رؤى / إنسان بمعنى الكلمة!
| فوزي صادق |
غالباً لا أحبذ ذكر أسماء شخصيات بعينها في مقالاتي، أو عرض لوحة إطراء وثناء للتلميع والتمجيد... لكن! عندما أقف عند أعتاب روح إنسان حقيقي بمعنى الكلمة... إنسان تجسدت فيه الأخلاق كما يحب سكان الأرض وكما تحب ملائكة السماء، وبشهادة الكثير من أبناء الوطن العربي، فأنا أعجز عن التحكم بقلمي في هكذا موقف!
إنه نتاج لمدرسة الأخلاق الإنسانية، ومن دون تحيز لدين أو مذهب أو فكر، أو حتى جنسية أو عمر أو لون، انه الشاب طـه الميدان الاحسائي من شرق المملكة العربية السعودية، وكنيته «أبا أحمد»، إنه سفير لمكارم الأخلاق بين شعوب المنطقة، وبتعيين وتأييد جماهيري صرف... لقد رحل طيف هذا الإنسان الحقيقي وغابت معه شعلة تتقدمه من الأخلاق والمشاعر... لكن روحه الطيبة قابعة ومتجذرة في قلوب الآلاف من محبيه، ومن جنسيات عدة وملل ونحل مختلفة... تصوروا أحبتي إننا تعودنا دائماً إذا ذكرنا إنساناً غاب عنا، أن نذكر أولاً هيئة صورته التي رسمها العـقل لنا، أما إن نـتـذكر أولاً بصمات وابتسامات تضيء لك حياتك، وتعيد لك الأمل إن الدنيا مازالت جميلة، ومازال هنالك بصيص أمل للحب والسعادة، فهذا نادر جداً.
لقد كان أبو أحمد سفيرا للابتسامة بين الناس، وصديقا للجميع... حتى الحيوانات نالت نصيباً من بصماته الطيبة، وبشهادة من عاشره، ولهذا كان كثير التردد والتنقل بين الناس، فخطواته مستمرة ومتواصلة من شرق السعودية ودول الخليج العربي، حتى دول وضيعات الشام وتركيا، فقد غرس بروحه الطيبة ابتسامة في معظم قلوب من عرفهم ومن لم يعرفوه، وكان شغوفاً لخلق المعرفة والصلة الأخوية بين الناس وإصلاح ذات البين، وبناء الصداقات الإنسانية... كان يهوى رحمه الله توطيد العلاقات الاجتماعية دون النظر للبعد الجغرافي... من الصحراء حتى المدينة، ومن السهول والأرياف حتى الجبال والوديان، وفي كل المناسبات والأفراح والأتراح.
كان طه الإنسان، صديق لأحباب كثر من العرب والأجانب ومن عدة جنسيات مختلفة... فمن بصماته رحمه الله، وحدثت قبل سنوات، فقد كان له زميل خمسيني من إخوتنا الهندوس مريض وللتو غادر المستشفى، وكان سيئ الخلق بحيث إن ظله فارقه وأصبح من دون ظل «تعبير مجازي»، فسمع طه الإنسان به، واستنكر كيف انه غريب بالسعودية وقاطعه زملاؤه كافة، ولم يزره أحد حتى الأن، فاذا به يستغل صباح الخميس «الإجازة الأسبوعية»، والتي عادة تشغل لترفيه الأبناء والزيارات العائلية، فقطع مسافة مئة كيلومتر ليطرق باب شقته القديمة النتنة، فتفاجأ الخمسيني، وسأله: «كيف ولماذا؟»، فقال له طه وهو يتهجاها بدعابة عربية وباللنجة الهندية مع هزة رأس «هذا هو الإسلام»، فبكى الخمسيني، وتغيرت أخلاقه منذ زيارة طه الإنسان له.
أما سيرته مع الحيوان، فقد علمت انه وفي أثناء عمل صيانة لحديقة منزله الصغيرة، حمل بيديه كومة تراب يابسة ووضعها بمكان آخر من الحديقة، وعندما سألته، قال لي: كان بداخلها دودة بطول أصابع اليد، فقلت حرام أدفنها بالاسمنت وأنا المعتدي على مملكتها، فأردت أن أعوضها بأرض جديدة وبيئة جديدة، فنقلتها إلى مكان آخر مع رشة ماء بسيطة كعربون اعتـذار!
أنا أعترف سادتي اننا دائماً نذكر الأفذاذ عند موتهم فقط، وهذا خطأ منا، لكن ما باليد حيلة، فهذا ديدن نسير عليه نحن البشر في سيّر الذكر، لكن الأهم وقبل المهم أن نتعلم ونقتدي بهكذا سير وأخلاق نبيلة... فهي تعلمنا ماهية العدالة الحقة للتعامل، وما الميزان الأخلاقي الذي يجب أن يسير عليه الإنسان في تعاملاته مع البشر ومع نفسه أولاً؟، فسيرة طه الإنسان ليست لنا نحن فقط السعوديين أو الخليجيين، بل لكل إنسان يحب مكارم الأخلاق، فكلما وقف عقلي أمام أخلاق - أبا أحمد - الكريمة، أجد نفسي قزماً صغيراً أمام هكذا إنسان يستحق بجدارة لقب «إنسان بمعنى الكلمة»، فمن غرسك نستلهم، إن الحياة لاتستساغ إلا بالأخلاق.
