بشير أحمد ملك: ستة وأربعون عاماً وأنا أزاول مهنة تصليح الساعات
بشير أحمد يسترجع ذكرياته (تصوير أحمد عماد)
ضيفنا اليوم أحد أصحاب المهن اليدوية التي تضفي على أصحابها خلق الصبر فينتج عنه قوة التحمل والدقة حيث يجلس الساعات الطوال وهو مشدود الاعصاب ومشغول الذهن مهنة تصليح الساعات من المهن اليدوية الدقيقة والتي احتاجها الناس على مر العقود، بشير أحمد ملك يحدثنا عن هذه المهنة التي سار بها ركب حياته العملية وهو شاب في مقتبل العمر يذكر لنا كيف تعلم هذه المهنة؟ ثم كم كانت مدة تعليمه؟ بعد ذلك يتطرق إلى اولى محطات عمله الخاص أحاديث متنوعة نطرقها معه يتخللها عن عمله في الكويت فلنترك له ذلك:
بلدي الذي ولدت فيه وترعرت هو مدينة جلهم في باكستان وهي تنسب إلى نهر جلهم ومنه جاءت تسميتها وهي مدينة تجارية بها مصانع كثيرة وبها مساحات مزروعة كبيرة ومتفرقة يزرع فيها القمح والخضراوات وبعض المزروعات الموسمية ذلك كانت مهن مدينة جلهم متنوعة ما بين الزراعة والتجارة اما والدي فكان عمله مغايرا لما ذكر حيث انه كان سائق قطار وقد انهى دراسته الثانوية في جلهم حيث درس في مدارسها حتى انهى المرحلة الثانوية ثم كانت هذه الوظيفة له، تزوج بوالدتي وانجب منها سبعة ابناء ذكور وبنتين وجميعهم اتموا المرحلة الثانوية من حياتهم الدراسية وانا من ضمنهم حيث ان تلك المرحلة هي اخر محطات دراستي ثم توجهت إلى العمل وهو غالب ابناء جيلي كان يلتحق بالعمل مبكرا.
العمل
الدراسة الجامعية عندنا في باكستان في ذلك الوقت كانت مكلفة ماديا لذا كان التوجه للعمل هو السمة العامة للشباب فكل يبحث له عن عمل مناسب لطبيعته سواء كان داخل باكستان او خارجها وانا كان عندي ميول للعمل اليدوي وكنت انظر إلى مهنة تصليح الساعات انها مهنة نظيفة وليس بها مشقة وتعب ولا مشاكل فهي تنحصر في اطر الساعات وما يدور حولها ولي بها رغبة ولها محبة في نفسي فعرضت الامر على والدي فوافق ولم يبد معارضة فبدأت رحلتي مع تصليح الساعات وعمري حينئذ لا يتجاوز ستة عشر عاما.
غلام
مهنة وحرفة تصليح الساعات مهنة يدوية ولابد فيها من التعلم العملي لا نظري فلا ثم دراسة ونظرات خاصة بها وكل المهن اليدوية والعملية الاصل بها هي الورشة ومكان عملها لذا كان تعلمي لهذه المهنة اليدوية عند احد اصحابها الذين يعملون بها وهو السيد غلام سرور كان له محل وهو عبارة عن ورشة لتصليح الساعات وهو محل متوسط الحجم والمساحة... ذهب اليه والدي وانا معه وقال له: ان ولدي هذا يريد ان يتعلم عندك ويعمل اي يشتغل في محلك هذا- فلم يبد معارضة لما طلب الوالد بل رحب ووافق ومن تلك اللحظة اخذت اتعلم هذه المهنة في محل سيد غلام سرور ولم اكن لوحدي في هذا التعليم والتلقي لمهنة تصليح الساعات بل كان معي ابن صاحب المحل ايضا يتعلم معي.
الصعوبة
لم اواجه صعوبة ومشقة حين بدأ تعلمي لمهنة تصليح الساعات عند سيد غلام فهو اخذ معنا اسلوب ونمط التدرج في التعلم فكل يوم نتعلم جزءا ثم ننتقل إلى آخر فتدريجيا استطعت ان اسلك طريق هذه المهنة... يبدأ عملنا من الساعة الثامنة صباحا ويستمر حتى الثامنة مساء ويتخلل ساعات عملنا الطويلة استراحة في منتصفها لا تتجاوز الساعة الواحدة ثم نعود إلى ما كنت فيه، اما يوم الجمعة فهو عطلة وليس فيه عمل.
المدة
اخذت اعمل واتدرج من مرحلة إلى مرحلة فاتقنت هذه المهنة في مدة لم تتجاوز العامين شعرت بها انني استطيع ان اصلح واعرف كل عطل او خراب في الساعات الوقتية اليدوية المتوافرة في تلك الايام ويستعملها غالب الناس وافراد الشعب... وانا حين انخراطي للعمل في محل سيد غلام لم اكن اتقاضى راتبا محددا بل قضيت عاما كاملا عنده بلا اجر سوى تعلمي لهذه الصنعة والمهنة وبعد مرور عام كامل اخذ يصرف لي راتبا شهريا مقداره 100 روبية وكنت بهذا الراتب بمثابة موظف عنده في المحل.
البسطة
بعد مرور عامين كاملين في محل سيد غلام واتقاني مهنة تصليح الساعات اردت ان استقل بنفسي لان الاستقلال بالنفس هو هدف كل متعلم للمهن اليدوية حينما يرى انه اتقن ما تعلم فاخذت ابحث عن مكان فوجدت بسطة داخل احد محلات بيع الساعات فعرضت عليه تأجيرها لي فوافق على ان ادفع له 100 روبية كل شهر وهذه البسطة كانت مساحتها لاتتجاوز مترا واحدا لكنها قريبة من سكني فلا احتاج لمواصلات حين ذهابي وعودتي من محلي اذهب واعود مشيا على الاقدام وكل ذلك يعود للقرب من سكني.
انواع
انواع الساعات التي كان يأتي الناس عندي لاجل اصلاح العطل الذي بها كثيرة ومتفاوت حجم عطلها لكنني كنت اصلح جميع الانواع وكل مايحدث في ساعة من خراب او عطل او توقف... فساعات المنبه و كوك تكويل وساعة اليد العادية ورولكس وبولاز وروماركامي وفيربر سويسرية الصنع وانواع واشكال لكن الاكثر هي الساعة التي تعمل التكويك اي تنظيم عقاربها باليد فلا ثم اتوماتيك في ذلك الوقت بل تحريك العقارب حتى يستمر عمل الساعة... والناس تحتاج للساعة فهي مرتبطة باعمالهم ومعايشهم فينتظم وقتهم عليها فاذا وقع او حدث خراب او عطل وتوقفت عقاربها ذهب إلى اقرب مصلح واصلح مابها.
السعادة
كنت سعيدا بعملي وارتاح فيه فانا احب مهنة تصليح الساعات والانسان اذا احب مهنته لاينتابه منها ملل ولا سآمة فتجده يعمل بلا كلل ولاتعب كما كنت شبابا في مقتبل عمري وكلي نشاط وحماس وقوة فأعمل بكل طاقتي واخلص في عملي.
الكويت
كان لي صديق يعمل في الكويت فعرض علي العمل فيها وانا اعرف ان الكويت بلد اسلامي وانا مسلم فلما لا اذهب اعمل به فوافقته وسعى لي صديقي بعدم الممانعة اي تأشيرة دخول فكان ذلك اول قدومي للكويت وبما انني صاحب مهنة يدوية وحرفية فالاعمال التي تناسب عملي كثيرة وكل لايستغني عن الساعة وسوف يكون لي عمل ونصيب فيها وفعلا عملت حين اول قدومي للكويت في معرض النحاس للساعات وهو محل ومعرض لبيع الساعات اخذت بسطة فيه اي جزء منه على قدر حاجتي به واخذت اعمل في مهنتي تصليح الساعات وقد نقلت اقامتي على ذلك المعرض وبه استمرت مزاولتي لمهنتي والحمد الله كان الدخل جيدا ويناسب وضعي كل يوم اعمل يدخل علي خمسة عشر دينارا ومرات عشرة دنانير والدخل متفاوت لكنه جيد ومناسب لعملي والدوام يبدأ من الساعة التاسعة صباحا إلى غاية الساعة التاسعة مساء تتخلله استراحة في وقت الظهيرة من الواحدة بعد الظهر إلى الرابعة... ولم تختلف علي طبيعة الناس ومعاملتهم من باكستان إلى الكويت لان الكل يأتي إلي لغرض واحد وهو اعادة عقارب ساعته للعمل او تبديل زجاج الساعة اذا انخدش او تعرض للكسر فلم تحدث مشاكل معي فالعمل واحد سواء في باكستان او الكويت الزبون يأتي ويضع ساعته وانا ارى واقدر حجم العطل والخراب او قد يريد قطع غيار لها من اطار او بطارية وانا اقدم ما يريد من خدمة.
الجنسيات
الكويت بلد جمع الكثير من الجنسيات على اختلاف بلادها وهذه الجنسيات كنت اراها عندي في محل عملي حين ازاول مهنة تصليح الساعات لكن اكثر ما يأتي لتصليح ساعته الجالية الهندية والفيليبينية والسيلانية هم اكثر الزبائن وقد يأتي المصريون والسوريون وكذلك الكويتيون لكن ليسوا ككثرة الهنود الفيليبينيين والسيلانيين فهم لهم الاكثر.
الصبر
مهنتي التي تعلمتها ومازلت ازاول العمل بها مهنة يدوية وتعلمت منها الكثير فاول امر تعلمته منها هو الصبر لانها مهنة تحتاج إلى صبر وتحمل وقدرة على الدقة وضبط الاشياء فهي من المهن المنوطة بالصبر والتحمل اما ثاني امر فهو الاخلاق الحسنة التي لابد ان اتعامل بها مع من يأتي إلى محلي لان الزبون اذا رأى حسن التعامل من صاحب العمل يذهب ويأتي مرة ومرتين فالاخلاق هي التي تكسب الزبون وتوسع سمعة المحل وتجعل له مكانة.
القدرة
الحمد لله لا يوجد ساعة لا استطيع ان اعرف عطلها وسبب توقفها عن العمل فأنا خلال العمر الذي تجاوز ستة واربعين عاما في هذا العمل ألممت بكل أنواع الساعات سواء كانت سويسرية او يابانية جديدة او قديمة حتى عندما اصبحت الساعات جميعها اتوماتيك لم يتغير علي العمل.
العدة
كل عمل لا بد له من عدة وأدوات تستخدم عند مزاولته سواء كان عملا نظريا او عمليا وعملي الذي اقوم به من تلك الأعمال فمن مستلزماته التي لا بد من توافرها حين مزاولته هي المفك الذي نستخدمه لتفكيك اجزاء الساعة والملقاط الذي تلقط به تلك الاجزاء والقطع ثم قد نحتاج خرامة لعمل ما... ثم مكبس لكبس القطع وتركيبها من جديد كما لا بد من استخدام المخرز والمطرقة والسكين الفرشة للتطبيق.
الأثر
لقد اثرت هذه المهنة على نظري لذلك لم يعمل احد من اولادي في هذه المهنة فأنا أولادي جميعهم في المرحلة الجامعية في الدراسة وقد جاءوا عندي في الكويت ثم سافروا إلى باكستان.