بعد أزمة التأبين، اختطف الشارع الكويتي وأصبح اللاعب والمتحكم الرئيسي فيه هي بعض القوى التي أسقطت الوطن ومصلحته من أجل حساباتها وأجندتها الخاصة! وفي ظل غياب أي دور فاعل لحكومة «اللا قرار» على أرض الواقع سوى في حشد القوات الخاصة ونقلها إلى أماكن التوتر وثم إعادتها إلى مهاجعها مرة أخرى، أصبحت هذه القوى هي من يتحكم في خيوط «أزمة التأبين» وأصبح بإمكانها أن توجه الأحداث المتتالية، منذ أن رفع النائب عدنان عبد الصمد، للأسف، يده في حسينية التأبين ليعلن بدء الانطلاق لسباق «تقطيع الوطن»، بما يخدم مصالحها وخططها قصيرة وبعيدة المدى، ولو كان ذلك على حساب هذا الوطن وأبنائه واستقراره!
أولى هذه القوى المستفيدة من هذا الوضع الكارثة هي «مؤسسة الفساد»، أو بمعنى أصح وأكثر دقة، تحالف سراق المال العام، الذي وجد في جريمة التأبين فرصته الذهبية ليحقق أهدافاً عدة في آن واحد لم يكن ليحلم بتحقيق عشر عشرها لو صرف جل ما نهبه من المال العام، مضافاً إليه الفوائد التي ترتبت على ذلك المال المنهوب! فكان هذا التأبين المدخل الذي ولجت منه هذه القوى المفسدة، لتنتقم من التيارات السياسية التي كانت ومازالت عدوها الأول ومحبط خططها للاستيلاء على المزيد من المال العام! وأصبح بذلك من اعتدى على الوطن في ظروف أقسى وأشد محاضراً يعطي دروساً في الوطنية وكيفية الولاء للأوطان! وتلك كلمات حق أريد بها باطل، فمن لم يعرف حق الوطن في أعز أزماته وأوقاته، لن نتوقع منه أن يعرفها في أوقات الرخاء النسبي!
في المقابل، وجد المتطرفون على الجانب الآخر الفرصة سانحة لحشد المزيد من الأنصار واللعب على لغة الظلم والاضطهاد، فتحركوا منذ الأيام الأولى لتصوير الانتقاد الشعبي العارم لجريمة التأبين على أنه اضطهاد للأقلية الشيعية في البلد! وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من ذلك وحاولوا إعطاء القضية بعداً دولياً من خلال «حشر» الولايات المتحدة وإسرائيل في مظاهرات الاحتجاج على احتجاز المتهمين في قضية «حزب الله الكويتي»، وبتنا نستمع إلى هتافات وصيحات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل» في قضية محلية بحتة كل أطرافها الفاعلين «كويتيون»!
لذلك نؤكد أنه من الضروري، وبل من الواجب الوطني عدم ترك الشارع الكويتي عرضة للتلاعب والخطف من قبل هذه القوى غير الوطنية، وخصوصاً ممن يمتلكون بعداً خارجياً قد يلعب دوراً مصيرياً وحاسماً فيما هو مقبل من أيام، وغيرهم ممن يمتلكون سجلاً حافلاً بالخزي والعار في نهب الأوطان! ويقع عبء هذا الواجب الوطني على القوى السياسية الوطنية المخلصة في إخراج البلد من هذا الوضع الذي قد يقودنا جميعاً إلى ما لا تحمد عقباه، فمن يقتدي بأصحاب لغة الظلم والاضطهاد ومؤسسة «سراق المال العام» لن يجد للفلاح طريقاً!
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
[email protected]