تحريم الزواج بسبب الإرضاع ... التفسيرات الطبية باطلة

تصغير
تكبير
اعداد د. أحمد سامح

ما جاء في القرآن الكريم من تشريع هدى ونور ينظم حياة البشر ومنها التشريع الذي يتعلق بادق حياة الانسان وهو التزاوج والتناسل.

والتزاوج يعني علم الوراثة وانتقال الجينات الوراثية عبر الاجيال التي تحمل الصفات الوراثية الطبيعية وايضا المرضية.

وعلم الوراثة احدث العلوم الطبية وما اوتي العلماء منها الا قليلا وكل الكتب العلمية تؤكد ذلك.

ولا يزال حليب الام وتركيبه وخصائصه لم يكتشف البعض منها كما تقول المراجع العلمية نقول هذا بسبب تناول التفسيرات العلمية لاسباب تحريم زواج الاخوة في الرضاعة والامهات في الرضاعة كما جاء في الآية القرآنية الكريمة «حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وامهاتكم اللاتي ارضعنكم وژخواتكم من الرضاعة.....» النساء: 23 وكما جاء في الحديث النبوي الشريف (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

وذكر المفسرون اسبابا اسندوها لعلم الوراثة والطب الحديث ولقد اتصلت بعلماء الوراثة اصحاب المؤلفات والابحاث والدراسات عن صحة التفسير العلمي الذي ذكره بعض اصحاب الاعجاز العلمي في القرآن والسنة لهذا التحريم فاجاب الجميع بانه طالما ذكر هذا في القرآن الكريم فهو صحيح وملتزمون به وانا معهم تماما بالالتزام بشرع الله ولكن مازال العلم قاصرا على ايجاد تفيسر علمي لهذا التحريم لان ما اوتينا من العلم الا قليلا ولا يحيط العلماء بشيء من علم الله عز وجل.

لكن رأينا ان نشير إلى ان هذا التفسير العلمي والطبي الذي ذكر لاسباب التحريم غير صحيح.

وانتشر هذا التفسير ليشمل الاف المواقع الاسلامية التي تقول بان حليب الام ينقل امراضا وراثية عن طريق انتقال اجسام مناعية وجينات وراثية في الاخوة بالرضاعة.


الاعجاز العلمي والاجسام المناعية التي تسبب الامراض الوراثية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» متفق عليه.

اثبتت الابحاث العلمية التي اجريت حديثا وجود اجسام في لبن الام المرضعة الذي يترتب على تعاطيه تكوين اجسام مناعية في جسم الرضيع بعد جرعات تتراوح من ثلاث إلى خمس جرعات وهذه الجرعات المطلوبة لتكوين الاجسام المناعية في جسم الانسان حتى في حيوانات التجارب المولودة حديثا والتي لم يكتمل نمو الجهاز المناعي عندها فعندما نرضع «اللبن - الحليب» تكتسب بعض الصفات الوراثية الخاصة بالمناعة من اللبن الذي نرضعه وبالتالي تكون مشابهة لاخيها او لاختها من الرضاع في هذه الصفات الوراثية.

ولقد وجد ان تكون هذه الجسيمات المناعية يمكن ان يؤدي إلى اعراض مرضية عند الاخوة في حالة الزواج ومن هنا نجد الحكمة في هذا الحديث الشريف الذي نحن بصدده في تحريم زواج الاخوة من الرضاع والذي حدد الرضعات بخمس رضعات مشبعات.

وفي المذهب الجعفري خمسة عشرة رضعة مشبعة.


المصدر: «الاعجاز العلمي

 في الاسلام السنة النبوية».

العلوم في القرآن وانتقال الجينات الوراثية بحليب الأم

ان القرابة من الرضاعة تثبت وتنتقل في النسل والسبب الوراثة ونقل الجينات اي ان قرابة الرضاعة سببها انتقال الجينات من حليب الام واختراقها لخلايا الرضيع واندماجها مع سلسلة الجينات عند الرضيع.

يساعد على هذه النظرية ان حليب الام يحتوي على اكثر من نوع الخلايا ومعلوم ان المصدر الطبيعي للجينات البشرية وهو نواة الخلايا «DNA» ان الجهاز الوراثي عند الرضيع يتقبل الجينات الغريبة لا يتم نضجها الا بعد اشهر وسنوات من الولادة واذا صح تفسير قرابة الرضاعة بهذه النظرية فإن لها تطبيقات في غاية الاهمية والخطورة.


المصدر: «علوم القرآن» د. محمد جميل الحبّال - د. مقداد مرعي الجواري

التطبيقات الغاية في الأهمية والخطورة!!

يقصد المصدر: «علوم القرآن» ان التطبيقات التي في غاية الاهمية والخطورة هي:

> في حالة زراعة الاعضاء: كالكلية مثلا يفضل ان يكون المتبرع من القرابة من الصلب خاصة من كان من الدرجة الاولى كالاخ والاخت مثلا وفي حالة تعذر ذلك يفضل الاخوة من الرضاعة ان وجدوا قبل اللجوء إلى الغريب والسبب في ذلك ان الجينات «العوامل الوراثية» في اخوة الرضاعة والعوامل المناعية قد تتشابه مع جينات اخوة النسب ومع العوامل المناعية ايضا إذ كلما كان «التشابه» النسيجي والمناعي بينها اكثر كانت نسبة نجاح العملية وتقبل جسم المريض للكلية المزروعة افضل.

> علاج الامراض الوراثية: والتي اكتشف ان انواعها تزيد على ثلاثة آلاف مرض وراثي تنتقل من الوالدين او احدهما إلى الذرية وقد توصل الطب والعلم الحديثان من خلال استعمال التقنيات الحديثة من تشخيصها في خلال الحياة الجينية (في بطن الام) وفي تشخيص حالة كهذه يمكن من خلال الرضاعة من ثدي مرضعة اخرى من غير اقاربه «اجنبية» تملك بنية سليمة وصحة جيدة «خالية من الامراض الوراثية» نلحقه بها بدلا من امه التي تحمل الصفات الوراثية المرضية حيث تفترض ان الحليب من المرضعة الصحيحة سيزرع او ينحى او يتغلب على الصفة الوراثية المرضية التي اكتسبها من والديه وذلك من خلال اختراقه للجهاز المناعي والوراثي للرضيع وهو تطبيق لقوله تعالى «وان تعاسر تم فسترضع له أخرى» الطلاق: 6.


حليب الأم لا ينقل الجينات الوراثية المرضية

الامراض الوراثية تصل عن طريق حدوث خلل في عدد الكرموسومات والخلل في شكل الكروموسومات او مجموعة من الكروموسومات في الجينية لاسباب متنوعة منها التعرض للاصابة بالفيروسات قبل الحمل مباشرة او اثناء الحمل او التعرض للاشعاع من اي مصدر او التعرض لكيماويات او تناول ادوية خطرة على الجنين وتقدم سن الام واحيانا التقدم في سن الاب وهو ما شرحناه باسهاب في صفحة كلينك يوم الثلاثاء 26 فبراير الماضي.

وتصل الامراض الوراثية بسبب حدوث «الطفرة» وهي عبارة عن خطأ وراثي حدث في الحمض النووي «DNA» في الجين ولم يكن موجودا في كلا الابوين وبالتالي فإن المرض يظهر في الجنين فقط دون ظهوره في الوالدين او العائلة.

والطفل المصاب يورث هذه الطفرة لابنائه واحفاده بالرغم من عدم وجودها في الابوين والعائلة.

اما عن الاجسام المناعية في حليب الام فهي من نوع «IGA» الذي لا يمتص في الامعاء ولكنها تمنحها القدرة الدفاعية وتوجد خلايا بيضاء ومحببة «وخلايا ليمفاوية» تلعب دورا في حماية الطفل حديثي الولادة من الاصابة بالامراض.

ولا يوجد حتى الآن شيء مكتشف في حليب الام يؤدي إلى الامراض المناعية الخطيرة التي ذكرت في الاعجاز العلمي ونود ان نقول ان اسباب حدوث الامراض المناعية هو وجود تشابه في التركيب بين بعض الفيروسات والميكروبات وخلايا الجسم وبالتالي يتعامل الجهاز المناعي مع خلايا الجسم على انها جسم غريب.

ومن الاسباب ايضا حدوث نوع من الاتحاد بين الجسم الغريب وخلايا الجسم مما يجعل الجهاز المناعي يتفاعل مع الاثنين معا... وهو ايضا ما شرحناه بالتفصيل في دراسة نشرت يوم الاثنين 17 مارس الجاري.


تسعة محارم جلهم ليس له علاقة بالارضاع وانتقال الأجسام المناعية والجينات عبر حليب الأم

يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ويكون التحريم بسبب الارضاع خمس رضعات مشبعات قبل سن الفطام وفي المذهب الجعفري خمس عشرة رضعة مشبعة. وشمل التحريم تسعة محارم «اثنتين ورد تحريمهما نصا في الآية اما سائر المحرمات فهي تطبيق للحديث النبوي «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» «حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وامهاتكم اللاتي ارضعنكم واخواتكم من الرضاعة...».

وشمل التسعة محرمات:

- الام من الرضاعة واصولها مهما علون: « وامهاتكم اللاتي ارضعنكم».

- البنت من الرضاع وبناتها مهما نزلن «وبنت الرجل من الرضاع هي من ارضعتها زوجته وهي في عصمته».

- الاخت من الرضاع وبناتها مهما نزلن: « واخواتكم من الرضاعة».

- العمة والخالة من الرضاع.

- ام الزوجة من الرضاع وهي التي ارضعت في طفولتها واصول هذه الام مهما علون ويسري هذا التحريم بمجرد العقد على المرأة كما في النسب.

- بنت الزوجة من الرضاع «وهي من كانت الزوجة قد ارضعتها قبل ان تتزوج بالرجل» وبنات اولادها.

- زوجة الاب او الجد من الرضاع مهما علا «والاب من الرضاع هو من رضع الطفل من زوجته فلا يحرم على هذا الطفل الزواج بمن ارضعته فحسب وهي امه من الرضاع بل يحرم عليه كذلك الزواج بغيرها التي تعتبر زوجة ابيه من الرضاع.

- زوجة الابن من الرضاع مهما نزل.

- الجمع بين المرأة واختها من الرضاع او عمتها او خالتها من الرضاع او اي امرأة اخرى ذات رحم محرم منها من ناحية الرضاع.

يتضح ان النوعين الاول والثالث من هذه المحرمات ورد تحريمهما نصا في الآية اما سائر هذه المحرمات فهي تطبيق للحديث النبوي «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» اخرجه الشيخان. وجل هذه المحرمات لم يتناولوا حليبا من مصدر واحد ولم يتناولوا خمس رضعات مشبعات قبل سن الفطام اي التفسير الذي يقول انهم يصابون بأمراض وراثية خطيرة تنتقل بسبب الاجسام المناعية والجينات الوراثية عبر حليب الام غير صحيحة.


المنهج العلمي في دراسة الإعجاز العلمي

في القرآن والسنة

ما من شك في ان كثيرا من المفكرين طرقوا باب الاعجاز العلمي في عصرنا الحالي واوغلوا فيه ولاننكر على المؤهلين منهم ان يفعلوا ذلك ولكننا ننكره على كثير من الذين ليسوا على درجة من العلم تؤهلهم للاجتهاد في هذا المجال.

فالكثيرون منهم لم يفهموا بعد ابجديات المنهج العلمي للبحث في الاعجاز العلمي كما انهم ليسوا على مستوى من العلم يعينهم على ذلك.

وتوجد شروط وضوابط لابد من توافرها حتى تكون الدراسة في مجال الاعجاز العلمي دراسة مقبولة وهي كالآتي:

• لاينبغي ان يدخل هذا الميدان الا اهل الاختصاص ممن بلغ من العلوم القرآنية واللغوية وعلوم السنة والعلوم البشرية بفروعها المختلفة درجة او مستوى مقبولا يؤهله للبحث او الحديث في هذا المجال.

• علم الله لايحيط به سواه وكل ما يستطيعه أي عالم مهما بلغ علمه أن يفهم بعضا مما في كلمات الله تعالى من علم والله عز وجل يقول، «ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء».

• لاتجوز محاولة اخضاع النص القرآني -وما اعظم شأنه- للحقائق العلمية التي توصل اليها الانسان وما اقل شأنها.

كما لا ينبغي محاولة التوفيق بين ما في القرآن او الحديث النبوي من علم بلا حدود وبين ما لدى الانسان من علم قليل ومحدود «وما أوتيتم من العلم الا قليلا».

• يجب ان يكون للفهم العلمي لبعض اوجه الحقيقة في النص القرآني او في الحديث النبوي حدود يقف عندها الباحث ولايتعداها.

واحرى بأي عالم مهما بلغ علمه وهو يحاول ان يتفهم بعض المعاني في آية قرآنية او حديث نبوي ان يسكت فيما لا علم له به لان الوحي الالهي في القرآن والسنة كما نزل يخاطب العصور القديمة وعصرنا الحاضر فإنه نزل ليخاطب العصور المستقبلية ايضا باللغة والبراهين والادلة التي يفهمون.

وقد لا يكون العلماء على مستوى فهم الخطاب القرآني او النبوي للعصور المستقبلية وإلى يوم القيامة.

• لايجب ان يفسر اي نص قرآني او نبوي بفرض علمي او بنظرية علمية فهذه الفروض وتلك النظريات ظنية والظنون تصيب تارة وتخطئ تارة واذا فعل اي باحث في الاعجاز العلمي هذه الفعلة فإنه يحمل القرآن الكريم ظنون العلماء البشر واخطاءهم المحتملة.

• في كلمات القرآن والحديث النبوي اعماق علمية لا يصل إلى فهم ملامحها فهما صحيحا الا فريق متكامل من العلماء والمتخصصين.

• كلما ازداد العلماءتعمقا في محاولة فهم النص القرآني والحديث النبوي كلما وصلنا إلى نور جديد وعلم جديد ولن يصل العلماء إلى كل مافي النص من علم لان علم الله تعالى لايحيط به سواه.

في كلمة واحدة من كلمات الله تعالى من العلم ما يفوق علوم الناس جميعا في مختلف فروع العلم الا ان الله تعالى وعد عباده بأن يبين لهم من الآيات الكونية ما يشاء ان يبينه لهم ويعطيهم شيئا من العلم فيها قال تعالى «سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي