أحمد عبدالرحيم / رحل تاركا في القلب لوعة
اكتشفت قلم أحمد الربعي، قبل بضع أعوام، من مقالاته القصيرة التي كان ينشرها، بصورة شبه يومية، بجريدة «الشرق الأوسط» اللندنية/ السعودية. فقد حدث ان قرأته مرة بالمصادفة، فلفتتني اليه، اول وهلة، لهجة صادقة يفتقدها المرء، إلا نادرا، في انهار الحبر التي تهراق على الاوراق ليل نهار! ولا اذكر ان صورته الشخصية كانت تصاحب مقالاته في فترة التعارف تلك، وبالتالي كانت جهالتي بهويته تامة!
سألت عنه كاتبة عربية صديقة، فأخبرتني بموجز عن شخصه وفكره وتحولاته، ومن وجهة نظرها، وأذكر أنها أبدت استغرابا من أن يحب مثلي قلما مثله! ولكن ما قالته حينها، وما أبدته من استغراب، لم يصرفاني عن متابعة أحمد الربعي في زاويته الصغيرة العميقة بـ «الشرق الأوسط».
قدمت أن اول ما لفتني إلى احمد الربعي هو ما شعرت به من لهجة صادقة فيه، مهما يكن الموضوع الذي يتناوله، ومهما تكن زاوية نظره اليه، ومهما تكن، ايضا، لذعة انتقاده او حتى قسوتها، وأخيرا: مهما تكن رؤيتك الخاصة، المباينة أحيانا، التي ترى بها إلى الموضوع.
اتحدث عن الربعي، في هذا السياق، كاتبا، بغض النظر عن تجربته الطويلة: سياسيا وبرلمانيا وجامعيا، فليست من اهتماماتي تقويم هذه التجربة الثرية والمثيرة.
انك لا تستطيع، إن كنت منصفا، الا تلتقط هذا الصدق من بين كلماته التي يطرح فيها همومنا وقضايانا، ويُشرّح جراحنا وآلامنا، ويستشرف أحلامنا وطموحاتنا. و«نا» هنا تشمل، في مقصودي ومقصوده جميعا، العرب والمسلمين بصورة أولية، ثم تنسحب إلى الانسان، حيث كان، وأيا كانت هويته، وأيا كان انتماؤه.
ثم أثل هذا الشعور بلهجة الصدق التي تسم كتابة احمد الربعي ما بدأ يخص به زاويته تلك كل اربعاء من حديث انساني شفيف، يشارف تخوم الشعر، فيما يخص جوهر الانسان... الانسان بوصفه انسانا وحسب!
«أربعياءاته» هذه لم تكن، بالنسبة لي، إلا «بلسما» مركزا لاوجاع الانسان، وليست الا نسمة عذبة تروح عنه في قيظ لاهب متصل، وليست الا افقا انساني رحيبا يسع خلق الله كافة، لا الإنسان وحده!
منذ تشرفت بالاقامة في الكويت، قبل عام وبضعة أشهر، كان احمد الربعي واحدا من شخصيات معدودة طمحت إلى التقائها وتحيتها عن قرب، وحالت من دون هذا ظروفه الصحية القاسية.
ومنذ غاب غيبته الصغرى، التي طالت، بسبب من وطأة المرض الباهظ، افتقدت هذا القلم النبيل، وأما، وإذا انتقل إلى دار الحق، فقد تعزز وجوده الذي لن يقلل من عبق اريجه الغياب! رحم الله احمد الربعي... وأحسن إليه.
أحمد عبدالرحيم