* روائي وكاتب
www.holool.info
[email protected]
غالباً لا أحبذ ذكر أسماء شخصيات بعينها في مقالاتي، أو عرض لوحة إطراء وثناء للتلميع والتمجيد... لكن! عندما أقف عند أعتاب روح إنسان حقيقي بمعنى الكلمة... إنسان تجسدت فيه الأخلاق كما يحب سكان الأرض وكما تحب ملائكة السماء، وبشهادة الكثير من أبناء الوطن العربي، فأنا أعجز عن التحكم بقلمي في هكذا موقف!
إنه نتاج لمدرسة الأخلاق الإنسانية، ومن دون تحيز لدين أو مذهب أو فكر، أو حتى جنسية أو عمر أو لون، انه الشاب طـه الميدان الاحسائي من شرق المملكة العربية السعودية، وكنيته «أبا أحمد»، إنه سفير لمكارم الأخلاق بين شعوب المنطقة، وبتعيين وتأييد جماهيري صرف... لقد رحل طيف هذا الإنسان الحقيقي وغابت معه شعلة تتقدمه من الأخلاق والمشاعر... لكن روحه الطيبة قابعة ومتجذرة في قلوب الآلاف من محبيه، ومن جنسيات عدة وملل ونحل مختلفة... تصوروا أحبتي إننا تعودنا دائماً إذا ذكرنا إنساناً غاب عنا، أن نذكر أولاً هيئة صورته التي رسمها العـقل لنا، أما إن نـتـذكر أولاً بصمات وابتسامات تضيء لك حياتك، وتعيد لك الأمل إن الدنيا مازالت جميلة، ومازال هنالك بصيص أمل للحب والسعادة، فهذا نادر جداً.
لقد كان أبو أحمد سفيرا للابتسامة بين الناس، وصديقا للجميع... حتى الحيوانات نالت نصيباً من بصماته الطيبة، وبشهادة من عاشره، ولهذا كان كثير التردد والتنقل بين الناس، فخطواته مستمرة ومتواصلة من شرق السعودية ودول الخليج العربي، حتى دول وضيعات الشام وتركيا، فقد غرس بروحه الطيبة ابتسامة في معظم قلوب من عرفهم ومن لم يعرفوه، وكان شغوفاً لخلق المعرفة والصلة الأخوية بين الناس وإصلاح ذات البين، وبناء الصداقات الإنسانية... كان يهوى رحمه الله توطيد العلاقات الاجتماعية دون النظر للبعد الجغرافي... من الصحراء حتى المدينة، ومن السهول والأرياف حتى الجبال والوديان، وفي كل المناسبات والأفراح والأتراح.
كان طه الإنسان، صديق لأحباب كثر من العرب والأجانب ومن عدة جنسيات مختلفة... فمن بصماته رحمه الله، وحدثت قبل سنوات، فقد كان له زميل خمسيني من إخوتنا الهندوس مريض وللتو غادر المستشفى، وكان سيئ الخلق بحيث إن ظله فارقه وأصبح من دون ظل «تعبير مجازي»، فسمع طه الإنسان به، واستنكر كيف انه غريب بالسعودية وقاطعه زملاؤه كافة، ولم يزره أحد حتى الأن، فاذا به يستغل صباح الخميس «الإجازة الأسبوعية»، والتي عادة تشغل لترفيه الأبناء والزيارات العائلية، فقطع مسافة مئة كيلومتر ليطرق باب شقته القديمة النتنة، فتفاجأ الخمسيني، وسأله: «كيف ولماذا؟»، فقال له طه وهو يتهجاها بدعابة عربية وباللنجة الهندية مع هزة رأس «هذا هو الإسلام»، فبكى الخمسيني، وتغيرت أخلاقه منذ زيارة طه الإنسان له.
أما سيرته مع الحيوان، فقد علمت انه وفي أثناء عمل صيانة لحديقة منزله الصغيرة، حمل بيديه كومة تراب يابسة ووضعها بمكان آخر من الحديقة، وعندما سألته، قال لي: كان بداخلها دودة بطول أصابع اليد، فقلت حرام أدفنها بالاسمنت وأنا المعتدي على مملكتها، فأردت أن أعوضها بأرض جديدة وبيئة جديدة، فنقلتها إلى مكان آخر مع رشة ماء بسيطة كعربون اعتـذار!
أنا أعترف سادتي اننا دائماً نذكر الأفذاذ عند موتهم فقط، وهذا خطأ منا، لكن ما باليد حيلة، فهذا ديدن نسير عليه نحن البشر في سيّر الذكر، لكن الأهم وقبل المهم أن نتعلم ونقتدي بهكذا سير وأخلاق نبيلة... فهي تعلمنا ماهية العدالة الحقة للتعامل، وما الميزان الأخلاقي الذي يجب أن يسير عليه الإنسان في تعاملاته مع البشر ومع نفسه أولاً؟، فسيرة طه الإنسان ليست لنا نحن فقط السعوديين أو الخليجيين، بل لكل إنسان يحب مكارم الأخلاق، فكلما وقف عقلي أمام أخلاق - أبا أحمد - الكريمة، أجد نفسي قزماً صغيراً أمام هكذا إنسان يستحق بجدارة لقب «إنسان بمعنى الكلمة»، فمن غرسك نستلهم، إن الحياة لاتستساغ إلا بالأخلاق.
* روائي وكاتب
www.holool.info
[email protected]