خواطر تقرع الأجراس / احذروا الأمثال السائرة ... المرأة مثالاً
مصطفى سليمان
| مصطفى سليمان | هل تستشهد بأقوال وأمثال سائرة؟ هل تؤمن بها حقاً؟ هل تبني عليها مواقف خاصة في حياتك، وعلاقاتك الاجتماعية؟ هل فكرت يوماً بخطورة بعضها، وتشويهها لحقائق الحياة؟
الحِكم والأمثال السائرة اختزال مكثف لفلسفة الشعوب ورؤيتها للكون، والعلاقات الإنسانية. منها ما هو منسوب لنبي، أو فيلسوف، أو شاعر، أو كاتب، أو فنان ومنها ما هو لقيط مجهول النسب، تتناقله الأجيال بين الأمة الواحدة، ثم يرتحل عبر الأقطار والأسفار، بالتلاقي من خلال التبادل التجاري والاقتصادي، والتلاقح الثقافي عبر الترجمات المختلفة.
رُبّ قولٍ مأثور عن نبي قد يهز مشاعرك الدينية الكامنة، فيطوّر أو يغيّر عقيدتك وسلوكك. ورب حكمة من شاعر قد تزوّدك بتجربة فريدة، وتدفعك إلى اتخاذ رأي حازم، أو موقف صارم في حياتك. ورب رؤية من فيلسوف قد تقلب مفاهيمك، وتبدّل قناعاتك الفكرية، فتُلقي بك في مهاوي الشك، أو ترتقي بك إلى معارج اليقين.
«هَمْلتْ» الشكسبيري هو المتردد الأعظم في الأدب، والحياة، كنموذج بشري إنساني، وهل من وصف أبلغ من وصف الشاعر والمسرحي الألماني«غوتِّه» لمأساة هَمْلتْ» حين قال: إن هَمْلتْ أشبه بشجرة سنديانة زُرِعتْ في أصيص زجاجي رقيق؟! تُرى لو قرأ «هَمْلت» حكمة المتنبي:
إذا كنتَ ذا رأي فكن ذا عزيمةٍ
فإن فساد الرأي أنْ تتردّدا
هل كان تأثر بهذه الحكمة، وشحذ الهمّة، ونفّذ وصية شبح أبيه المغتال، بالثأر من قاتله: عمِّه... وأمّه؟
عبر ألسنة الناس، وعبر سطور الكتب والمجلات، أو صفحات التواصل الاجتماعي، تصادفك أمثال سائرة، جادّة أو ساخرة، منها ما قد يسرّك فتطرب، أو يسوءُك فتغضب، وما بين نشوة الطرب، وثورة الغضب، تضيع الحقيقة، وتدخل حقائق الحياة ومفاهيمها في متاهات من التشويش والتشويه.
وللمرأة نصيب أكبر، بل الأكبر، من تلك الأمثال السائرة، والأقوال الساخرة، وكأنها لا يكفيها التمييز في مجالات العمل، والاضطهاد في المنزل، والتحرشات الجنسية، اللفظية منها والجسدية حتى تنال ما تناله من لذعات أو لدغات تلك الأمثال السامة. واقرأ ما يقوله «الرجال» عبر الأجيال عن المرأة التي هي في النهاية أم وزوجة وأخت وابنة وحبيبة... وليست حواء التي أخرجت آدم من الجنة بالإغراء والإغواء. فتأمل:
«ابتلع الشيطان المرأة، فلم يستطع هضمها». مثل بولندي، «عندما تفكر المرأة بعقلها، فإنها تفكر في الأذى». مثل لاتيني، «سلاح المرأة لسانها فكيف تدعه يصدأ بعدم الاستعمال؟». مثل فرنسي، «ثلاث بنات وأم أربعةُ شياطين للأب». مثل إسباني - «المرأة شرّ ... وشر ما فيها أنه لابد منها». من التراث العربي!، «عندما تُطفأ الأضواء تتساوى جميع نساء العالم». بلوتارك، «احذر لعاب المرأة عند تقبيلها فهو سمّ قاتل». لقيط/ مجهول النسب! «خلق الله حواء من ضلع آدم، وهي منذ ذلك اليوم تسعى إلى تحطيم أضلاعه الباقية». الكاتب المصري أنيس منصور، «بين فكّي المرأة قطعة لحم أفتك من السيف». لقيط/ مجهول النسب.
وفي الشعر:
فإنْ تسألوني بالنساء فإنني
بصيرٌ بأدواء النساء طبيبُ
إذا شاب رأس المرء أو قلّ مالُه
فليس له من ودّهنّ نصيبُ
منسوب للشاعر الجاهلي علقمة الفحل- حتى أنتم أيها الجاهليون؟- ربما في العصر الحجري كان الرجل هكذا مع المرأة!
والغريب العجيب أن الرجل الذي يضطهد المرأة عبر أمثاله، وسلوكه، يجعلها محور أغانيه التي يشدو بها! هل سمعت أغنية تذمّ امرأة؟ كل شعراء الأغاني يتغزلون بها، بخدّها وعيونها، وقدها وجفونها، وليل شعرها، وصبح وجهها.
في حضرة المرأة يصبح الرجل الجبار هنا ضعيفاً أمام سطوة الجمال، فيذلّ ويتأوّه ملتاعاً بنار الصبابة، ويخشع ويركع! ويسهر على ذكراها فلا ينام ويصحو على أحلامها محطم الأوصال!
والأغرب أنه يتخذ من المرأة في أغانيه المصوّرة «ديكوراً» لا بد منه لتنجح الأغنية، وينجذب المتفرج، وليس المستمع، إلى تلك المخلوقة العجيبة التي لا يحلو الغناء إلا لها، وبها! فيبرز مفاتن الجسد بكل تفاصيله، بحركات تتثنى وتتلوى وهي لا تخلو من الإغراء الفاضح، المثير للعين قبل الأذن، والأذن هي البوابة الرئيسة التي تدخل عبرها الألحان، فتعشق النفسُ اللحنَ والمغني. ألم يقل الشاعر الأعمى بشار بن برد: «والأذن تعشق قبل العين أحياناً»!
كانت الأذن تطرب للغناء الأصيل، فتنمو الذائقة الفنية، وتسمو الأحاسيس ويرتقي الوجدان. أيستطيع شاب أو فتاة من جيلنا أن «يستمع» إلى موسيقا غربية كلاسيكية راقية؟ أو مشاهدة رقص تعبيري «باليه» يحيي قصة من القصص؟ وكم من الدقائق يصبر ويصابر على الاستماع والمشاهدة؟ لابد له، أو لها، من رهط حاشد من الصبايا بلباس يشفّ عن المفاتن، ورقصات هستيرية، وإيقاعات صاخبة، وديكورات بخلفيات لا علاقة لها بمعاني الأغنية، إلا ما ندر، بل مجرد عجائب وغرائب وهلوسات خيالية تناسب أفلام الرعب لألفرِدْ هتشكوك!
هذا هو منطق الرجال: لا تحلو الأمثال الساخرة إلا بالمرأة، ولا يحلو الفن الوضيع إلا بالمرأة، ولا الرقص الخليع إلا بالمرأة.
وبعدُ! أمازلت تطرب وتتشدق بأمثال سائرة ساخرة من دون تأملٍ في مراميها، خصوصا ما يتعلق منها بالمرأة؟ احذروا هذه الأمثال!
* كاتب سوري
الحِكم والأمثال السائرة اختزال مكثف لفلسفة الشعوب ورؤيتها للكون، والعلاقات الإنسانية. منها ما هو منسوب لنبي، أو فيلسوف، أو شاعر، أو كاتب، أو فنان ومنها ما هو لقيط مجهول النسب، تتناقله الأجيال بين الأمة الواحدة، ثم يرتحل عبر الأقطار والأسفار، بالتلاقي من خلال التبادل التجاري والاقتصادي، والتلاقح الثقافي عبر الترجمات المختلفة.
رُبّ قولٍ مأثور عن نبي قد يهز مشاعرك الدينية الكامنة، فيطوّر أو يغيّر عقيدتك وسلوكك. ورب حكمة من شاعر قد تزوّدك بتجربة فريدة، وتدفعك إلى اتخاذ رأي حازم، أو موقف صارم في حياتك. ورب رؤية من فيلسوف قد تقلب مفاهيمك، وتبدّل قناعاتك الفكرية، فتُلقي بك في مهاوي الشك، أو ترتقي بك إلى معارج اليقين.
«هَمْلتْ» الشكسبيري هو المتردد الأعظم في الأدب، والحياة، كنموذج بشري إنساني، وهل من وصف أبلغ من وصف الشاعر والمسرحي الألماني«غوتِّه» لمأساة هَمْلتْ» حين قال: إن هَمْلتْ أشبه بشجرة سنديانة زُرِعتْ في أصيص زجاجي رقيق؟! تُرى لو قرأ «هَمْلت» حكمة المتنبي:
إذا كنتَ ذا رأي فكن ذا عزيمةٍ
فإن فساد الرأي أنْ تتردّدا
هل كان تأثر بهذه الحكمة، وشحذ الهمّة، ونفّذ وصية شبح أبيه المغتال، بالثأر من قاتله: عمِّه... وأمّه؟
عبر ألسنة الناس، وعبر سطور الكتب والمجلات، أو صفحات التواصل الاجتماعي، تصادفك أمثال سائرة، جادّة أو ساخرة، منها ما قد يسرّك فتطرب، أو يسوءُك فتغضب، وما بين نشوة الطرب، وثورة الغضب، تضيع الحقيقة، وتدخل حقائق الحياة ومفاهيمها في متاهات من التشويش والتشويه.
وللمرأة نصيب أكبر، بل الأكبر، من تلك الأمثال السائرة، والأقوال الساخرة، وكأنها لا يكفيها التمييز في مجالات العمل، والاضطهاد في المنزل، والتحرشات الجنسية، اللفظية منها والجسدية حتى تنال ما تناله من لذعات أو لدغات تلك الأمثال السامة. واقرأ ما يقوله «الرجال» عبر الأجيال عن المرأة التي هي في النهاية أم وزوجة وأخت وابنة وحبيبة... وليست حواء التي أخرجت آدم من الجنة بالإغراء والإغواء. فتأمل:
«ابتلع الشيطان المرأة، فلم يستطع هضمها». مثل بولندي، «عندما تفكر المرأة بعقلها، فإنها تفكر في الأذى». مثل لاتيني، «سلاح المرأة لسانها فكيف تدعه يصدأ بعدم الاستعمال؟». مثل فرنسي، «ثلاث بنات وأم أربعةُ شياطين للأب». مثل إسباني - «المرأة شرّ ... وشر ما فيها أنه لابد منها». من التراث العربي!، «عندما تُطفأ الأضواء تتساوى جميع نساء العالم». بلوتارك، «احذر لعاب المرأة عند تقبيلها فهو سمّ قاتل». لقيط/ مجهول النسب! «خلق الله حواء من ضلع آدم، وهي منذ ذلك اليوم تسعى إلى تحطيم أضلاعه الباقية». الكاتب المصري أنيس منصور، «بين فكّي المرأة قطعة لحم أفتك من السيف». لقيط/ مجهول النسب.
وفي الشعر:
فإنْ تسألوني بالنساء فإنني
بصيرٌ بأدواء النساء طبيبُ
إذا شاب رأس المرء أو قلّ مالُه
فليس له من ودّهنّ نصيبُ
منسوب للشاعر الجاهلي علقمة الفحل- حتى أنتم أيها الجاهليون؟- ربما في العصر الحجري كان الرجل هكذا مع المرأة!
والغريب العجيب أن الرجل الذي يضطهد المرأة عبر أمثاله، وسلوكه، يجعلها محور أغانيه التي يشدو بها! هل سمعت أغنية تذمّ امرأة؟ كل شعراء الأغاني يتغزلون بها، بخدّها وعيونها، وقدها وجفونها، وليل شعرها، وصبح وجهها.
في حضرة المرأة يصبح الرجل الجبار هنا ضعيفاً أمام سطوة الجمال، فيذلّ ويتأوّه ملتاعاً بنار الصبابة، ويخشع ويركع! ويسهر على ذكراها فلا ينام ويصحو على أحلامها محطم الأوصال!
والأغرب أنه يتخذ من المرأة في أغانيه المصوّرة «ديكوراً» لا بد منه لتنجح الأغنية، وينجذب المتفرج، وليس المستمع، إلى تلك المخلوقة العجيبة التي لا يحلو الغناء إلا لها، وبها! فيبرز مفاتن الجسد بكل تفاصيله، بحركات تتثنى وتتلوى وهي لا تخلو من الإغراء الفاضح، المثير للعين قبل الأذن، والأذن هي البوابة الرئيسة التي تدخل عبرها الألحان، فتعشق النفسُ اللحنَ والمغني. ألم يقل الشاعر الأعمى بشار بن برد: «والأذن تعشق قبل العين أحياناً»!
كانت الأذن تطرب للغناء الأصيل، فتنمو الذائقة الفنية، وتسمو الأحاسيس ويرتقي الوجدان. أيستطيع شاب أو فتاة من جيلنا أن «يستمع» إلى موسيقا غربية كلاسيكية راقية؟ أو مشاهدة رقص تعبيري «باليه» يحيي قصة من القصص؟ وكم من الدقائق يصبر ويصابر على الاستماع والمشاهدة؟ لابد له، أو لها، من رهط حاشد من الصبايا بلباس يشفّ عن المفاتن، ورقصات هستيرية، وإيقاعات صاخبة، وديكورات بخلفيات لا علاقة لها بمعاني الأغنية، إلا ما ندر، بل مجرد عجائب وغرائب وهلوسات خيالية تناسب أفلام الرعب لألفرِدْ هتشكوك!
هذا هو منطق الرجال: لا تحلو الأمثال الساخرة إلا بالمرأة، ولا يحلو الفن الوضيع إلا بالمرأة، ولا الرقص الخليع إلا بالمرأة.
وبعدُ! أمازلت تطرب وتتشدق بأمثال سائرة ساخرة من دون تأملٍ في مراميها، خصوصا ما يتعلق منها بالمرأة؟ احذروا هذه الأمثال!
* كاتب سوري