التطرّف في زمن الاعوجاج استقامة!

تصغير
تكبير
بقلم: محمد العريفي

كلمة التطرف من أكثر الكلمات انتشارا في العقود القليلة الماضية، ونكاد لا نجد تياراً أو فئة اجتماعية أو مذهبا دينيا أو مدرسة فلسفية إلا وقد وصفت بعض مخالفيها بالاعتدال والبعض الآخر بالتطرف، جاعلين مقياس التطرف والاعتدال مقياسا شخصيا يعتمد على مدى تقارب أو تباعد الآراء من بعضها البعض. فبقدر قرب الآراء المخالفة تُطرح كلمة الاعتدال وكلما كانت الآراء والأفكار بعيدة عن بعضها وجدنا كلمة التطرف هي الحاضرة. فهذا أسامة بن لادن رحمه الله ترى به أميركا بل العالم كله بأنه من أكبر المتطرفين الذين حادوا عن الطريق المستقيم وشذوا عن القيم الإنسانية النبيلة، بينما يرى هو ومناصروه بأن المتطرف هو من يسكت عن حقه ولا يدافع عن أرض مسلمة مغتصبة برأيه.

يقال «تطرفت الشمس أي مالت للطرف بدأت بالغروب»، و يقال طرف الخيط بمعنى رأس الخيط من إحدى جهتيه اليمنى أو اليسرى، ويقال للإنسان المبتعد عن الصف أنه وقف متطرفاً ويقال للإنسان الذي يحمل أفكارا تعارض أفكار الآخرين وتختلف عنهم بأنه صاحب فكر متطرف.

هذه بعض معاني التطرف التي وردت في كتب اللغة، والتي تدلل على أن التطرف الفكري ليس شرا دائما وإنما قد يكون خيرا إن كانت أفكار الآخرين تضر ولا تنفع والفكر المتطرف ينفع ولا يضر أو لا يضر على أقل تقدير. ففي عالمنا العربي كان بعض الشعراء والمفكرين الذين يدعون للعدل ونبذ الظلم أمثال أحمد مطر وناجي العلي وسيد قطب وغيرهم كثر من مختلف المشارب متطرفين جداً بآرائهم المناهضة للحكم الظالم. و كانوا يستحقون بنظر السلطات الظالمة عذابا شديدا، مع أنهم لم يكونوا إلا دعاة حق وسلام وعدل ووئام.

لا شك أن التطرف لا يعني بالضرورة الإرهاب، لكن الإرهاب يعني بالضرورة التطرف. بمعنى آخر ليس كل متطرف إرهابيا ولكن كل إرهابي متطرف. فكلنا نتذكر النرويجي الشهير(أندرس بيرنغ بريفك) الذي قتل أكثر من تسعين مسيحيا بسبب انتمائهم لحزب يقبل التعايش مع المسلمين في أوروبا ويرحب بالمسلمين (المسالمين) بينما نجد أوروبيين آخرين يؤيدون (بريفك) في عدم قبول التعايش مع المسلمين إلا أنهم يرفضون رفضا قاطعا استعمال الإرهاب والعنف لتحقيق الأفكار المتطرفة.

ولعله من الجدير بالذكر أن التطرف الإرهابي والتعصب الأعمى للرأي أمر ليس مقتصرا على الأفراد المساكين وإنما هو كغيره من الأمور قد تتبناه دول ليصبح حينها تهديدا كبيرا يشبه إشعال الحطب فوق جبل من البارود. التهديد لا يقتصر على الدولة فقط وإنما على البشرية جمعاء، وعلى خلاف عاداتنا نحن العرب فقد أفلحنا بشكل منقطع النظير في هذا التطرف المدمر و لنا في بشار والقذافي آية كبرى لمن كان له قلب.

كل الدول العربية بلا استثناء تعاني من التطرف والتعصب بشكل أو بآخر، ولأن الكويت جزء من هذه الدول العربية فإنها ليست استثناء من الدول العربية. إن من صور التعصب والتطرف غير المحمود و المخالف للقيم الإنسانية أن يعيش عشرات الآلاف بيننا منذ عقود دون أن ينالوا حقوقا قد كفلها لهم الدستور بينما نجد أميركا على سبيل المثال قد وصلت إلى الترياق المناسب لهذا السم بعد ما كانت من أكثر الدول تأثرا بهذا السم القاتل، فنجد أوباما القادم من أفريقيا السوداء والذي كان أقرانه يسامون سوء العذاب في بلاد المهاجرين يتربع على عرش أقوى دولة على الكرة الأرضية معززا مكرما يخدمه كل البيض والسود في البيت الأبيض. فيا ليت تسألهم حكومتنا عن هذا الترياق السحري لعله ينفع - بعد الله - كويتنا الحبيبة و يُخرج من إخواننا البدون من تتسنى له خدمة أمه الكويت بالشكل الذي يليق بمقامها أسوةً بأقرانه الكويتيين.

إن هذا المرض العضال بأمتنا وبقية الأمم لم يظهر فجأة وإنما تطور مع تطور الحياة. ولاشك بأن الشفاء منه لا يمكن أن يتم باستخدام العصا السحرية أوأعمال الشعوذة، وإنما يجب أن يأتي من الشعب والسلطة بحيث يعمل الجميع سواء الإدارات المختصة بالتوعية التابعة للدولة أو جمعيات المجتمع المدني من خلال القيام بحملات كبيرة تشجع على الأخذ بالرأي والرأي الآخر ونبذ احتكار الحقيقة المطلقة.





كلية الحقوق - جامعة الكويت
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي