No Script

مقال / تحت الاستبداد!

تصغير
تكبير
| ابراهيم صموئيل |
المشكلة الكبرى في الاستبداد اعتياد المُستَبدّ بهم عليه. التآلف معه. انصياعهم لطغيانه. تشكُّل قناعةٍ لديهم مفادها أن الحياة وُجدت كذلك. وثمّة - حين يبحثون - ما يدعم قناعاتهم المتشكّلة، ما يساندها ويقدم الأمثلة عليها منذ قابيل وهابيل الى اليوم.
هل هو التكيّف؟ بلى! شيء من هذا القبيل. التكيّف مع الضيق، والتكيف مع الحجر، والتكيف مع حق مستلب. حين تُغيَّب الحرية لزمن طويل، ينساها الناس. وانْ تذكروها فهم يتذكرونها من باب فائض الحياة التي يعيشون. كماليات العيش. من الأفضل لو كانت موجودة، غير أن غيابها أو تغييبها- على الأصح- ليس قاتلاً، وليس مميتاً، فثمة ما يستطيعون به- وان كان شحيحاً- أن يواصلوا حياتهم. ثمة ما يمكن أكله وشربه والايواء اليه.
تجربة السجن تدل على ذلك. يكون السجين قبل اعتقاله حراً، ثم يُزج به في السجن فيعتاد. لا ينسى الحرية، ولا يموت فيه التوق اليها، بل هو يتأجج أكثر، ويشتد أكثر، ويستولي ذلك التوق على روح السجين أكثر فأكثر... غير أن السجن، في ظل الاستبداد، أشبه بالقدر. كأن المرء بُترت يده، فيتأسى ويحزن وينكفئ وينطوي، لكنه يواصل الحياة من دونها على الأغلب. يعيش بذراع واحدة، ويتشكّل في داخله، بعد زمن طويل، أن العيش والحياة ممكنة بذراع واحدة.
لو أن الحياة لدى السجين مستحيلة داخل السجن لقتل نفسه أو مات كمداً. ولو كان احتجازه دون حريته مميتاً لمات. بل أكثر من ذلك، ثمة سجون تضيف على احتجاز السجناء فنوناً من التضييق والتنكيل والمصادرة ما يجعل الانسان يعتقد ـ نظرياً ـ أنها بمجموعها مودية الى الحتف بلا شك، غير أن السجناء الذين يعيشون تحت وطأة ذلك كله لا يموتون!
لا يموتون بعد عام ولا بعد عامين ولا ثلاثة أعوام أو عشرة أو عشرين.. بل يستمرون في العيش الى أن يُفرج عنهم، الى أن ينزاح القدر عن حيواتهم. والى أن ينزاح، يكونون خلال ذلك قد أوجدوا «سبلاً» و«طرائق» متعددة كي يستمروا في العيش. كي يستمروا في العيش البيولوجي فقط. والعيش البيولوجي هو «حياة» ولو في أدنى حدٍّ لها.
خارج السجن، تحت الاستبداد، يعيش الناس أيضاً. يبحثون عن سبل وطرائق وأشكال ومعابر بألف لون وهيئة ليعيشوا ولتستمر «حيواتهم». وخلال ذلك، يعتادون على الاستبداد، يألفونه، يتكيّفون معه، ويصوغون لأنفسهم قناعات تجعل الاستمرار على ذلك النحو ممكناً بل وربما «مقبولاً»!
حجم الاستبداد، وشدّته، وثقله، واستمراره زمناً، يؤدي الى قناعة لدى عموم الناس مفادها: «انْ لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون». يريدون، أو يقتنعون، أو يمتثلون، أو ينصاعون، أو يتوهمون.... أياً كان، المهم والأخطر في آن معاً أنهم يتكيّفون مع القائم ومع الحال.
في اللحظة التي يخرج فيها السجين من باب السجن، يدرك كم غاب عنه وكم غُيّب. يهطل عليه كل ما كان يفتقد اليه، وكل ما سُلب من كرامته وحريته وحقوقه ووجوده العضوي وعالمه الداخلي والنفسي. يدرك الحجم الحقيقي للظلم الذي لحق به، والقمع الذي نال من انسانيته، وحينها، حينها فقط، لا يقبل أن يُعاد ثانية إلى السجن ولا يرتضي أبداً لأي سبب من الأسباب حتى ولو قدّم حياته نفسها ثمناً!
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي