا ما يقوله المعتقد الشعبي الذي تردد في سمعي منذ طفولتي.
تمضي ساعة أو أكثر، الخط الأحمر من جديد، لكنه لا يغيب عنا هذه المرة، يستمر متوهجا، منقلبا إلى نهار جديد.
غيوم، غيوم، من بينها يمكن رؤية أراضٍ يغلب عليها اللون الأخضر الصخري، أمواج المحيط تبدو أكثر وضوحا بعد اجتيازنا طبقات السحب المتراكمة متجهين إلى الأرض، يقولون إن أصعب لحظات الطيران الإقلاع والنزول، صحيح الإقلاع صعب، لكنه عندي لسبب آخر، لأنني أفارق أمي الأرض، ولا يسري الاطمئنان الحقيقي إلا عند الدنو منها، بل لشعوري عند الطيران فوق البحار يختلف عن الطيران فوق الأرض، مع أن المصير واحد، أليست الأصل والمثوى؟
أمواج المحيط، زبد أبيض يحدها، لون زيتوني غامق، إنه الطرف الآخر الذي كان يتطلع إليه قومي لعبوره في العصور السحيقة، هذه الشمس الواهنة الضعيفة، الداهنة، لاتزال عند الأفق، إنها في ذروة وهجها الآن في قاهرتي، استدعى إلى ذهني كتب الميقات القديمة، أتساءل كطفل، أهي شمس واحدة، هل يمكن إدراك الشروق والغروب معا؟
أتأهب لمفارقة الحيز المكاني، التحرك الذي سكن الآن، الذي اندفع من شرق الكوكب إلى غربه، كنت أفكر في الدهشة الأولى والأحاسيس الإنسانية، هل تتغير من عصر إلى آخر، من حضارة إلى أخرى، أي صور جالت بذهن الأقدمين، عندما نزلوا هذا البر أول مرة؟
كنت أشرع في التفكير هنا وهناك، ما الرحيل إلا داخلي، دائما مغترب عن اللحظة الآنية، تذكرت صاحبة لي، قالت يوما فجأة بعد طول نظر إليّ:
ـ أنت في غير زمانك باستمرار...
فكرت، والسفر داخلي، لا مكان إلا عندي، بينما كان وجهها الجميل القصي يطالعني من مسافات قصية، فارضاً وجوده، طاغيا على كل ما يحيطني، مع أن صاحبته لم تعد تسعى في هذه الحياة الدنيا!
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي