غزة... للبيع!

تصغير
تكبير
| بقلم: د. سعيد فهمي (المصري افندي) |

استيقظ شهريار مبكرا على غير العادة... وتناول بسرعة قهوته السادة... حتى يزيل ما تناوله في المساء... من طعام في العشاء... وهو جالس في الفناء... ليسمع حكاوي المدعوة شهرزاد... عن شؤون الخلق والعباد...!! وسرعان ما استيقظت شهرزاد... وانتبهت لغياب صاحب الدار والزاد... وبخبرتها عرفت مكانه... وبلحظات كانت امامه...!! خير ياعم شهريار... من إمتى بتصحا بالنهار...؟؟ تعالي ايتها الشقية... واعطيني رأيك بالقضية... وارشديني بصدق عن القرار... فرأسي مشوش بالافكار...!! فلقد قررت ان امارس التجارة... فأنا مشهود لي بالفهلوة والشطارة.... وسأبدأ ببناء المنتجعات السياحية... ولا مانع من توكيل صغير لاسمنت او حديد او اي سلعة احتكارية...!! وقد نويت وتوكلت على الله ان اشتري جزيرة رائعة في الكاريبي... وفلوسها حاضرة كما تعلمين بجيبي...!! ولن احتاج للبنوك... وحركات القرض المبروك... وسأبدأ نشاطي بشراء تلك الجزيرة المسماة «غزة».

فقد وصفها لي السماسرة بالخير والعزة...!! وابلغني بسحرها ابناء العم سام... ومدحوا في موقعها التمام!! وتعهدوا لي ان اتسلمها خالية... من تلك الوجوه البالية.... وذلك في توصية من احفاد «شارون»... صاحب نظرية تطهير الارض من البشر...!! ونحمد الله انه سيرسي علينا العطاء... بعد ان تعهد العم سام بتوفير الغطاء...!! وسيكون مصير الكائنات بالجزيرة الفناء... لنعيش نحن في البحبوحة والرخاء...!! واهتزت شهرزاد وصاحت... هل تعلم يا سلطان الغرام... ان «غزة» هذه بلد الكرام... وانها مدينة عربية... تقع على السواحل الشرق اوسطية... وانه قد تم اسرها.. وسلب ارضها واحتلالها... وقتل شيوخها واطفالها... وحرق زرعها وهدم بيوتها... ولكن يامولاي هي بلد صغير... ولكن بالصمود كبير... وفي اظهار البطولة خطير...!! وقد تغلبت على الحصار الصهيوني بالعزم والتدبير... وهم متمسكون بارض الاجداد... مهما كانت قوة الاندال والانداد...!! «غزة» يامولانا... عايشة جوانا... وهي مدينة ساحلية فلسطينية... والتاريخ يشهد انها عربية... شهق شهريار ولم يفهم مغزى الكلام... ولم يشعر ماسببه حديثه لها من آلام... وامطرها بالتساؤلات... من اين جئتِ بهذه المعلومات...؟؟ ومين ملأ رأسك بتلك الخرافات...؟؟ افهميني كويس ياولية... وبلاش تسيسي القضية... فان كنت مصرة ان غزة بتاعتك عربية... فقد نويت ان انقلها على جبال ثلجية... إلى السواحل الاوسطية... حتى نستمتع بلحومها المحروقة والمشوية... بطائرات الاباتشي الجهنمية...!! ونضع عليها البهارات العربية... ليصبح مذاقها يثير الشهية...!! وقبل ان يستطرد في الكلام المغلوط... دارت الدنيا بها واحست بهبوط...فقد كان كلام شهريار من الدسم منزوع... فغالبت شهرزاد الحسرة والدموع...!! صدقني يا مولانا... «غزة» عربية وعالخريطة ويانا...!! فشهق شهريار وقال... ماذا تقولين ايتها الشمطاء... يبدو انك اصبحتِ بلهاء... كيف تجرؤين... وعلى افكاري تشوشين... وقد تأكدت انك بالجغرافيا لاتعرفين...!! كرري ماتقولين ايتها المفترية... هل تريدين ان تقنعيني ان غزة عربي... !! واستطرد السلطان... وكأن اصابه مس من جان... ازاي تكون عربية...!! ولم اسمع اخبارها في القنوات الاعلامية... ولم ار مساندة لها فعلا حقيقية...!! فقط بيانات جوفاء بالفضائية... ولم يساعدها احد على مأساتها اليومية...!! ولم يغلق احد سفارته في الدولة اليهودية...!! ولم يطرد ايهم سفير الصهيونية...!! ولم تتأهب الجيوش ولو على سبيل المنظرة والتورية...!! ولم يجرؤ احد على اظهار حتى الشجاعة الصورية والعنترية... ولم نعد نقرأ في تاريخهم الحديث عن اعمال المدعو صلاح الدين البطولية...!!  ولم اشعر حتى بوجود الوحدة الداخلية... بين ابناء الامة المبتلية...!! كيف تجرؤين وتقولين عربية...!! وقد اقتصر دور حكامها على ادعاء الشرف... حتى لايخسروا حياة الترف...!! وتبادلت منظماتها الاتهامات... والعدو هناك في الهنا بات...!! وتقاسمت الفصائل الغنائم... والشعب في القهر والذل هائم...!! لقد تساوت في المهزلة الرؤوس ولن تصفو بينهم النفوس... مادام هناك من يبيع القضية بالسلطة والفلوس...!! تقولين عربية...!! فاين مساندة الاشقاء... واين بذل الدماء... واين التضحية والفداء...؟ واين سماحة القلب بين الفصائل والصفاء...!! ومين حيرحم الشعب ده من صواريخ السماء... ومين حيحمي الاطفال والعجائز من النوم في العراء...!! ومين بينصر الضعفاء...!! وبصوت مبحوح... وباذن ممنوح... همست شهرزاد... واستعطفت شهريار.... الايزيد حزنها ويشعل في قلبها النار... فقد تأكدت ان الضمير قد مات... وان التضامن العربي قد ولى وفات... وان مافعله صلاح الدين من اعمال بطولية... قد اصبح في ذمة البطولة المنسية...!! وانه لايوجد في الاوضاع الحالية... مايثير ذاكرة الاساطير الماضية... وبالكشف في سجلات المواليد... بند الاسماء والحواديت... تم تقليص الاسماء القديمة.... التي تثير المشاعر البطولية الاليمة... كقطز والمعتصم... مادام الرأي عند العربي منقسم...!! واستطردت المسكينة... وبكلمات اليمة... صدقني يامولاي... غزة عربية... رغم انف النظريات الاستسلامية... وانصار المؤامرة الصهيونية... واصحاب مقولة اعداء السامية...!! وسيتحد قومها يوما بين عشية وضحية... ولن يكون شعبها وحده الضحية...!!

ولكن اناشدك يامولاي باسم كل الليالي الهنية... وحكاوي شهرزاد واللقمة الطرية...!! بلاش تشتري الجزيرة ديه... وتبيع القضية... قولهم يامولاي ان غزة عربية. وان كان العرب المسؤولون مشغولين بالقمة العربية... والقرارات الشكلية... والنووي الايراني والرئاسة اللبنانية... ومكوكية امين الجامعة بلا جدوى او اهمية... وان كانت الفصائل مختلفة على الفتة والملوخية... ونسوا ان شعبهم محتاج للفرحة والحرية... وان كانوا تقاسموا الحكومة والسلطة الوهمية... وراح من ضميرهم شهداء القضية... ولكن مازلت اذكر ان غزة عربية...!! فارجوك ياسلطان... ياصاحب السطوة والهيلمان. لا تدخل المزاد... والجرح المه قد زاد... فبحق العالم بالعباد... اطفئ هذه النار واجعلها رماد...! تأثر شهريار بالكلام الصادق... واجاب بفكر ناضج الناس بيني وبينك... وهم الفيصل بين رأيي ورأيك... فلندشن موقعنا على النت... والناس بالاراء تبني وتهد... وبما ان الكلام يغم... نسميه «غزة دوت كوم»... ونخلي الناس تفتينا بالرأي الفصيح... ولنعرف الغث من الصحيح... ونفوز بقرار بعد تدقيق وتمحيص... وحتى هذه اللحظة... امنحيني ولو نظرة... انسى بها الهموم... وكلام العسل المسموم... وخلينا ننسى القضية... ونأكل رز بلبن ومهلبية... واذا كانت غزة في الكاريبي لاتينية... او في الاصل كما تصرين عربية... فانسي ياشهرزاد غزة... وبلاش كلام عن الكرامة والعزة.... واطلبي مسرور يشتري كام خروف او كام معزة... نشرب لبنها.... ونمزمز لحمها... وفي النهاية حتريحينا من صوت ديك البراري... اللي بيزعجنا اخر الليالي... وخلينا ننهي ليالينا بصوت المعزة او الخراف... ويمكن نشاركهم كمان الهتاف...!! واستغل الديك الفرصة وحاول ان يبدأ في الصياح... فاسرعت المعزة بالتشويش على صوته بالمأمأة والتطنيش... لانهاء تلك القضية... والحدوتة المزعجة ديه... وصاحوا في وصلة غناء قومية... للتعبير عن المرحلة الجهادية الحالية... ماااء... ماااء...!!

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي