«آمل أن تنتهي حياتي من دون احتلال منصب يجعلني أشعر بالخجل»
نسيب لحود طوى آخر الصفحات الناصعة من عمر «لم يعمر» طويلاً وتَرجُّل أحد فرسان الحياة السياسية أصاب لبنان بـ ... الشحوب
نسيب لحود
| بيروت - «الراي» |
... «آمل ان انهي حياتي السياسية من دون ان احتل منصباً يجعلني اشعر بالخجل». هذا ما كان يريده نسيب لحود، وهذا ما فاز به وهو يطوي آخر الصفحات الناصعة من العمر الذي لم «يعمر» طويلاً مع وفاته عن 68 عاماً.
خصومه كما محبوه يجمعون على ان نسيب لحود، السياسي ورجل الدولة والديبلوماسي ورجل الاعمال والزوج والمحاور الرصين، شكل علامة فارقة في الحياة السياسية اللبنانية التي اصيبت بترجل احد فرسانها بـ «خسارة مرموقة».
ابن «البيت السياسي» الذي صرعه المرض الخبيث، عبر الى النادي السياسي من البوابة الديبلوماسية يوم عين سفيراً للبنان في الولايات المتحدة الاميركية عام 1990، قبل ان يصبح مرشحاً دائماً لـ «جمهورية الاعتدال» التي لم يحالفها الحظ.
وشكلت مصادفة تحول نسيب لحود احد النجوم القلائل في ساحة النجمة (مقر البرلمان) بتعيينه نائباً في الـ 1991، مع سريان اتفاق الطائف الذي انهى الحرب، «رمزية» عكستها شخصية لحود «السلمية» وحسه المدني.
في النيابة والوزارة، في المعارضة والموالاة كانت «طبائع» هذه «القامة السياسية» هي عينها، فهو وقف على الدوام ضد القمع والفساد واستغلال السلطة، ودافع بثبات عن الدستور والحريات والنظام والديموقراطية والسيادة الوطنية.
ابن بعبدات في قضاء المتن (شمال شرقي بيروت)، انتخب عام 1992 نائباً عن دائرة المتن في اول انتخابات تجرى بعد الحرب. ثم أعيد انتخابه تباعاً عام 1996 وعام 2000 حيث تولى تشكيل لائحة المعارضة في تلك الدائرة وخوض معارك سياسية وانتخابية ضارية.
وبعدما دخل الحياة السياسية من الباب الواسع شغل منصب رئيس لجنة الدفاع النيابية لسنتي 1991 و1992، وعضو لجنة الشؤون الخارجية ولجنة المال والموازنة من سنة 1992 لغاية سنة 2005، وتميز سلوكه السياسي و«المهني» في هذه المواقع بالكثير من الرصانة والدراية.
عارض نسيب لحود كل التعديلات التي اجريت على المادة 49 من الدستور الخاصة بانتخابات رئيس الجمهورية (تتيح التمديد او التجديد)، وكان بذلك النائب الوحيد الذي صوت ضد هذه التعديلات ثلاث مرات متتالية، عام 1995، وعام 1998 وعام 2004.
في ابريل 2001، شارك مع سياسيين آخرين وناشطين في الحقل العام وفي المجتمع المدني واكاديميين ورجال اعمال ونقابيين في تأسيس «حركة التجدد الديموقراطي»، وهي حركة سياسية تضم أعضاء من كل الطوائف والمناطق، وتهدف إلى تحصين سيادة لبنان واستقلاله، وترسيخ دور لبنان في العالم العربي، والدفاع عن الحريات، وتطوير التجربة الديموقراطية اللبنانية، وبناء اقتصاد حديث منفتح على العالم، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وبعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان وبدء المعركة ضد «الوصاية السورية» ساهم عام 2001 في تأسيس «لقاء قرنة شهوان» الذي اراد اعضاؤه ان يكون الترجمة السياسية للنداء التاريخي لمجلس المطارنة الموارنة في سبتمبر عام 2000، وشارك لحود في كل نضالات هذا الذي تحول النواة الصلبة لما عرف لاحقاً بـ«انتفاضة الاستقلال».
هذه الشخصية التي كانت تختلف بـ «احترام» وتتحالف بـ «صدق» لعبت دوراً بارزاً في إطلاق «لقاء البريستول» الذي جمع كافة القوى المعارضة من مختلف الاتجاهات الطائفية والفكرية والمناطقية في خريف العام 2004، وكانت من أبرز وجوه «انتفاضة الاستقلال» و«ثورة الارز» التي اندلعت بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري ورفاقه في 14 فبراير2005، والتي من ابرز تجلياتها التظاهرة التاريخية يوم 14 مارس من العام 2005، والتي اعطت اسمها لتحالف «قوى 14 آذار» الذي ظل نسيب لحود من ابرز اركانه حتى عام 2009.
في 13 سبتمبر2007، اعلن نسيب لحود ترشيحه رسمياً لمنصب رئاسة الجمهورية في لقاء حاشد في مركز بيروت للمؤتمرات «BIEL» اذاع خلاله بيان الترشيح المستند الى نص فكري ـ سياسي جامع تحت عنوان «رؤية للجمهورية» تتضمن نظرته الى سبل تجديد الميثاق الوطني واحياء المؤسسات الدستورية وتحديث الديموقراطية وتجديد الحياة السياسية في لبنان.
وشكل «بناء الدولة» هاجسه الدائم، وهو ما اوحت به تجربته القصيرة في الحكومة يوم عين في يوليو 2008، وزيراً للدولة في حكومة الوحدة الوطنية التي شُكلت بعد اتفاق الدوحة والتي وضع مشاركته فيها تحت عنوان عودة جميع اللبنانيين الى كنف الدولة.
ولم يخف نسيب لحود يوماً حرصه «النقدي» لاداء حتى حلفائه، وربما هو ما دفعه عن العزوف عن الترشح لآخر انتخابات نيابية شهدها لبنان في العام 2009، حين بدا معترضاً على «لعبة التحالفات» لرفاقه في «14 آذار»، قبل ان يضطره المرض الخبيث الى الابتعاد عن لبنان بداعي العلاج الذي وفر له «هدنة» مع المرض، فعاد الى بيروت قبل اشهر ثم ... توفي فجر امس.
دقيق وصاحب منحى علمي في مقاربته الأحداث ولا يعمل منفرداً. هكذا كان نسيب لحود، فهو اعتاد منذ أن أسس شركته المتخصصة بقطاع الهندسة (شركة لحود للهندسة) على العمل من ضمن هيكلية تتوزع فيها المسؤوليات ولا تتخذ القرارات إلا بعد مشاورات. وهكذا عمل في السياسة، فكان يقاوم الارتجال لمصلحة المواقف المدروسة من كل جوانبها. وهو من القلائل جداً الذين يعملون ضمن فريق عمل فعلي. وغالباً ما كان يظن الناس أن لديه ماكينة ضخمة، والواقع ان فريق عمله كان يتألف من بضعة شبان وشابات مثقفين متخصصين يساعدونه على تكوين الملفات التي يقرر الخوض فيها الى النهاية. وربما هذه النزعة في اتجاه العمل الجماعي هي التي قادته الى اطلاق حركته السياسية الجامعة (حركة التجدد الديموقراطي). والواقع انه كان يقوم بما كان على مجلس النواب كمؤسسة تشريعية ورقابية أن يقدمه من وسائل عمل كافية، تمكّن النائب من تكوين ملفه كي لا يكون عارياً أمام الحكومة التي لديها كل الإمكانات من المستشارين والإدارة والمعلومات.
اسس شركة لحود للهندسة العام 1972 وحققت إنجازات كبيرة في حقل تجهيز المنشآت الصناعية في الشرق الأوسط وتنفيذ معامل توليد الطاقة ومصانع تحلية مياه البحر ومصانع الأسمنت والمنشآت البترولية في دبي وأبو ظبي (جبل علي) وقطر وقبرص والبحرين وسورية، إضافة الى إقامة منشآت لمعملي الجية والزوق الحراريين. في مبنى الشركة كان يفصل لحود نفسه تماماً عن أعمالها، فهو ليس معنياً بإدارة أعمالها أو متابعة قراراتها التنفيذية، ويتولى هذه المهمة شقيقه الأصغر سمير بالتعاون مع عدد من المديرين، علماً انهم كانوا يستشيرونه في القرارات الكبيرة فقط. وليس للشركة اليوم اي مشروع في لبنان في ضوء قرار اتخذه لحود يوم بدأ التعاطي بالشأن العام، وينبع من حساسية مطلقة لديه حيال اي تضارب بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة. فعنده أن من أهم مقومات الدولة الحديثة أن من لديهم وكالة لتمثيل الشعب في السلطة التشريعية ومهمتهم محاسبة السلطة التنفيذية، يجب ألا يسمحوا لأنفسهم أو يسمح لهم بأن يستعملوا هذه الوكالة لمصلحة خاصة. ولأنه آمن بهذا المبدأ طبقه بداية على نفسه. ربما يستطيع البعض أن يجعلوا مصالحهم الخاصة تتعايش مع المصلحة العامة، ولكن لا يمكنه ان يفصل بينهما لأن المشاريع الصناعية التي تنفذها شركته مرتبطة جداً بالقطاع العام. من هنا، دفعته شفافيته الى الانسحاب من العمل مع القطاع العام في لبنان ما دام يحمل وكالة الشعب ويريد ان يتمتع بالاستقلال التام كنائب لممارسة دوره تجاه السلطات ومحاسبتها.
مع زوجته عبلة فستق كان يحرص لحود على توفير حياة ثقافية لولديه سليم وجومانا، فيصطحبهما الى المتاحف والأماكن الاثرية من دون ان يحرمهما اوقات المتعة. فخلال احدى الرحلات مثلاً الى باريس تم الاتفاق على زيارة «ديزني لاند» من دون نسيان قصر فرساي. وفي الجدول الثقافي ايضاً كان حضور حفلات موسيقية وعروض باليه ومعارض.
القدر الكبير من العاطفة والحب والثقة المتبادلة مع زوجته (سنية من أصل فلسطيني) كان العامل الأساسي لتجاوز أي إشكال قد ينشأ من زواج مختلط، زواجه شكل مفاجأة للأوساط المحافظة، لكن رجال الدين لم يبدوا انزعاجاً. تزوج في الكنيسة وبقيت عبلة على دينها، لكنها وقعت ورقة تعهدت فيها تربية الأولاد وفق الدين المسيحي.
أبدى الاستعداد كاملاً لتحمل مسؤولية قراره لأن زوجته من دين مختلف ولها ابنة من زواج سابق (تعيش معها)، لكن عبلة هي الإنسانة التي أراد أن يعيش معها، والسعيد في منزله قادر على تجاوز كل الصعوبات، علماً انها استطاعت أن تندمج في مجتمعه بسرعة.
كان يتمنى أن يتاح له ظرف يخدم فيه بلده من موقع رئاسة الجمهورية ولم يقل «بلاها» لكنه كان يأمل في أن ينهي حياته السياسية من دون أن يحتل منصباً يجعله يشعر بالخجل.
في الأندية السياسية كان هناك شعور بأن لحود محسوب على الأميركيين، وكان هو يستغرب هذا التصنيف. شغل منصب سفير لبنان في واشنطن واستقال حين تقرر أجراء تعيينات نيابية، وهذه الفترة من دون شك جعلته ينسج علاقات متينة مع المسؤولين الأميركيين لكنهم كلهم صاروا متقاعدين، وكما كانت له علاقات في واشنطن كانت له علاقات بأناس كثر في بريطانيا وفرنسا والخليج.
«لا اريد ان اكون رئيساً بأي ثمن» هذا ما قاله لحود قبيل الاستحقاق الرئاسي في العام 2004، حتى انه لم يعلن ترشحه رسمياً للانتخابات التي حال القرار السوري بالتمديد لـ «ابن عمه» الرئيس السابق اميل لحود دون اجرائها.
«التجدد الديموقراطي» تنعى زعيمها
نعت حركة التجدد الديموقراطي اللبنانية زعيمها الراحل النائب السابق نسيب لحود بوصفه «رجل الدولة والاعتدال والمبادئ».
وقالت الحركة في بيان: «يودّع لبنان اليوم رجلاً لم يحتكم ابداً الا لضميره، ولم يخض صراعاً الا في سبيل حرية شعبه واستقلال وطنه وسيادة دولته. وفقد برحيله اللبنانيون سياسياً حلموا بدولة على طرازه».
... «آمل ان انهي حياتي السياسية من دون ان احتل منصباً يجعلني اشعر بالخجل». هذا ما كان يريده نسيب لحود، وهذا ما فاز به وهو يطوي آخر الصفحات الناصعة من العمر الذي لم «يعمر» طويلاً مع وفاته عن 68 عاماً.
خصومه كما محبوه يجمعون على ان نسيب لحود، السياسي ورجل الدولة والديبلوماسي ورجل الاعمال والزوج والمحاور الرصين، شكل علامة فارقة في الحياة السياسية اللبنانية التي اصيبت بترجل احد فرسانها بـ «خسارة مرموقة».
ابن «البيت السياسي» الذي صرعه المرض الخبيث، عبر الى النادي السياسي من البوابة الديبلوماسية يوم عين سفيراً للبنان في الولايات المتحدة الاميركية عام 1990، قبل ان يصبح مرشحاً دائماً لـ «جمهورية الاعتدال» التي لم يحالفها الحظ.
وشكلت مصادفة تحول نسيب لحود احد النجوم القلائل في ساحة النجمة (مقر البرلمان) بتعيينه نائباً في الـ 1991، مع سريان اتفاق الطائف الذي انهى الحرب، «رمزية» عكستها شخصية لحود «السلمية» وحسه المدني.
في النيابة والوزارة، في المعارضة والموالاة كانت «طبائع» هذه «القامة السياسية» هي عينها، فهو وقف على الدوام ضد القمع والفساد واستغلال السلطة، ودافع بثبات عن الدستور والحريات والنظام والديموقراطية والسيادة الوطنية.
ابن بعبدات في قضاء المتن (شمال شرقي بيروت)، انتخب عام 1992 نائباً عن دائرة المتن في اول انتخابات تجرى بعد الحرب. ثم أعيد انتخابه تباعاً عام 1996 وعام 2000 حيث تولى تشكيل لائحة المعارضة في تلك الدائرة وخوض معارك سياسية وانتخابية ضارية.
وبعدما دخل الحياة السياسية من الباب الواسع شغل منصب رئيس لجنة الدفاع النيابية لسنتي 1991 و1992، وعضو لجنة الشؤون الخارجية ولجنة المال والموازنة من سنة 1992 لغاية سنة 2005، وتميز سلوكه السياسي و«المهني» في هذه المواقع بالكثير من الرصانة والدراية.
عارض نسيب لحود كل التعديلات التي اجريت على المادة 49 من الدستور الخاصة بانتخابات رئيس الجمهورية (تتيح التمديد او التجديد)، وكان بذلك النائب الوحيد الذي صوت ضد هذه التعديلات ثلاث مرات متتالية، عام 1995، وعام 1998 وعام 2004.
في ابريل 2001، شارك مع سياسيين آخرين وناشطين في الحقل العام وفي المجتمع المدني واكاديميين ورجال اعمال ونقابيين في تأسيس «حركة التجدد الديموقراطي»، وهي حركة سياسية تضم أعضاء من كل الطوائف والمناطق، وتهدف إلى تحصين سيادة لبنان واستقلاله، وترسيخ دور لبنان في العالم العربي، والدفاع عن الحريات، وتطوير التجربة الديموقراطية اللبنانية، وبناء اقتصاد حديث منفتح على العالم، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وبعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان وبدء المعركة ضد «الوصاية السورية» ساهم عام 2001 في تأسيس «لقاء قرنة شهوان» الذي اراد اعضاؤه ان يكون الترجمة السياسية للنداء التاريخي لمجلس المطارنة الموارنة في سبتمبر عام 2000، وشارك لحود في كل نضالات هذا الذي تحول النواة الصلبة لما عرف لاحقاً بـ«انتفاضة الاستقلال».
هذه الشخصية التي كانت تختلف بـ «احترام» وتتحالف بـ «صدق» لعبت دوراً بارزاً في إطلاق «لقاء البريستول» الذي جمع كافة القوى المعارضة من مختلف الاتجاهات الطائفية والفكرية والمناطقية في خريف العام 2004، وكانت من أبرز وجوه «انتفاضة الاستقلال» و«ثورة الارز» التي اندلعت بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري ورفاقه في 14 فبراير2005، والتي من ابرز تجلياتها التظاهرة التاريخية يوم 14 مارس من العام 2005، والتي اعطت اسمها لتحالف «قوى 14 آذار» الذي ظل نسيب لحود من ابرز اركانه حتى عام 2009.
في 13 سبتمبر2007، اعلن نسيب لحود ترشيحه رسمياً لمنصب رئاسة الجمهورية في لقاء حاشد في مركز بيروت للمؤتمرات «BIEL» اذاع خلاله بيان الترشيح المستند الى نص فكري ـ سياسي جامع تحت عنوان «رؤية للجمهورية» تتضمن نظرته الى سبل تجديد الميثاق الوطني واحياء المؤسسات الدستورية وتحديث الديموقراطية وتجديد الحياة السياسية في لبنان.
وشكل «بناء الدولة» هاجسه الدائم، وهو ما اوحت به تجربته القصيرة في الحكومة يوم عين في يوليو 2008، وزيراً للدولة في حكومة الوحدة الوطنية التي شُكلت بعد اتفاق الدوحة والتي وضع مشاركته فيها تحت عنوان عودة جميع اللبنانيين الى كنف الدولة.
ولم يخف نسيب لحود يوماً حرصه «النقدي» لاداء حتى حلفائه، وربما هو ما دفعه عن العزوف عن الترشح لآخر انتخابات نيابية شهدها لبنان في العام 2009، حين بدا معترضاً على «لعبة التحالفات» لرفاقه في «14 آذار»، قبل ان يضطره المرض الخبيث الى الابتعاد عن لبنان بداعي العلاج الذي وفر له «هدنة» مع المرض، فعاد الى بيروت قبل اشهر ثم ... توفي فجر امس.
دقيق وصاحب منحى علمي في مقاربته الأحداث ولا يعمل منفرداً. هكذا كان نسيب لحود، فهو اعتاد منذ أن أسس شركته المتخصصة بقطاع الهندسة (شركة لحود للهندسة) على العمل من ضمن هيكلية تتوزع فيها المسؤوليات ولا تتخذ القرارات إلا بعد مشاورات. وهكذا عمل في السياسة، فكان يقاوم الارتجال لمصلحة المواقف المدروسة من كل جوانبها. وهو من القلائل جداً الذين يعملون ضمن فريق عمل فعلي. وغالباً ما كان يظن الناس أن لديه ماكينة ضخمة، والواقع ان فريق عمله كان يتألف من بضعة شبان وشابات مثقفين متخصصين يساعدونه على تكوين الملفات التي يقرر الخوض فيها الى النهاية. وربما هذه النزعة في اتجاه العمل الجماعي هي التي قادته الى اطلاق حركته السياسية الجامعة (حركة التجدد الديموقراطي). والواقع انه كان يقوم بما كان على مجلس النواب كمؤسسة تشريعية ورقابية أن يقدمه من وسائل عمل كافية، تمكّن النائب من تكوين ملفه كي لا يكون عارياً أمام الحكومة التي لديها كل الإمكانات من المستشارين والإدارة والمعلومات.
اسس شركة لحود للهندسة العام 1972 وحققت إنجازات كبيرة في حقل تجهيز المنشآت الصناعية في الشرق الأوسط وتنفيذ معامل توليد الطاقة ومصانع تحلية مياه البحر ومصانع الأسمنت والمنشآت البترولية في دبي وأبو ظبي (جبل علي) وقطر وقبرص والبحرين وسورية، إضافة الى إقامة منشآت لمعملي الجية والزوق الحراريين. في مبنى الشركة كان يفصل لحود نفسه تماماً عن أعمالها، فهو ليس معنياً بإدارة أعمالها أو متابعة قراراتها التنفيذية، ويتولى هذه المهمة شقيقه الأصغر سمير بالتعاون مع عدد من المديرين، علماً انهم كانوا يستشيرونه في القرارات الكبيرة فقط. وليس للشركة اليوم اي مشروع في لبنان في ضوء قرار اتخذه لحود يوم بدأ التعاطي بالشأن العام، وينبع من حساسية مطلقة لديه حيال اي تضارب بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة. فعنده أن من أهم مقومات الدولة الحديثة أن من لديهم وكالة لتمثيل الشعب في السلطة التشريعية ومهمتهم محاسبة السلطة التنفيذية، يجب ألا يسمحوا لأنفسهم أو يسمح لهم بأن يستعملوا هذه الوكالة لمصلحة خاصة. ولأنه آمن بهذا المبدأ طبقه بداية على نفسه. ربما يستطيع البعض أن يجعلوا مصالحهم الخاصة تتعايش مع المصلحة العامة، ولكن لا يمكنه ان يفصل بينهما لأن المشاريع الصناعية التي تنفذها شركته مرتبطة جداً بالقطاع العام. من هنا، دفعته شفافيته الى الانسحاب من العمل مع القطاع العام في لبنان ما دام يحمل وكالة الشعب ويريد ان يتمتع بالاستقلال التام كنائب لممارسة دوره تجاه السلطات ومحاسبتها.
مع زوجته عبلة فستق كان يحرص لحود على توفير حياة ثقافية لولديه سليم وجومانا، فيصطحبهما الى المتاحف والأماكن الاثرية من دون ان يحرمهما اوقات المتعة. فخلال احدى الرحلات مثلاً الى باريس تم الاتفاق على زيارة «ديزني لاند» من دون نسيان قصر فرساي. وفي الجدول الثقافي ايضاً كان حضور حفلات موسيقية وعروض باليه ومعارض.
القدر الكبير من العاطفة والحب والثقة المتبادلة مع زوجته (سنية من أصل فلسطيني) كان العامل الأساسي لتجاوز أي إشكال قد ينشأ من زواج مختلط، زواجه شكل مفاجأة للأوساط المحافظة، لكن رجال الدين لم يبدوا انزعاجاً. تزوج في الكنيسة وبقيت عبلة على دينها، لكنها وقعت ورقة تعهدت فيها تربية الأولاد وفق الدين المسيحي.
أبدى الاستعداد كاملاً لتحمل مسؤولية قراره لأن زوجته من دين مختلف ولها ابنة من زواج سابق (تعيش معها)، لكن عبلة هي الإنسانة التي أراد أن يعيش معها، والسعيد في منزله قادر على تجاوز كل الصعوبات، علماً انها استطاعت أن تندمج في مجتمعه بسرعة.
كان يتمنى أن يتاح له ظرف يخدم فيه بلده من موقع رئاسة الجمهورية ولم يقل «بلاها» لكنه كان يأمل في أن ينهي حياته السياسية من دون أن يحتل منصباً يجعله يشعر بالخجل.
في الأندية السياسية كان هناك شعور بأن لحود محسوب على الأميركيين، وكان هو يستغرب هذا التصنيف. شغل منصب سفير لبنان في واشنطن واستقال حين تقرر أجراء تعيينات نيابية، وهذه الفترة من دون شك جعلته ينسج علاقات متينة مع المسؤولين الأميركيين لكنهم كلهم صاروا متقاعدين، وكما كانت له علاقات في واشنطن كانت له علاقات بأناس كثر في بريطانيا وفرنسا والخليج.
«لا اريد ان اكون رئيساً بأي ثمن» هذا ما قاله لحود قبيل الاستحقاق الرئاسي في العام 2004، حتى انه لم يعلن ترشحه رسمياً للانتخابات التي حال القرار السوري بالتمديد لـ «ابن عمه» الرئيس السابق اميل لحود دون اجرائها.
«التجدد الديموقراطي» تنعى زعيمها
نعت حركة التجدد الديموقراطي اللبنانية زعيمها الراحل النائب السابق نسيب لحود بوصفه «رجل الدولة والاعتدال والمبادئ».
وقالت الحركة في بيان: «يودّع لبنان اليوم رجلاً لم يحتكم ابداً الا لضميره، ولم يخض صراعاً الا في سبيل حرية شعبه واستقلال وطنه وسيادة دولته. وفقد برحيله اللبنانيون سياسياً حلموا بدولة على طرازه».