مسافات حلم / احمد الربعي... المحارب الأخير

تصغير
تكبير
| حمد الحمد |

هو الغائب الحاضر الدكتور أحمد الربعي رحمه الله... في منتصف مايو 2007، تلقيت اتصالا منه بصفتي رئيس مجلس الإدارة في رابطة الأدباء، وكان يطلب الإذن بعقد جلسة خاصة له وأصدقائه في مسرح الرابطة، وكانت إجابتي: «يا دكتور ما تحتاج تطلب... المكان مكانك».

وفي 21 مايو عقدت تلك الجلسة في رابطة الأدباء، ولم أحضر متعمداً لأنني شعرت أنها جلسة وداعية، وأنا أشعر بألم في لحظات الوداع.

والدكتور الربعي بين الحين والآخر يزور ديوانية رابطة الأدباء- التي تعقد كل يوم- وكنا نسعد بقدومه حيث يأخذ ناصية الحديث، ويمتعنا بتجاربه الحياتية التي أكثرها قد لا تأخذ طريقها للنشر، تواجده بين محبيه من أعضاء الرابطة من أدباء وشعراء ومفكرين له وقع خاص في نفوسنا وحتما كل منا يفتقده الآن.

وفي عام 1994 أصدرت مجموعة قصصية بعنوان «عثمان وتقاسيم الزمان»، وكان من عادتي أن أرسل إصداري الجديد إلى المسؤولين في الصحف المحلية وكتاب الأعمدة، وكذلك المسؤولين الكبار في الدولة، وحدث أن أرسلت ذلك الكتاب إلى الدكتور أحمد الربعي، وكان أنذاك وزيراً للتربية، وكانت المفاجأة التي لم أتوقعها أن يصل فاكس بخط يده يقول بأنه برغم انشغاله بالتجهيزات للعام الدراسي الجديد إلا أنه قرأ الكتاب، وعلق على بعض القصص وفي ختام رسالته قال: «أتمنى الاستمرار في الكتابة من أجل عالم أكثر جمالا، وأكثر نظافة وأقل شقاء».

تلك الرسالة كانت أفضل هدية بمناسبة إصداري الجديد، ومازلت أحتفظ بها ونشرتها في كتابي الوثائقي «مسافات حلم».

وفي الحادي عشر من أكتوبر 2007 جاء صوت الدكتور أحمد الربعي متعبا عبر الهاتف، وهو يعزيني في وفاة ابني سليمان الذي توفي في أخر يوم من رمضان الماضي، لهبوط في الدورة الدموية والتنفسية نتيجة مضاعفات مرض السكر... صوته كان متعبا أما أنا فكنت في قمة الألم النفسي بفقدان أبني، فجأة وبدون وداع وحتى هذه اللحظة كلما أردت كتابة كلمة بحق سليمان أشعر بقشعريرة تسري في جسدي، وأتوقف عن الكتابة حيث تتزاحم صور رحلتي الجميلة مع سليمان طوال ثلاثة وعشرين عاما... لهذا أشعر بألم وأتوقف وحتى هذه اللحظة أعجز عن صياغة تلك العبارات بحق ابني، الذي غادر الدنيا ولكن لم يغادر مخيلتي فهو يعيش معي يوميا... رحمه الله واسكنه فسيح جناته.

غادرنا الدكتور احمد الربعي ذلك المحارب الأخير، محارب الفساد واليأس ومحارب التخلف، في كتاباته نشعر بالأمل والفرح والمستقبل بينما كتابات الآخرين يبدو اليأس والانهزام والسوداوية، المحارب الأخير يتراجع إذا أكتشف أن الواقع تغير بينما مثقفون آخرون يكابرون ملتصقين بأفكار عفى عليها الزمن لأنهم يعتبرون الأفكار سلعة والشارع يريد هذه السلع القديمة، أحمد الربعي رحمه الله لم يبحث عن شركة علاقات عامة لتسليط الضوء عليه، انما مسيرته وفكره تنتقل في كل مكان... لهذا نرى سيل كلمات جميلة في ذكره في جميع الصحف العربية. لم يكن المحارب الأخير يبحث عن الشهرة ولكن الشهرة تبحث عنه.

هذا الأسبوع التقيت بطارق ابن الدكتور الربعي ولمحت في عينه معاناة فقدان ذلك العزيز، ورحت أحكي له عن معاناتي بفقدان أبني سليمان، وأن تجربة الموت مؤلمة ولا يشعر بها إلا من أفتقد عزيزاً عليه يعيش معه يوميا، ينتظر رجوعه كل مساء... تجربة الموت تعلمك أن ذلك العزيز غادر ولن يعود. وأن الأعمار بيد الله، المؤمن هو الذي يتخطى الآلام بقوة وثبات.

إلى رحمة الله يا دكتور، وإلى رحمة الله يا أبني سليمان.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي