رؤى / صفقوا للسبات

تصغير
تكبير
اتمرغ فوق عينيها لاتذوق طعم الغربة... منكسر الخاطر هذه الليلة لان الخصلة التي ابتلت بحزن الماضي ما زال البلل عالقا بها... والغرفة التي تضم ثلاث نجوم ليست ضيقة ولكنها بلا افق... فاستبدلي احشائي بالصغيرة التي تهدهدها وجمّعيها انها مبعثرة... لان قلادة الجزر التي انقطعت بعثرت احشائي قبل الجزر فخذيني.
الشاطئ الذي رسمته شعرا هجرني بعد ان زارته امواج الليل واثقلت رمله بالماء المالح كأن للماء المالح طعم الشعر، وغالية هي مهور الشواطئ.
قالت: دعني أسقيك الهدوء... فامواجي تعشق الهوينا ويخجلها الضجيج، تعال فقد زرعت وطنك على جبيني لتقبله قبل ان يرخيك النعاس، ولست الغربة، انا الوطن الذي تعشق... لست الغربة انا القصيدة، فكن طفلي هذه الليلة أحكيك حكاية اخر نخلة في «النهيرات» البعيدة عن عينيك والقريبة من فمك.
ارتخت عيناي وارتخى الوطن فوقهما ليتحول الى حلم يبدأ من حيث ينتهي عهد العالم.
صفقوا لي فقد حلمت بالوطن البارحة...
في رأسي اكثر من عمود نور انطفأ لان الدروب التي ينسفح عليها النور هجرها الاحياء، وامس... امس فقط... وثقب قلبي لان مشكلة الشرق الاوسط ما زالت على بساط البحث، تمزق البساط ومازلنا على مشرحة هيئة الامم... تحولنا الى ثلاث نجوم نسكن الغرفة التي لا افق لها والشرق الاوسط ما زال يحاول انتزاع ساقه المقطوفة من الاسلاك الشائكة، التي حاول بالامس ان يجتازها بغباء.
لست اقل عطفا على طفلتي من نجمتي الثالثة ولكن العالم اقل عطفا من نجمتي الثالثة عليّ... مرة حاول العصر المعاش ان يستقيم فانكسر وتكسرتُ قلوبنا ومنذ تلك المرة والعصر ونحن نعيش بلا قلوب.
ويسألني صاحبي: لماذا تكتب؟
لانني أثق بالورق ولا أثق بالاخرين... لان الساحل الذي اثقلت الامواج حبات رمله بالماء المالح هجرني... لانني ارفض الالتصاق بك ما دمت تنتمي إلى كتاب لم تقرأه. ومخلص هو الورق لا يخون حبره... وعاهرة هي الحياة لا تعرف لعبة غير الخيانة.
ويسألني صاحبي: لماذا يرفس حصانك التراب الا يخاف غضبه.
التراب... التراب آه لو تدري لماذا تبقى اجفاني مغمضة، آه لو تدري اي طعم للتراب في فمي... اي رائحة له في ثيابي، حصاني لا يخاف غضب العطور التي ادفن فيها انفي إلى ان ينقطع الشميم، التراب حبيبي وحبيبي التراب.
طفلتي التي لا تعلم بان هناك قطعانا يسمونها «بشر» تعاني من الاختناق الحقيقي كما فهمه الاطباء، الاختناق الذي يبدأ بالانف وينتهي بالقصبة الهوائية.
أعرف أيتها الصغيرة الرائعة بأن اختناقك موجع... ولكن اختناقي اكثر وجعا لانه يبدأ من الدماغ وينتهي بالدماغ ليحيلني إلى بليد ارتضى أن يضحك الاخرون عليه، ويا وجعي من الاخرين يا وجعي.
ويسألني صاحبي: من أنت؟
انا انت وأن أرفضك فهذا يعني بأنك ترفض ذاتك... ولا فرق بين رفضي لك ورفضك لنفسك الا ان ذاتك صرخت
بالحقيقة التي تخاف ذكرها لان العصر زيفك واخفى حقيقة جوهرك.
وسيان عندي البرد والحر لان الحاجة تظل قائمة... ومادامت حبيبتي تبحث عن دثار يمنع عن اضلاعها برد الشتاء وهواء يمتص من جبينها عرق الصيف فأنا ارفض الفصلين لانني ابغض الليل الذي يقطع نوم حبيبتي... وابغضك لانك تخنق ذاتك وتمنعها عن الصراخ.
صفقوا لي فقد ذكرت الحقيقة.
لبغداد اسمها والاسم الاخر - انا - لحبيبتي الف اسم... وللطيور اسماء عديدة... للكتابة اكثر من اسم.
شيء واحد يعيش بيننا دون ان يختار له اسما... انه... ولكن ماذا اسميه ما دام ارتضى ان يعيش بلا اسم؟. لاسميه العصر.
ويسألني صاحبي عن رجل 2011.
لا ادري ربما الزيف... ربما، ربما، ربما... ولكن الخالد الذي لم يمت هو السبات... السبات اقوى الرجال، ولنقل الحقيقة بأننا أو كلنا مهامنا للسبات.
السبات... السبات.
صفقوا للسبات.
نجمتي الثانية تحب البرتقال، ولكنها لا تكره الاطفال، فعندما عطفت القنابل على اطفال العراق وشوهتهم كانت نجمتي الثانية تبكي... بكاء طفلة فقدت برتقالة تحبها.
وانا لو خيرت بين التشويه والموت دونما بعث لاخترت الموت لانني لا اريد ان اتحول إلى قمامة متحركة... ولكن النابلم ما خيرت الاطفال النابلم ساعة صفر لها موعد واحد... ونجمتي الثانية لها اكثر من موعد للبكاء.
بالامس بكت لانني ذكرت الحقيقة وقلت لها - احبك - ولا ألومها فالحقيقة مفرحة حد البكاء لانها مثل عيد رأس السنة لاتذكر الا مرة كل عام.
سنحتفل بالعام الجديد... وسيرقص الاخرون فرحين بضحايا الهند والباكستان مسرورين بالغزو الايراني مصفقين لضياع سيناء، وسيقفز إلى ذهني الحلم الذي يخجل من مجيئه ثانية.
سأحلم بالنصر... وسيحلم النصر بي من دون أن نلتقي
لان الشمس التي تغرب عني تشـــرق فيه... اذاً لا يمــــكن ان نلتقـــي ثانية.
تعودت ان اسمح للذباب يتذوق طعامي قبل ان اتذوقه.. او ربما عناد الذباب عودني هكذا... وعودتني المصائب ان احتج وأصرخ دون ان يسمعني احد. فالغرفة التي نسكنها نحن النجوم الثلاث... لا افق لها... والشواطئ التي اثقلت الامواج رملها بالماء المالح هجرتني وصاحبي انا وأنا صاحبي وسيان ان أرفضه أو يرفض ذاته.
ولو انقطعت عن العالم، لبقيت متعلقا بالذباب... لانه متعلق بطعامي، احس نفسي ذبابة عندما ادرك في لحظة وعيي بأنني مازلت ملصقا وجهي على حائط العالم الذي سيتحول إلى حائط مبكى جديد.
أحسكم ذبابا عندما ادرك بأنكم تعون خيانة العالم ولا ترفضوه... ربما لانكم تعيشون عصرا غير عصركم... وانا معكم ذبابة ضيعت عصرها فالتصقت على واجهة عصر اخر. وربما العصر ذبابة... لانه ضيع اناسه والتصق بنا...
ومازلت مستمرا على تذوق طعامي بعد الذباب لانني عجزت عن طرده... عجزت عن اقناعه بأنه يحتل مكانة غير مؤهل لها، ولكنه انتصر، الذباب انتصر وهزمنا... الذباب انتصر في حزيران، الذباب انتصر في الخليج، الذباب، الذباب، صفقوا للذباب.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي