البابا من القرية إلى الكرسي البابوي... والدته توفيت بـ «حمى النفاث» وشقيقه تولى رعايته
آلاف الأقباط ودّعوا شنودة الثالث بحزن كبير
قبطي يبكي على وفاة شنودة (ا ف ب)
جثمان البابا شنودة الثالث موضوعا على كرسيه البابوي امس (ا ف ب)
| القاهرة - من وفاء وصفي |
بدأت الكنيسة المصرية، امس، الاستعدادات لجنازة البابا شنوده الثالث الذي غيبه الموت السبت، عن عمر يناهز 88 عاما بعدما ظل على رأس الطائفة المسيحية الاكبر في الشرق الاوسط لاكثر من 40 عاما.
وتم الباس جثمان البابا الملابس الكهنوتية ووضع على كرسيه البابوي، امس، وسيبقى كذلك لمدة 3 ايام حتى يتمكن جمهور الاقباط من القاء نظرة الوداع عليه قبل تنظيم قداس الجنازة في مقر كاتدرائية الاقباط الارثوذكس في العباسية في القاهرة. وبناء على وصيته، سيتم دفن البابا شنوده الثالث في دير وادي النطرون الواقع في منتصف الطريق تقريبا بين القاهرة والاسكندرية.
وكان شنوده الثالث حددت اقامته في دير الانباء بشوي العام 1981 في عهد الرئيس السابق انور السادات الذي كان على خلاف كبير معه.
وتوافد آلاف الاقباط، امس وليل اول من امس، على مقر الكاتدرائية في القاهرة لوداع الرجل الذي لم يعرفوا غيره ابا للكنيسة على مدى 40 عاما في اجواء مفعمة بالحزن.
إنها رحلة ثرية، من بدايتها إلى نهايتها، بدايتها كانت في قرية صعيدية، وأهم خطواتها كانت في حي العباسية، ونهايتها في وادي النطرون، إنها حكاية سيرة ومسيرة البابا شنودة. وولد نظير جيد روفائيل (البابا شنودة) في 3 أغسطس العام 1923 في قرية سلام في أسيوط وتوفيت والدته بحمى النفاث لتصبح كل أمهات القرية أمًّا له.
كان والده رجلا ريفيا بسيطا وكان يمثل الجانب الأبوي العطوف للطفل نظير جيد. وفي الوقت نفسه نتيجة الظروف التي واجهت الأسرة أصبحت رعاية نظير وتربيته الأولى هي مسؤولية أخيه الأكبر روفائيل، وليس أبيه.
أسرة نظير جيد تكونت من 5 شقيقات متزوجات، وشقيقين فقط هما: روفائيل وشوقي، احتضن روفائيل أخاه الصغير نظير، وأخذه مع أخيه الأكبر شوقي، القمص بطرس جيد في ما بعد، الذي يكبره بـ 5 سنوات إلى دمنهور التي عمل فيها موظفا في إحدى إدارات وزارة المال، حيث التحق نظير بالتعليم الابتدائي. ويذكر لزوجة الأخ الكبير روفائيل دورها في رعاية نظير وشوقي، فكانت بمثابة الأم الحنون عليهما. فتخدمهما وتسهر عليهما كأولادها من دون أي تفرقة.
التحق نظير بالتعليم الأولي «رياض الأطفال»، وكان التعليم فيه يسمى حينذاك «تحضيريا» ومدته 3 سنوات فاجتازه في سنة واحدة. ثم التحق بالسنة الأولى الابتدائي وبعدها انتقل إلى الإسكندرية بسبب نقل عمل أخيه روفائيل، حيث أمضى السنتين الثانية والثالثة من المرحلة الابتدائية هناك. ثم انتقل إلى أسيوط وهو في السنة الرابعة الابتدائي. وانتقلت الأسرة إلى بنها بعد حصول روفائيل على فرصة عمل أفضل. ولكن تعطل نظير عن الالتحاق بالمدرسة لمدة سنتين بسبب عدم وجود شهادة ميلاد له. ثم التحق بالمدارس مرة ثانية وأنهى مرحلة التعليم الإعدادي في بنها. ثم انتقلت الأسرة إلى القاهرة، حيث التحق نظير بالمدارس الثانوية.
وسكنت الأسرة في الترعة البولاقية «شبرا مصر»، في جوار كنيسة الأنبا أنطونيوس. ظل نظير جيد طوال مراحل دراسته متفوقا، والأول باستمرار، وعندما كان في السنة الأولى الثانوية وعمره 16 عاما كان يكتب الشعر ويتذوقه وأجاد عروضه وقوافيه وكل ما يختص به. وكان من الطبيعي أن يلتحق بعد ذلك بالجامعة.
والتحق بجامعة فؤاد الأول، في قسم التاريخ، وبدأ بدراسة التاريخ الفرعوني والإسلامي والتاريخ الحديث، وحصل على الليسانس بتقدير «ممتاز» العام 1947. وفي السنة النهائية في كلية الآداب التحق بالكلية الإكليركية. وبعد حصوله على الليسانس بثلاث سنوات تخرج في الكلية الإكليركية ليعمل مدرسا للتاريخ.
وكان يحب الكتابة، خصوصا كتابة القصائد الشعرية، وكان لسنوات عدة محررا، ثم رئيسا للتحرير في مجلة «مدارس الأحد»، وفي الوقت نفسه كان يتابع دراساته العليا في علم الآثار القديمة.
رهبنته
رسم نظير جيد راهبا في دير السريان في وادي النطرون باسم «أنطونيوس السرياني» في يوم 18 يوليو 1954، ومن العام 1956 إلى العام 1962 عاش حياة الوحدة في مغارة تبعد نحو 7 أميال عن مبنى الدير مكرسا فيها كل وقته للتأمل والصلاة. وأمضى 10 سنوات في الدير دون أن يغادره.
ثم عمل سكرتيرا خاصا للبابا كيرلس السادس البطريرك الـ 116 في العام 1959. وفي العام 1962 رُسِمَ أسقفًا للمعاهد الدينية والتربية الكنسية، ليكون أول أسقف للتعليم المسيحي وعميد الكلية الإكليريكية.
وطوال سنوات الثورة الأولى لثورة 1952، لم يحدث احتكاك واضح بينها وبين الكنيسة، بل لعل الأقباط كانوا وحدهم الذين نجوا من حفلات الاعتقال التي دشنتها الثورة طوال سنوات الخمسينات والستينات وطالت كل التيارات والاتجاهات بما فيها الشيوعيون و«الإخوان المسلمين»، ولم يكن الأمر هنا فيه شيء من صفقة بين النظام والأقباط، وإنما جرت الأمور على طبيعتها، فلم يكن للأقباط كتجمع ديني، أي طموح سياسي بعد قيام ثورة يوليو على عكس الحال مع بقية التيارات الأخرى التي اصطدمت رغباتها مع طموح رجال الثورة، لكن الأمر اختلف في السبعينات بعدما اعتلى الرئيس المصري الراحل أنور السادات سدة الحكم وجاء البابا شنودة على قمة الكنيسة.
والاصطدام لم يأت مبكرا، خصوصا أن السادات لم يكن في حاجة لتوسيع رقعة الأعداء الكثر أصلا، وبعدما أزاح ما يعرف بـ «مراكز القوى الناصرية» كان لابد أن يلملم ولا يفرق لأنه مقدم على حرب حتمية مفروضة عليه لاسترداد الأرض، وبعد نصر أكتوبر العام 1973 بات السادات أكثر ثقة في نفسه وأكثر انفرادا بالقرار فكان قراره الأخطر بإطلاق يد الجماعات والتيار الإسلامي من دون قيد في الجامعات والشارع السياسي المصري لمحاربة التيار اليساري والشيوعي فكان أن تحقق له هذا بالفعل.
قبل هذا كان البابا شنودة سجل رفضه لاتفاقية السلام مع إسرائيل، وأكد ذلك أن قرر عدم الذهاب مع الرئيس السادات في زيارته إلى إسرائيل العام 1977، هذا بطبيعة الحال صنع حالة عدائية من السادات تجاه البابا لأنه لم يتصور أن يخالفه أحد في قراراته بعد الحرب، فما بالك إذا كان هذا هو القيادة الكبرى لكل الأرثوذكس الذين يشكلون غالبية المسيحيين في مصر؟
بات الصدام وشيكا، وفي ظل اتهامات متزايدة من الأقباط بأن الدولة تغذي العنف تجاههم من قبل الجماعات الإسلامية، وعندما قام الرئيس السادات بزيارة إلى أميركا كان الصدام إذ نظم الأقباط في أميركا تظاهرة مناهضة للسادات رفعوا فيها لافتات تصف ما يحدث للأقباط في مصر بأنه اضطهاد، وهو بالقطع ما أضر بصورة السادات كثيرا فطلب من معاونيه أن يتصلوا بالبابا ليرسل من يوقف هذه التظاهرات، وعندما حدث هذا فعلا متأخرا بعض الشيء ظن السادات أن البابا شنودة يتحداه، فكانت أن أصدرت أجهزة الأمن قرارا للبابا بأن يتوقف عن إلقاء درسه الأسبوعي، الأمر الذي رفضه البابا، ثم قرر تصعيد الأمر بأن أصدر قرارا بدوره بعدم الاحتفال بالعيد في الكنيسة وعدم استقبال المسؤولين الرسميين الذين يوفدون من قبل الدولة عادة للتهنئة.
بل وصل الأمر إلى ذروته عندما كتب في رسالته، التي طافت بكل الكنائس قبيل الاحتفال بالعيد، أن هذه القرارات جاءت «احتجاجا على اضطهاد الأقباط في مصر»، وكانت هذه المرة الوحيدة التي يقر فيها البابا علانية بوجود اضطهاد للأقباط في مصر، ولم يفعلها بعد ذلك مطلقا.
وأصبحت القطيعة بين السادات والبابا «شنودة هي عنوان المشهد، ولذا كان من المنطقي أن يطول العقاب البابا في أيام السادات الأخيرة عندما أصدر في سبتمبر العام 1981 قراره بالتحفظ على 1531 من الشخصيات العامة المعارضة، لم يكن مصير البابا الاعتقال وإنما كان تحديد الإقامة في الدير في وادي النطرون، ولعل السادات فعل ذلك درءا لرد فعل مضاد من قبل الأقباط.
وبعد تقلد حسني مبارك مقاليد الرئاسة في 14 أكتوبر 1981، قام في العام 1985 بالإفراج عن المعتقلين، والذين قام سلفه السادات باعتقالهم، وقابل بعضهم وكان على رأس هذا البعض البابا شنودة، ومن هذا اللقاء بدا واضحا أن سياسة مبارك تتجنب الصدام بأي شكل من الأشكال مع الأقباط خصوصا، رغم أنه كان مقربا من السادات بحكم منصبه كنائب له.
طوال فترة حكم مبارك لم يخرج من البابا لفظ واحد ضد النظام أو الدولة ولا حتى ضد أي من ممثليه كوزراء أو مسؤولين حكوميين، رغم أن فترة التسعينات وبدايات الألفية الثانية شهدت العديد من الحوادث التي تصنف على أنها الطائفية بين المسلمين والمسيحيين الملتهبة، متنوعة ما بين الاختلاف على بناء كنيسة أو خلافات شخصية عادية، ثم طالت حتى الحكي عن التنصير أو الإجبار على الإسلام، وفي كل مرة اختار البابا الصمت أو الاعتراض بالاعتزال في دير الأنبا بيشوي في وادي النطرون.
تختاره لجنة من 18 نصفهم من «المجمّع المقدس» والآخر من هيئة الأوقاف القبطية
من يخلف البابا شنودة الثالث:
هل تتغير اللائحة... أم يحسمها طفل؟
القاهرة - من رشدي الدقن
في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية البابا رقم 118، ربما يكون هو الملف الأكثر خطورة الآن، وقد يلقي بظلاله على مستقبل اندماج الأقباط في الحياة السياسية في مصر.
وبعدما غيب الموت البابا شنودة الثالث؛ ثارت تساؤلات حول الخليفة المتوقع له، الذي سيحمل على كاهله مسؤولية إدارة كنيسة الإسكندرية أو الكرازة المرقسية، التي يعود عمرها إلى ما يقرب من ألفي عام، في وقت شديد الحساسية يتزامن مع اختيار رئيس جديد لمصر في ظل تصاعد التيار الإسلام السياسي.
ورغم صعوبة تحديد اسم بعينه لخلافة البابا شنودة، نظرا لأن الاختيار يتم عبر طفل لا يزيد عمره على 4 سنوات، فإن هذا لم يمنع من تداول أسماء عدة، بينها 3 من الأساقفة، اختارهم البابا شنودة كسكرتارية خاصة له، هم الأنبا بطرس والأنبا يؤانس والأنبا آرميا، الذين صاحبوه خلال الفترة الماضية في كل ما يقوم به، سواء من زيارات خارجية أو رحلات علاجية، وكان يعتمد عليهم البابا في كل لقاءاته ومقابلاته سواء في المقر البابوي، أو خارج المقر، وهم أنفسهم الذين ذهبوا للقاء رئيس الأركان الفريق سامي عنان، بعد مجزرة ماسبيرو.
وكان الأنبا يؤانس ارتبط اسمه باشاعة خلافته البابا شنودة، وطالب البعض داخل الكنيسة بمحاكمته بعدما اتهموه بالتورط في نشرها، خصوصا أنه مرتبط لدى الأقباط من خلال إقامته صلاة التسبحة بكنيسة العذراء بالزيتون التي تشهد حضورا مكثفا من الكهنة والأقباط يتجاوز الآلاف، ليكون الأسقف الوحيد الذي استطاع جذب الأقباط له بأعداد هائلة بعد البابا شنودة.
ويمتاز الأنبا يؤانس بقربه الشديد من البابا وتوسطه في كثير من القضايا بين نظام حسني مبارك السابق.
وطالت الترجيحات أيضا في الساعات الأخيرة الأنبا آرميا، حيث ترددت اشاعة حول إحالته إلى محاكمة كنسية عاجلة بسبب ما قيل عن تورطه في اشاعة وفاة البابا في 22 أغسطس الماضي، وهو يتميز بالغموض ولا يعرف عنه الكثير من المعلومات.
وظهرت أسماء عدة خلال الفترة الأخيرة، منها مستشار البابا الروحي الأنبا رويس الذي شارك في بعض اللقاءات التي جمعت البابا بشخصيات عامة، وكذلك لقاءات المجلس العسكري، وأسقف طنطا الأنبا بولا الذي اختاره البابا ليكون نائبا عنه في رئاسة المجلس الإكليركي الذي يختص بنظر قضايا الطلاق والزواج الثاني.
وأسقف شبرا الخيمة الأنبا مرقس، وهو رئيس لجنة الإعلام في المجمع المقدس، الذي كان الناطق الرسمي للكنيسة، لكن جرأة تصريحاته جعلت البابا يبعده عن الكاميرات لفترة قبل أن يعود إلى الظهور مجددا.
ويبقى الأكثر قربا إلى كرسي البابوية، وهما الأنبا بيشوي والأنبا موسى، الأول هو أسقف دمياط وسكرتير المجمع المقدس، وكان له دور كبير في الكنيسة، ولم ينحصر هذا الدور إلا بعد تصريحاته الصحافية أمام المرشح الرئاسي محمد سليم العوا على صفحات الصحف قبل الثورة، التي تسببت في تقلص دوره كثيرا.
والأنبا بيشوي كثير العداوات وله كثير من الخصوم، سواء في الكنائس الأخرى الكاثوليكية والإنجيلية، أو داخل الكنيسة الأرثوذكسية نفسها.
ورغم هذا، فإنه لايزال الأقوى والأقرب من البابا شنودة، وربما يعود هذا لتوليه سكرتارية المجمع المقدس حتى إن البعض يطلق عليه لقب حامي الإيمان وصخرة الكنيسة!
أما الأسقف العام للشباب الأنبا موسى، فهو دائما ذراع البابا للحوارات الوطنية، والمشاركات التي يطلب من الكنيسة الوجود فيها. ويتميز بشعبيته الكبيرة ووداعته وقربه من الشباب، وعلى عكس الأنبا بيشوي فهو يتمتع بالقبول لدى الكنائس الأخرى. ورغم كل هذه الترشيحات، فإن اختيار البابا يخضع للائحة 1957، التي تضع شروطا للبطريرك الجديد، وهي ألا تقل عاما عن 40 عاما، وأن يكون مضى في سلك الرهبنة بالأديرة مدة لا تقل عن 15 عاما، وأن يكون مصريا ولم يسبق له الزواج، سواء أكان أسقفا أو راهبا أو مطرانا.
وتتكون لجنة للترشيح مكونة من 9 أشخاص من المجمع المقدس و9 أشخاص من هيئة الأوقاف القبطية، وتجتمع اللجنة وتفتح باب الترشيح ويتقدم من تتوافر فيه الشروط، وتجرى بينهم الانتخابات ويؤخذ أكبر 3 يحصلون على أعلى الأصوات، ثم يتم الاختيار بينهم بـ «العناية الإلهية» عن طريق طفل.
وشروط انتخاب البابا نفسها أثارت العديد من الأزمات فترة، وصاحبت هذه الأزمات تسريبات أن هناك أساقفة وافقوا على تغيير لائحة انتخاب البابا خلال فترة تولي القائم مقام الذي سيكون في الغالب هو أسقف البحيرة الأنبا باخوميوس نظرًا لأنه أكبر المطارنة سنًّا.
وذكرت المصادر لـ «الراي»، أن الأساقفة المؤيدين لتعديل اللائحة المعمول بها منذ العام 1957 هم: سكرتير المجمع المقدس ورئيس لجنة المحاكمات الكنسية الأنبا بيشوي، وأسقف الشباب الأنبا موسى، وسكرتير البابا الأنبا يؤانس، مشيرة إلى أن هناك شبه إجماع بين من وصفتهم بالغرماء على تغيير العديد من بنود تلك اللائحة.
وأوضحت أن «الرجل القوي في الكنيسة وأسقف كفر الشيخ ودمياط والبراري الأنبا بيشوي يؤيد في شدة إلغاء البند، الذي يحظر ترشيح الأساقفة والمطارنة للكرسي البابوي، وهو ما يتيح المجال أمامه للترشح».
بينما يسعى الأنبا يؤانس إلى إلغاء الشرط الذي ينص على «ضرورة أن يكون مضى على المرشح 15 عاما في سلك الرهبنة، وهو ما لا ينطبق عليه، حيث إنه يعد أصغر الأساقفة سنا ولم يمر على رهبنته 15 عاما حتى الآن».
فيما يسعى أسقف الشباب الأنبا موسى، لتغيير البند الذي ينص على ضرورة أن يكون ذا جذور أرثوذكسية، لكونه من أصول بروتستانتية».
ومن المرجح أن يشعل الحديث عن هذه التعديلات أجواء المعركة الانتخابية المقبلة على الكرسي البابوي، حيث يتوقع في حال إقرارها أن تؤدي لزيادة عدد المرشحين ورفع المزيد من القيود على عملية الترشيح، متوقعة أن تشهد هذه الانتخابات ترشيح أكبر عدد، خصوصا من أساقفة الصعيد.
طهران تثني على «الجهود البنّاءة والخالدة» التي بذلها الفقيد
أوباما وميشيل «حزينان» لرحيل «الزعيم المحبوب للمسيحيين»
عواصم - وكالات - أعرب الرئيس باراك أوباما عن تعازيه في وفاة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
وأكد في بيان، ليل اول من امس: «شعرت بالحزن أنا وميشيل عندما علمنا بوفاة زعيم المسيحيين الأقباط البابا شنودة الثالث، الزعيم المحبوب للمسيحيين، والمدافع عن التسامح والحوار الديني. نحن نقف جنبا إلى جنب مع المسيحيين الأقباط والمصريين وهم يتذكرون اسهاماته في دعم السلام والتعاون».
وتابع: «سنتذكر البابا شنودة الثالث كرجل عميق الإيمان... وداعية للوحدة والمصالحة. كما أن التزامه وحدة مصر الوطنية يعد دليلا على ما يمكن تحقيقه عندما يعمل الناس من جميع الأديان والمذاهب معا».
من جهتها، عبرت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون عن «تعازيها الحارة» للشعب المصري.
وفي طهران، أعرب مساعد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، امس، عن تعازيه لكل المسيحيين خصوصاً الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية.
وأفادت «وكالة الأنباء الإيرانية» أن عبد اللهيان «عزّى في رسالة بوفاة البابا شنودة، وأثنى على الجهود البنّاءة والخالدة التي بذلها الأخير في مسار تطبيق العدالة وإحلال السلام».
صورة الراحل تصدّرت صفحات «فيسبوك»
القاهرة - من وفاء وصفي
تصدرت صورة بطريرك الكرازة المرقسية وبابا الإسكندرية البابا شنودة الثالث، فور إذاعة خبر وفاته، ليل أول من أمس، صفحات «فيسبوك»، وأصبح هو الخبر الرئيسي على صفحات الموقع، حيث أخذ الجميع أقباطا ومسلمين في كتابة أقوال مأثورة عن البابا.
وكان لافتا اختفاء الصور الشخصية، لتحل محلها صور البابا شنودة الثالث، وانهالت التعليقات على كثير من الصفحات، وجاء أبرزها رسالة للعذراء مريم: «يا أمي إحنا عارفين إن عيد الأم قرب واحتارنا نقدملك إيه... قدمنالك أحلى وأغلى وأثمن هدية عندنا بس احنا بنجهزهالك ونزينهالك خلال 3 أيام عشان نقدمها لك يوم 21 مارس».
وكتب البعض أقوال البابا شنودة كنوع من أنواع التعزية، وكانت أهمها مقولته في وقت أحداث ماسبيرو: «أخذتكم جميعا في قلبي وفي فكري... أنتم وآلامكم ومشاكلكم... أعرضها الآن أمام الله».
كذلك أثار البعض وجود صورة تم تداولها على «فيسبوك» لأحد الأساقفة المتوفين داخل الصندوق، قام البعض بعمل فوتوشوب وتركيب صورة البابا عليها تحت عنوان «أول صورة للبابا بعد وفاته»، ما أغضب الكثيرين من مستخدمي الإنترنت وقاموا بتحذير الجميع منها.
الكتاتني: لن ننسى مواقف البابا من الصهاينة
الكنيسة الأرثوذكسية تتلقى برقيات تعازي من «الاستشاري» وأحزاب ووزارات ونواب
القاهرة - «الراي»
توالت، أمس، على الكنيسة الأرثوذكسية المصرية التعازي الرسمية في وفاة البابا شنودة الثالث، وأرسل «المجلس الاستشاري»، المعاون للمجلس العسكري الحاكم الانتقالي، تعازيه، فيما تلقت الكنيسة برقيات تعازي من المرشحين المحتملين للرئاسة والأحزاب والوزارات والنواب.
وقال الأمين العام للمجلس الاستشاري عبدالله المغازي، إن المجلس برئاسة نقيب المحامين المصريين سامح عاشور اعتبر وفاة البابا شنودة «خسارة للمصريين، جميعا لا للأقباط فقط». ونعى المرشح المحتمل للرئاسة وزير الإدارة المحلية السابق محمود شريف الأقباط. وقال إن قداسته «كان وطنيا مخلصا ساهم في احتواء أزمات كثيرة، باعتباره ركنا من أركان الحركة الدينية في مصر»، مشيرا إلى أن «هذا اتضح، في مواقفه مع شيخ الأزهر الحالي والسابق».
وأعربت وزارة الخارجية المصرية عن خالص تعازيها إلى المصريين جميعا، واكدت في بيان إن الوزير محمد عمرو يتقدم باسمه وباسم كل الديبلوماسية المصرية، بشديد العزاء»، لافتة إلى أن «الخسارة كبيرة فقدت فيها البلاد رجلا من خيرة رجالها، سعى طيلة حياته الى المحافظة على وحدة النسيج الوطني».
ونعى رئيس مجلس الشعب محمد سعد الكتاتني، باسم أعضاء الاجتماع المشترك لمجلسي الشعب والشورى، البابا. واكد في بداية جلسة، أمس، إنه «في اللحظة التاريخية التي تعيد البلاد فيها تشكيل الحاضر والمستقبل، وإعداد دستور جديد، غاب عنا قداسة البابا شنودة، بعدما أفنى حياته في خدمة وطنه، فعاش وطنينا مخلصا ومات وطنيا مخلصا».
وذكر الكتاتني «بمواقف البابا الراحل، ضد الاحتلال الصهيوني للقدس وانتهاكه للمقدسات الإسلامية والمسيحية».
وأصدر حزب «التحرير» بيانا قدم فيه العزاء والمواساة للشعب القبطي، مشددا على «كامل احترام المصريين لسيرة الراحل»،
ووصف رئيس حزب «النور» السلفي عماد عبدالغفور، وفاة البابا بالحدث «الجلل، الذي يأمل أن يمر على المسيحيين بمصر بسكينة وسلام».
من ناحيته، أصدر الجامع الأزهر بيانا، احتسب فيه الإمام الأكبر «فقيدا كبيرا وعالما جليلا»، وأعقبه بيان إلى «الحركة الشعبية لاستقلال الأزهر»، تضمن إشادة بالبابا، بينما وصف نقابة الدعاة المستقلة بـ «رمز الحكمة ورجاحة العقل».
واكد بيان لشيخ الأزهر أحمد الطيب إن «غياب البابا شنودة في ظروف دقيقة تحتاج إلى الحكماء وخبرتهم»، مشيرا إلى أن «فقيد مصر الكبير لم تكن مواقفه الوطنية وشخصيته الجذابة وسعيه الدؤوب البناء على المستوى الوطني فحسب، بل على المستوى القومي أيضا، عاشت قضية القدس ومشكلة فلسطين في ضميره».
وأرسل مفتي مصر علي جمعة من الولايات المتحدة برقية عزاء، اعتبر أن «وفاة قداسة البابا فاجعة ومصابا جللا»، معبرا عن حزنه، «لرحيل رمز ديني في مصر والعالم»، داعيا أن «يلهم الله المصريين الصبر والسلوان».
وذكرت وزارة الأوقاف، في بيان، أمس، إن وزير الأوقاف والعلماء والدعاة «تلقوا بالأسى نبأ الوفاة»، واصفة الراحل «بنموذج الوطنية في وقت تشتد فيه الحاجة إلى أمثاله». كما نعت المشيخة العامة للطرق الصوفية برئاسة عبدالهادي القصبي القيادة الدينية الوطنية، التي «تميزت بالحكمة والعطاء والقدرة على توجيه الأمور في أحلك الظروف».
بدأت الكنيسة المصرية، امس، الاستعدادات لجنازة البابا شنوده الثالث الذي غيبه الموت السبت، عن عمر يناهز 88 عاما بعدما ظل على رأس الطائفة المسيحية الاكبر في الشرق الاوسط لاكثر من 40 عاما.
وتم الباس جثمان البابا الملابس الكهنوتية ووضع على كرسيه البابوي، امس، وسيبقى كذلك لمدة 3 ايام حتى يتمكن جمهور الاقباط من القاء نظرة الوداع عليه قبل تنظيم قداس الجنازة في مقر كاتدرائية الاقباط الارثوذكس في العباسية في القاهرة. وبناء على وصيته، سيتم دفن البابا شنوده الثالث في دير وادي النطرون الواقع في منتصف الطريق تقريبا بين القاهرة والاسكندرية.
وكان شنوده الثالث حددت اقامته في دير الانباء بشوي العام 1981 في عهد الرئيس السابق انور السادات الذي كان على خلاف كبير معه.
وتوافد آلاف الاقباط، امس وليل اول من امس، على مقر الكاتدرائية في القاهرة لوداع الرجل الذي لم يعرفوا غيره ابا للكنيسة على مدى 40 عاما في اجواء مفعمة بالحزن.
إنها رحلة ثرية، من بدايتها إلى نهايتها، بدايتها كانت في قرية صعيدية، وأهم خطواتها كانت في حي العباسية، ونهايتها في وادي النطرون، إنها حكاية سيرة ومسيرة البابا شنودة. وولد نظير جيد روفائيل (البابا شنودة) في 3 أغسطس العام 1923 في قرية سلام في أسيوط وتوفيت والدته بحمى النفاث لتصبح كل أمهات القرية أمًّا له.
كان والده رجلا ريفيا بسيطا وكان يمثل الجانب الأبوي العطوف للطفل نظير جيد. وفي الوقت نفسه نتيجة الظروف التي واجهت الأسرة أصبحت رعاية نظير وتربيته الأولى هي مسؤولية أخيه الأكبر روفائيل، وليس أبيه.
أسرة نظير جيد تكونت من 5 شقيقات متزوجات، وشقيقين فقط هما: روفائيل وشوقي، احتضن روفائيل أخاه الصغير نظير، وأخذه مع أخيه الأكبر شوقي، القمص بطرس جيد في ما بعد، الذي يكبره بـ 5 سنوات إلى دمنهور التي عمل فيها موظفا في إحدى إدارات وزارة المال، حيث التحق نظير بالتعليم الابتدائي. ويذكر لزوجة الأخ الكبير روفائيل دورها في رعاية نظير وشوقي، فكانت بمثابة الأم الحنون عليهما. فتخدمهما وتسهر عليهما كأولادها من دون أي تفرقة.
التحق نظير بالتعليم الأولي «رياض الأطفال»، وكان التعليم فيه يسمى حينذاك «تحضيريا» ومدته 3 سنوات فاجتازه في سنة واحدة. ثم التحق بالسنة الأولى الابتدائي وبعدها انتقل إلى الإسكندرية بسبب نقل عمل أخيه روفائيل، حيث أمضى السنتين الثانية والثالثة من المرحلة الابتدائية هناك. ثم انتقل إلى أسيوط وهو في السنة الرابعة الابتدائي. وانتقلت الأسرة إلى بنها بعد حصول روفائيل على فرصة عمل أفضل. ولكن تعطل نظير عن الالتحاق بالمدرسة لمدة سنتين بسبب عدم وجود شهادة ميلاد له. ثم التحق بالمدارس مرة ثانية وأنهى مرحلة التعليم الإعدادي في بنها. ثم انتقلت الأسرة إلى القاهرة، حيث التحق نظير بالمدارس الثانوية.
وسكنت الأسرة في الترعة البولاقية «شبرا مصر»، في جوار كنيسة الأنبا أنطونيوس. ظل نظير جيد طوال مراحل دراسته متفوقا، والأول باستمرار، وعندما كان في السنة الأولى الثانوية وعمره 16 عاما كان يكتب الشعر ويتذوقه وأجاد عروضه وقوافيه وكل ما يختص به. وكان من الطبيعي أن يلتحق بعد ذلك بالجامعة.
والتحق بجامعة فؤاد الأول، في قسم التاريخ، وبدأ بدراسة التاريخ الفرعوني والإسلامي والتاريخ الحديث، وحصل على الليسانس بتقدير «ممتاز» العام 1947. وفي السنة النهائية في كلية الآداب التحق بالكلية الإكليركية. وبعد حصوله على الليسانس بثلاث سنوات تخرج في الكلية الإكليركية ليعمل مدرسا للتاريخ.
وكان يحب الكتابة، خصوصا كتابة القصائد الشعرية، وكان لسنوات عدة محررا، ثم رئيسا للتحرير في مجلة «مدارس الأحد»، وفي الوقت نفسه كان يتابع دراساته العليا في علم الآثار القديمة.
رهبنته
رسم نظير جيد راهبا في دير السريان في وادي النطرون باسم «أنطونيوس السرياني» في يوم 18 يوليو 1954، ومن العام 1956 إلى العام 1962 عاش حياة الوحدة في مغارة تبعد نحو 7 أميال عن مبنى الدير مكرسا فيها كل وقته للتأمل والصلاة. وأمضى 10 سنوات في الدير دون أن يغادره.
ثم عمل سكرتيرا خاصا للبابا كيرلس السادس البطريرك الـ 116 في العام 1959. وفي العام 1962 رُسِمَ أسقفًا للمعاهد الدينية والتربية الكنسية، ليكون أول أسقف للتعليم المسيحي وعميد الكلية الإكليريكية.
وطوال سنوات الثورة الأولى لثورة 1952، لم يحدث احتكاك واضح بينها وبين الكنيسة، بل لعل الأقباط كانوا وحدهم الذين نجوا من حفلات الاعتقال التي دشنتها الثورة طوال سنوات الخمسينات والستينات وطالت كل التيارات والاتجاهات بما فيها الشيوعيون و«الإخوان المسلمين»، ولم يكن الأمر هنا فيه شيء من صفقة بين النظام والأقباط، وإنما جرت الأمور على طبيعتها، فلم يكن للأقباط كتجمع ديني، أي طموح سياسي بعد قيام ثورة يوليو على عكس الحال مع بقية التيارات الأخرى التي اصطدمت رغباتها مع طموح رجال الثورة، لكن الأمر اختلف في السبعينات بعدما اعتلى الرئيس المصري الراحل أنور السادات سدة الحكم وجاء البابا شنودة على قمة الكنيسة.
والاصطدام لم يأت مبكرا، خصوصا أن السادات لم يكن في حاجة لتوسيع رقعة الأعداء الكثر أصلا، وبعدما أزاح ما يعرف بـ «مراكز القوى الناصرية» كان لابد أن يلملم ولا يفرق لأنه مقدم على حرب حتمية مفروضة عليه لاسترداد الأرض، وبعد نصر أكتوبر العام 1973 بات السادات أكثر ثقة في نفسه وأكثر انفرادا بالقرار فكان قراره الأخطر بإطلاق يد الجماعات والتيار الإسلامي من دون قيد في الجامعات والشارع السياسي المصري لمحاربة التيار اليساري والشيوعي فكان أن تحقق له هذا بالفعل.
قبل هذا كان البابا شنودة سجل رفضه لاتفاقية السلام مع إسرائيل، وأكد ذلك أن قرر عدم الذهاب مع الرئيس السادات في زيارته إلى إسرائيل العام 1977، هذا بطبيعة الحال صنع حالة عدائية من السادات تجاه البابا لأنه لم يتصور أن يخالفه أحد في قراراته بعد الحرب، فما بالك إذا كان هذا هو القيادة الكبرى لكل الأرثوذكس الذين يشكلون غالبية المسيحيين في مصر؟
بات الصدام وشيكا، وفي ظل اتهامات متزايدة من الأقباط بأن الدولة تغذي العنف تجاههم من قبل الجماعات الإسلامية، وعندما قام الرئيس السادات بزيارة إلى أميركا كان الصدام إذ نظم الأقباط في أميركا تظاهرة مناهضة للسادات رفعوا فيها لافتات تصف ما يحدث للأقباط في مصر بأنه اضطهاد، وهو بالقطع ما أضر بصورة السادات كثيرا فطلب من معاونيه أن يتصلوا بالبابا ليرسل من يوقف هذه التظاهرات، وعندما حدث هذا فعلا متأخرا بعض الشيء ظن السادات أن البابا شنودة يتحداه، فكانت أن أصدرت أجهزة الأمن قرارا للبابا بأن يتوقف عن إلقاء درسه الأسبوعي، الأمر الذي رفضه البابا، ثم قرر تصعيد الأمر بأن أصدر قرارا بدوره بعدم الاحتفال بالعيد في الكنيسة وعدم استقبال المسؤولين الرسميين الذين يوفدون من قبل الدولة عادة للتهنئة.
بل وصل الأمر إلى ذروته عندما كتب في رسالته، التي طافت بكل الكنائس قبيل الاحتفال بالعيد، أن هذه القرارات جاءت «احتجاجا على اضطهاد الأقباط في مصر»، وكانت هذه المرة الوحيدة التي يقر فيها البابا علانية بوجود اضطهاد للأقباط في مصر، ولم يفعلها بعد ذلك مطلقا.
وأصبحت القطيعة بين السادات والبابا «شنودة هي عنوان المشهد، ولذا كان من المنطقي أن يطول العقاب البابا في أيام السادات الأخيرة عندما أصدر في سبتمبر العام 1981 قراره بالتحفظ على 1531 من الشخصيات العامة المعارضة، لم يكن مصير البابا الاعتقال وإنما كان تحديد الإقامة في الدير في وادي النطرون، ولعل السادات فعل ذلك درءا لرد فعل مضاد من قبل الأقباط.
وبعد تقلد حسني مبارك مقاليد الرئاسة في 14 أكتوبر 1981، قام في العام 1985 بالإفراج عن المعتقلين، والذين قام سلفه السادات باعتقالهم، وقابل بعضهم وكان على رأس هذا البعض البابا شنودة، ومن هذا اللقاء بدا واضحا أن سياسة مبارك تتجنب الصدام بأي شكل من الأشكال مع الأقباط خصوصا، رغم أنه كان مقربا من السادات بحكم منصبه كنائب له.
طوال فترة حكم مبارك لم يخرج من البابا لفظ واحد ضد النظام أو الدولة ولا حتى ضد أي من ممثليه كوزراء أو مسؤولين حكوميين، رغم أن فترة التسعينات وبدايات الألفية الثانية شهدت العديد من الحوادث التي تصنف على أنها الطائفية بين المسلمين والمسيحيين الملتهبة، متنوعة ما بين الاختلاف على بناء كنيسة أو خلافات شخصية عادية، ثم طالت حتى الحكي عن التنصير أو الإجبار على الإسلام، وفي كل مرة اختار البابا الصمت أو الاعتراض بالاعتزال في دير الأنبا بيشوي في وادي النطرون.
تختاره لجنة من 18 نصفهم من «المجمّع المقدس» والآخر من هيئة الأوقاف القبطية
من يخلف البابا شنودة الثالث:
هل تتغير اللائحة... أم يحسمها طفل؟
القاهرة - من رشدي الدقن
في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية البابا رقم 118، ربما يكون هو الملف الأكثر خطورة الآن، وقد يلقي بظلاله على مستقبل اندماج الأقباط في الحياة السياسية في مصر.
وبعدما غيب الموت البابا شنودة الثالث؛ ثارت تساؤلات حول الخليفة المتوقع له، الذي سيحمل على كاهله مسؤولية إدارة كنيسة الإسكندرية أو الكرازة المرقسية، التي يعود عمرها إلى ما يقرب من ألفي عام، في وقت شديد الحساسية يتزامن مع اختيار رئيس جديد لمصر في ظل تصاعد التيار الإسلام السياسي.
ورغم صعوبة تحديد اسم بعينه لخلافة البابا شنودة، نظرا لأن الاختيار يتم عبر طفل لا يزيد عمره على 4 سنوات، فإن هذا لم يمنع من تداول أسماء عدة، بينها 3 من الأساقفة، اختارهم البابا شنودة كسكرتارية خاصة له، هم الأنبا بطرس والأنبا يؤانس والأنبا آرميا، الذين صاحبوه خلال الفترة الماضية في كل ما يقوم به، سواء من زيارات خارجية أو رحلات علاجية، وكان يعتمد عليهم البابا في كل لقاءاته ومقابلاته سواء في المقر البابوي، أو خارج المقر، وهم أنفسهم الذين ذهبوا للقاء رئيس الأركان الفريق سامي عنان، بعد مجزرة ماسبيرو.
وكان الأنبا يؤانس ارتبط اسمه باشاعة خلافته البابا شنودة، وطالب البعض داخل الكنيسة بمحاكمته بعدما اتهموه بالتورط في نشرها، خصوصا أنه مرتبط لدى الأقباط من خلال إقامته صلاة التسبحة بكنيسة العذراء بالزيتون التي تشهد حضورا مكثفا من الكهنة والأقباط يتجاوز الآلاف، ليكون الأسقف الوحيد الذي استطاع جذب الأقباط له بأعداد هائلة بعد البابا شنودة.
ويمتاز الأنبا يؤانس بقربه الشديد من البابا وتوسطه في كثير من القضايا بين نظام حسني مبارك السابق.
وطالت الترجيحات أيضا في الساعات الأخيرة الأنبا آرميا، حيث ترددت اشاعة حول إحالته إلى محاكمة كنسية عاجلة بسبب ما قيل عن تورطه في اشاعة وفاة البابا في 22 أغسطس الماضي، وهو يتميز بالغموض ولا يعرف عنه الكثير من المعلومات.
وظهرت أسماء عدة خلال الفترة الأخيرة، منها مستشار البابا الروحي الأنبا رويس الذي شارك في بعض اللقاءات التي جمعت البابا بشخصيات عامة، وكذلك لقاءات المجلس العسكري، وأسقف طنطا الأنبا بولا الذي اختاره البابا ليكون نائبا عنه في رئاسة المجلس الإكليركي الذي يختص بنظر قضايا الطلاق والزواج الثاني.
وأسقف شبرا الخيمة الأنبا مرقس، وهو رئيس لجنة الإعلام في المجمع المقدس، الذي كان الناطق الرسمي للكنيسة، لكن جرأة تصريحاته جعلت البابا يبعده عن الكاميرات لفترة قبل أن يعود إلى الظهور مجددا.
ويبقى الأكثر قربا إلى كرسي البابوية، وهما الأنبا بيشوي والأنبا موسى، الأول هو أسقف دمياط وسكرتير المجمع المقدس، وكان له دور كبير في الكنيسة، ولم ينحصر هذا الدور إلا بعد تصريحاته الصحافية أمام المرشح الرئاسي محمد سليم العوا على صفحات الصحف قبل الثورة، التي تسببت في تقلص دوره كثيرا.
والأنبا بيشوي كثير العداوات وله كثير من الخصوم، سواء في الكنائس الأخرى الكاثوليكية والإنجيلية، أو داخل الكنيسة الأرثوذكسية نفسها.
ورغم هذا، فإنه لايزال الأقوى والأقرب من البابا شنودة، وربما يعود هذا لتوليه سكرتارية المجمع المقدس حتى إن البعض يطلق عليه لقب حامي الإيمان وصخرة الكنيسة!
أما الأسقف العام للشباب الأنبا موسى، فهو دائما ذراع البابا للحوارات الوطنية، والمشاركات التي يطلب من الكنيسة الوجود فيها. ويتميز بشعبيته الكبيرة ووداعته وقربه من الشباب، وعلى عكس الأنبا بيشوي فهو يتمتع بالقبول لدى الكنائس الأخرى. ورغم كل هذه الترشيحات، فإن اختيار البابا يخضع للائحة 1957، التي تضع شروطا للبطريرك الجديد، وهي ألا تقل عاما عن 40 عاما، وأن يكون مضى في سلك الرهبنة بالأديرة مدة لا تقل عن 15 عاما، وأن يكون مصريا ولم يسبق له الزواج، سواء أكان أسقفا أو راهبا أو مطرانا.
وتتكون لجنة للترشيح مكونة من 9 أشخاص من المجمع المقدس و9 أشخاص من هيئة الأوقاف القبطية، وتجتمع اللجنة وتفتح باب الترشيح ويتقدم من تتوافر فيه الشروط، وتجرى بينهم الانتخابات ويؤخذ أكبر 3 يحصلون على أعلى الأصوات، ثم يتم الاختيار بينهم بـ «العناية الإلهية» عن طريق طفل.
وشروط انتخاب البابا نفسها أثارت العديد من الأزمات فترة، وصاحبت هذه الأزمات تسريبات أن هناك أساقفة وافقوا على تغيير لائحة انتخاب البابا خلال فترة تولي القائم مقام الذي سيكون في الغالب هو أسقف البحيرة الأنبا باخوميوس نظرًا لأنه أكبر المطارنة سنًّا.
وذكرت المصادر لـ «الراي»، أن الأساقفة المؤيدين لتعديل اللائحة المعمول بها منذ العام 1957 هم: سكرتير المجمع المقدس ورئيس لجنة المحاكمات الكنسية الأنبا بيشوي، وأسقف الشباب الأنبا موسى، وسكرتير البابا الأنبا يؤانس، مشيرة إلى أن هناك شبه إجماع بين من وصفتهم بالغرماء على تغيير العديد من بنود تلك اللائحة.
وأوضحت أن «الرجل القوي في الكنيسة وأسقف كفر الشيخ ودمياط والبراري الأنبا بيشوي يؤيد في شدة إلغاء البند، الذي يحظر ترشيح الأساقفة والمطارنة للكرسي البابوي، وهو ما يتيح المجال أمامه للترشح».
بينما يسعى الأنبا يؤانس إلى إلغاء الشرط الذي ينص على «ضرورة أن يكون مضى على المرشح 15 عاما في سلك الرهبنة، وهو ما لا ينطبق عليه، حيث إنه يعد أصغر الأساقفة سنا ولم يمر على رهبنته 15 عاما حتى الآن».
فيما يسعى أسقف الشباب الأنبا موسى، لتغيير البند الذي ينص على ضرورة أن يكون ذا جذور أرثوذكسية، لكونه من أصول بروتستانتية».
ومن المرجح أن يشعل الحديث عن هذه التعديلات أجواء المعركة الانتخابية المقبلة على الكرسي البابوي، حيث يتوقع في حال إقرارها أن تؤدي لزيادة عدد المرشحين ورفع المزيد من القيود على عملية الترشيح، متوقعة أن تشهد هذه الانتخابات ترشيح أكبر عدد، خصوصا من أساقفة الصعيد.
طهران تثني على «الجهود البنّاءة والخالدة» التي بذلها الفقيد
أوباما وميشيل «حزينان» لرحيل «الزعيم المحبوب للمسيحيين»
عواصم - وكالات - أعرب الرئيس باراك أوباما عن تعازيه في وفاة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
وأكد في بيان، ليل اول من امس: «شعرت بالحزن أنا وميشيل عندما علمنا بوفاة زعيم المسيحيين الأقباط البابا شنودة الثالث، الزعيم المحبوب للمسيحيين، والمدافع عن التسامح والحوار الديني. نحن نقف جنبا إلى جنب مع المسيحيين الأقباط والمصريين وهم يتذكرون اسهاماته في دعم السلام والتعاون».
وتابع: «سنتذكر البابا شنودة الثالث كرجل عميق الإيمان... وداعية للوحدة والمصالحة. كما أن التزامه وحدة مصر الوطنية يعد دليلا على ما يمكن تحقيقه عندما يعمل الناس من جميع الأديان والمذاهب معا».
من جهتها، عبرت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون عن «تعازيها الحارة» للشعب المصري.
وفي طهران، أعرب مساعد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، امس، عن تعازيه لكل المسيحيين خصوصاً الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية.
وأفادت «وكالة الأنباء الإيرانية» أن عبد اللهيان «عزّى في رسالة بوفاة البابا شنودة، وأثنى على الجهود البنّاءة والخالدة التي بذلها الأخير في مسار تطبيق العدالة وإحلال السلام».
صورة الراحل تصدّرت صفحات «فيسبوك»
القاهرة - من وفاء وصفي
تصدرت صورة بطريرك الكرازة المرقسية وبابا الإسكندرية البابا شنودة الثالث، فور إذاعة خبر وفاته، ليل أول من أمس، صفحات «فيسبوك»، وأصبح هو الخبر الرئيسي على صفحات الموقع، حيث أخذ الجميع أقباطا ومسلمين في كتابة أقوال مأثورة عن البابا.
وكان لافتا اختفاء الصور الشخصية، لتحل محلها صور البابا شنودة الثالث، وانهالت التعليقات على كثير من الصفحات، وجاء أبرزها رسالة للعذراء مريم: «يا أمي إحنا عارفين إن عيد الأم قرب واحتارنا نقدملك إيه... قدمنالك أحلى وأغلى وأثمن هدية عندنا بس احنا بنجهزهالك ونزينهالك خلال 3 أيام عشان نقدمها لك يوم 21 مارس».
وكتب البعض أقوال البابا شنودة كنوع من أنواع التعزية، وكانت أهمها مقولته في وقت أحداث ماسبيرو: «أخذتكم جميعا في قلبي وفي فكري... أنتم وآلامكم ومشاكلكم... أعرضها الآن أمام الله».
كذلك أثار البعض وجود صورة تم تداولها على «فيسبوك» لأحد الأساقفة المتوفين داخل الصندوق، قام البعض بعمل فوتوشوب وتركيب صورة البابا عليها تحت عنوان «أول صورة للبابا بعد وفاته»، ما أغضب الكثيرين من مستخدمي الإنترنت وقاموا بتحذير الجميع منها.
الكتاتني: لن ننسى مواقف البابا من الصهاينة
الكنيسة الأرثوذكسية تتلقى برقيات تعازي من «الاستشاري» وأحزاب ووزارات ونواب
القاهرة - «الراي»
توالت، أمس، على الكنيسة الأرثوذكسية المصرية التعازي الرسمية في وفاة البابا شنودة الثالث، وأرسل «المجلس الاستشاري»، المعاون للمجلس العسكري الحاكم الانتقالي، تعازيه، فيما تلقت الكنيسة برقيات تعازي من المرشحين المحتملين للرئاسة والأحزاب والوزارات والنواب.
وقال الأمين العام للمجلس الاستشاري عبدالله المغازي، إن المجلس برئاسة نقيب المحامين المصريين سامح عاشور اعتبر وفاة البابا شنودة «خسارة للمصريين، جميعا لا للأقباط فقط». ونعى المرشح المحتمل للرئاسة وزير الإدارة المحلية السابق محمود شريف الأقباط. وقال إن قداسته «كان وطنيا مخلصا ساهم في احتواء أزمات كثيرة، باعتباره ركنا من أركان الحركة الدينية في مصر»، مشيرا إلى أن «هذا اتضح، في مواقفه مع شيخ الأزهر الحالي والسابق».
وأعربت وزارة الخارجية المصرية عن خالص تعازيها إلى المصريين جميعا، واكدت في بيان إن الوزير محمد عمرو يتقدم باسمه وباسم كل الديبلوماسية المصرية، بشديد العزاء»، لافتة إلى أن «الخسارة كبيرة فقدت فيها البلاد رجلا من خيرة رجالها، سعى طيلة حياته الى المحافظة على وحدة النسيج الوطني».
ونعى رئيس مجلس الشعب محمد سعد الكتاتني، باسم أعضاء الاجتماع المشترك لمجلسي الشعب والشورى، البابا. واكد في بداية جلسة، أمس، إنه «في اللحظة التاريخية التي تعيد البلاد فيها تشكيل الحاضر والمستقبل، وإعداد دستور جديد، غاب عنا قداسة البابا شنودة، بعدما أفنى حياته في خدمة وطنه، فعاش وطنينا مخلصا ومات وطنيا مخلصا».
وذكر الكتاتني «بمواقف البابا الراحل، ضد الاحتلال الصهيوني للقدس وانتهاكه للمقدسات الإسلامية والمسيحية».
وأصدر حزب «التحرير» بيانا قدم فيه العزاء والمواساة للشعب القبطي، مشددا على «كامل احترام المصريين لسيرة الراحل»،
ووصف رئيس حزب «النور» السلفي عماد عبدالغفور، وفاة البابا بالحدث «الجلل، الذي يأمل أن يمر على المسيحيين بمصر بسكينة وسلام».
من ناحيته، أصدر الجامع الأزهر بيانا، احتسب فيه الإمام الأكبر «فقيدا كبيرا وعالما جليلا»، وأعقبه بيان إلى «الحركة الشعبية لاستقلال الأزهر»، تضمن إشادة بالبابا، بينما وصف نقابة الدعاة المستقلة بـ «رمز الحكمة ورجاحة العقل».
واكد بيان لشيخ الأزهر أحمد الطيب إن «غياب البابا شنودة في ظروف دقيقة تحتاج إلى الحكماء وخبرتهم»، مشيرا إلى أن «فقيد مصر الكبير لم تكن مواقفه الوطنية وشخصيته الجذابة وسعيه الدؤوب البناء على المستوى الوطني فحسب، بل على المستوى القومي أيضا، عاشت قضية القدس ومشكلة فلسطين في ضميره».
وأرسل مفتي مصر علي جمعة من الولايات المتحدة برقية عزاء، اعتبر أن «وفاة قداسة البابا فاجعة ومصابا جللا»، معبرا عن حزنه، «لرحيل رمز ديني في مصر والعالم»، داعيا أن «يلهم الله المصريين الصبر والسلوان».
وذكرت وزارة الأوقاف، في بيان، أمس، إن وزير الأوقاف والعلماء والدعاة «تلقوا بالأسى نبأ الوفاة»، واصفة الراحل «بنموذج الوطنية في وقت تشتد فيه الحاجة إلى أمثاله». كما نعت المشيخة العامة للطرق الصوفية برئاسة عبدالهادي القصبي القيادة الدينية الوطنية، التي «تميزت بالحكمة والعطاء والقدرة على توجيه الأمور في أحلك الظروف».