فنانو سورية... قائمة «العار» تمتلئ وصفحة «الشرف» محدودة

أبطال «باب الحارة»... يسقطون في الجزء السادس «الواقعي»

تصغير
تكبير
| كتبت منى كريم |

تشاهد أعمالهم فيسحرونك بذكائهم في تمرير الرسائل النقدية تجاه السلطة بمختلف أشكالها وتعتقد بأن في بواطنهم أفكارا رائعة وراقية تنتظر أن تتفجر لو أنهم نالوا هامشاً أكبر من الحرية**. وعندما تتعرف على مواقفهم الحقيقية على أرض الواقع يصدمونك بتناقضهم الجذري بين التمثيل والواقع.

هؤلاء هم فنانو سورية الذين شغلوا العالم العربي في السنوات الأخيرة بأعمالهم الدرامية التي غزت بيوتنا واتفقنا على انتصارها الساحق أمام الدراما المصرية رغم ضخامة انتاج الأخيرة وكثرة نجومها.

والآن يجلس المشاهد العربي مندهشاً أمام «قوائم العار» التي رسمها شباب سورية لفنانيهم الذين اعتقدنا بأنهم الأعمق في طرحهم وأدائهم ولكنهم في الحقيقة لم يعرفوا سوى أن يقفوا مع النظام السوري في السراء والضراء حتى وان وصل الأمر الى تعذيب وقتل الأطفال متمسّكين بحجج وذرائع تنوّعت بين «الطائفية» و«الارهاب» و«السلفية» و«الاندساس» و«التخريب» و«العناصر المسلحة» اضافة الى «المؤامرة التي تُحاك ضد النظام المقاوم والممانع للعدو الاسرائيلي»!!

في ساعات الثورة، لا يتوقع الانسان البسيط من فنانيه أن يقودوا الشوارع ويلقوا الخطابات كما لا يتوقع منهم أيضاً حتى أن يقفوا في صف المعارضة واضعين في عين الاعتبار الخطورة التي قد يتعرض لها هذا الفنان أو ذلك في حالة اتخاذ موقف ما، الا أن ما لا يفهمه الجمهور هو أن يصمت الفنان على جرائم تحصل بعد قيام المظاهرات المطالبة بالتغيير، فمهما كانت الحجة، لا شيء يبرر استباحة الأنظمة الديكتاتوية لحياة المواطنين وجريان أنهار الدماء.

الأدهى من ذلك، أن يطالب الفنان - بحسه المرهف ووعيه العالي الذي كنا نعرفه عنه قبل تلك الأحداث - السلطة بالتصفية الجماعية ويشتم شعبه ويقدم بلاده صكاً للسلطة محولاً اياها الى اقطاعية بسيد واحد وملايين من العبيد.

وقبل أشهر، شاهدنا كيف سقط هرم كبير في الكوميديا العربية ألا وهو عادل امام الذي استبسل في تصريحاته المناصرة للرئيس المخلوع حسني مبارك، ولذلك حتى هذه اللحظة لم نر لعادل امام أي حضور أو تواجد اعلامي أو شعبي، ربما لأنه يخجل أو يخاف من مواجهة شعبه الذي كان يعتقد أنه يعبّر عن همومهم ليظهر في النهاية مجرد دمية في يد السلطة لتخدير وامتصاص غضب الجماهير تجاه واقعهم المر.

هكذا تماماً، وجدنا نموذجاً سورياً مشابهاً في دريد لحام الذي لم يكتف بدعم السلطة مثلما فعل امام، بل وذهب بعيداً جداً في دعمه وقال ما لا يقال تجاه شعبه الذي كان يرى فيه «أيقونة» الفن السوري بعد أعماله النقدية العديدة وأشهرها «كاسك يا وطن» من تأليف الراحل محمد الماغوط والتي قال فيها جملته الشهيرة «مو ناقصنا شي... غير شوية كرامة»!!

لم يكتف «غوّار الطوشة» بمساندة السلطة بل قال ان «الجيش ليس من مهامه محاربة اسرائيل بل حفظ السلم الأهلي وهو ما يقوم به الآن!»، معتبراً أن كل القنوات الناقلة للأحداث في سورية قنوات كاذبة، واصفاً المفكر الفلسطيني عزمي بشارة بأنه «شيطان كاذب» على الرغم من أن بشارة صمت طويلاً عن الوضع السوري وطلب «التريث والصبر» حتى سقط في زواية الاحراج وبدأ ينتقد ممارسات النظام في حق شعبه.

يبدو أن دريد لحام نسي أو تناسى ليس فقط رسالة الفنان الحقيقي وتاريخ أعماله ومن عمل معهم، بل حتى كونه سفيراً للنوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة التي وصف تصريحاتها عن الوضع السوري بـ «الأكاذيب».

أما أبطال «باب الحارة» الذين كان ينتظرهم الجمهور العربي من عام الى عام ليستمتع بشجاعتهم وشخصيتهم ورجولتهم غير المحدودة، فقد جعلت أحداث الثورة السورية لهم جزءاً سادساً كما أسمته قناة الجزيرة في تقرير لها، فقد تم التقاط مشاهد استعراضية شجاعة لهم ضمن شخصياتهم في هذا العمل ومن ثم تصريحاتهم عن الوضع الحالي واصفين المتظاهرين بأنهم طائفيون ومشعلو الفتنة ومن بين ذلك زهير رمضان ومصطفى الخاني وعباس النوري مع اضافة باسم ياخور وغيره الكثير... لتكون منى واصف الوحيدة في هذا العمل ممن وقفوا في جانب الشعب السوري مع قلة آخرين وقّعوا «بيان الحليب» الذي طالب بادخال الحليب الى درعا المحاصرة بالدبابات السورية من أجل أطفالها، لينطلق زملاؤها من مناصري النظام في الهجوم عليها وعلى كل من أخذ ذات موقفها مثل مي سكاف وأصالة وسميح شقير مطالبين بسحب الجنسية السورية منهم.

ولم تخل «قوائم العار» من أسماء غير سورية فنجد بينهم المغنية نجوى كرم والاعلامي غسان بن جدو المستقيل من قناة الجزيرة اضافة الى سوريين من أصل فلسطيني مثل شكران مرتجى.

ولم يخرج باسم ياخور - الذي توقع الجميع منه موقفاً داعماً لأبناء بلده - عن موقف دريد بل مضى في مهاجمة المتظاهرين ونفى ما أشيع عن دعمه لهم من خلال صفحة باسمه على «الفيسبوك». أما الفنان عابد فهد الذي أخذ صورة المثقف العميق المكترث بهموم الشارع العربي وحرية الصحافة والفن من خلال أعماله المختلفة فلم يختلف كثيراً عن باسم ودريد سوى في أن أسلوبه في الكلام لم يكن بالأسلوب الرديء في الشتم الذي استخدمه غيره، ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد قامت زوجته مذيعة القناة العربية زينة اليازجي بتقديم استقالتها.

وفي المجموعة نفسها، نشعر بصفعة أخرى كبيرة حينما نكتشف بأن «مثقفاً وفناناً» آخر هو نجدت أنزور تشاجر مع مي سكاف حول موقفها الداعم لأبناء بلدها، فيما نست أمل عرفة أو تناست أغانيها الوطنية والقومية الصدّاحة عن الكرامة والحرية كحال الممثل فراس ابراهيم الذي هاجم الفنانة أصالة على موقفها قائلاً بأنها «بعيدة عن الأجواء».

من الواضح بأن «الربيع العربي» - كما أسمته وسائل الاعلام الأجنبية - هو ربيع الشارع والشعوب، وبأن النخبة بفنانيها ومثقفيها باقون في خريف السلطة محاولين حماية أموالهم وشهرتهم التي لا يريدون لها أن تتضارب مع أصحاب القبضة الحديد، لذا ليس أمام رجل الشارع سوى أن يؤمن بنفسه وينسى النخبة «المزعومة» التي ترسم لنفسها خط النهاية لتاريخها الانساني والاخلاقي قبل الفني.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي