وباء العصر «3» / السمنة في الصغر... أمراض في الكبر

تصغير
تكبير
بقلم د. أحمد سامح

تقول الاحصاءات ان السمنة في الأطفال من عمر 6 سنوات إلى 15 سنة تصل إلى 25 في المئة ومن السن ما بين 15 إلى 18 سنة تصل إلى 40 في المئة منهم 10 في المئة مصابون بالسمنة المفرطة ما يتسبب بالاصابة بالنوع الثاني من السكري في الكبر.

وتصل النسبة في الكبار خصوصا النساء إلى 70 في المئة وبذلك تصبح السمنة أشهر أمراض العصر وتكون الكويت من أعلى المعدلات بالاصابة بالسمنة وتقول الاحصاءات الطبية ان السمنة المفرطة تؤدي إلى ارتفاع نسبة الوفيات لأكثر من 12 ضعفاً ما بين سن 25 إلى 35 عاماً مقارنة مع الأفراد أصحاب الوزن الطبيعي.

وتبدأ الاصابة بالسمنة عندما يكون الإنسان جنينا في رحم أمه فإذا كانت الأم بدينة وتكثر من تناول الطعام الذي يزيد عن الحد المطلوب من فقدان الطاقة واحتراق الطعام.

وتقول الأبحاث الطبية: «احتمال أن تنجب الأمهات اللاتي يعانين من سوء التغذية في فترة الحمل أطفالاً يصابون بالسمنة في الكبر مرتفعة».

وقد حذر تقرير نشر في مجلة «نيو انجلند أوف ميديسن» أعده فريق علمي في جامعة ايلينوي الأميركية ان مخاطر سمنة الأطفال المتزايدة لم تظهر بعد فهي ستؤدي إلى تقلص متوسط عمر الإنسان بنسبة ما بين 5 إلى 20 سنة لانها تزيد من خطر الموت في سن مبكرة بسبب أمراض القلب والسكري والسرطان والفشل الكلوي.


أسباب سمنة الأطفال المرضية

الأسباب المرضية المتعلقة بالغدد الصماء كقصور الغدة الدرقية وتكون السمنة في هذه الحالة يصاحبها تأخر في ظهور الأسنان «التسنين» وخشونة الجلد والشعر والاصابة بالامساك ويرجع البعض زيادة الوزن إلى تراكم مواد مخاطية سكرية واختزان الماء تحت الجلد وفي الأنسجة المختلفة من الجسم.

وتحدث السمنة المرضية أيضاً نتيجة نشاط زائد لمركز معين في المخ يوجد في «الهيوثلامس» مسؤول عن تنظيم الشعور بالجوع والشبع وهو ما يجعل الطفل يشعر بالجوع المستمر والرغبة في الأكل بشراهة. ومن الأسباب الأخرى المسببة للسمنة المرضية في الأطفال هو الافراز الزائد لهرمون الكورتيزون من الغدة الجار كلوية (الغدة الكظرية) الموجودة في أعلى الكلى ويأتي الشك في أن الطفل مصاب بهذه الحالة عند تركز السمنة في الجزء العلوي من الجسم ونحول الذراعين والساقين مقارنة بسمنة جذع الجسم وكذلك ظهور خطوط حمراء على البطن والاستخدام الخاطئ للكورتيزون عند علاج بعض الأمراض يؤدي إلى مثل هذه الحالة التي تسمى مرض «كشنج». وقد يحدث ورم صغير في الخلايا التي تفرز الهرمون المنشط للغدة الكظرية (الغدة الجاركلوية) ما يؤدي إلى زيادة افراز هرمون الكورتيزون من الغدة الجاركلوية (الغدة الكظرية) وظهور ما يعرف بمرض «كشنج» كما ذكرنا انه يتميز بتراكم الدهون في منطقة الوجه والجذع.


الوراثة المتعددة الأسباب

تتأثر كثير من الصفات الوراثية سواء الصفات الوراثية الطبيعية أو المرضية بالعوامل البيئية ومنها السمنة وقد تحدثنا في الدراسات السابقة عن دور الجينات الوراثية في الاصابة بالسمنة بالتفصيل.

والاصابة بالسمنة تعود إلى ما يعرف بالوراثة المتعددة الأسباب حيث تتفاعل عوامل وراثية وبيئية مع بعضها البعض.

والأمراض المتعددة الأسباب يصاب بها الشخص إذا كان عنده استعداد وراثي وتعرض للعوامل البيئية المناسبة والتي تسبب المرض فلا يصاب الطفل بالسمنة إلا إذا كان لديه استعداد وراثي في الأصل وتعرض للمسببات البيئية للسمنة كزيادة تناول الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية وحياة الكسل والخمول وعدم ممارسة الرياضة. وتجنب العوامل البيئية أو بعضها يمكن ألا يظهر المرض أو يظهره بصورة بسيطة.


العوامل البيئية

تضطلع بيئة الطفل بدور مهم في نموه من أول فترة حمل الأم به وتلك الفترة التي ينمو فيها الطفل ما بعد الولادة وغذاء الطفل في عامه الأول وما بعده، ونشاط الطفل الجسماني أو خموله والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لدى أسرة الطفل.

وتلعب بيئة الطفل خلال فترة الحمل دوراً مهماً في حدوث البدانة لاحقاً بعد الولادة وقد أظهرت نتائج الأبحاث العلمية أن تعرض الجنين لارتفاع مستوى السكر في دم أمه يعتبر عاملاً مهماً لظهور السمنة ومرض البول السكري لدى الطفل في فترة البلوغ.

ويشكل غذاء الطفل في عامه الأول عاملاً من أكثر العوامل البيئية في التحكم بعدد الخلايا الدهنية وتحديد حاجة الجسم للسعرات الحرارية.

وللرضاعة الطبيعية أثر ايجابي في الوقاية من السمنة بينما الأطفال الذين يتغدون على الحليب الصناعي يكونون معرضين لزيادة الوزن عن المعدل الطبيعي والاصابة بالسمنة ويكون المعدل 1.6 مرة أكثر من الذين يتغذون عن طريق الرضاعة الطبيعية.

وتلعب عادات الطفل الغذائية وكذلك نوعية الطعام التي يتناولها دوراً في حدوث السمنة مثل تناول الطعام بكميات أكثر من اللازم من الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية بدلاً من تناول الأطعمة الصحية أو تناول الطفل الطعام دون أن يجوع وتناول أطعمة الوجبات السريعة التي تحتوي على نسبة عالية من الدسم والسعرات الحرارية وتناول الحلويات بدلاً من الفاكهة الطازجة والاكثار من شرب المثلجات والعصائر ذات نسبة عالية من السكريات. ودراسات كثيرة وأبحاث عديدة من أسلوب حياة الأطفال نتيجة التغير الكبير الذي حدث لحياتنا بسبب اختراعات التلفزيون والكمبيوتر والإنترنت والفضائيات والألعاب الالكترونية أدى إلى تحول حياة الأطفال والمراهقين والشباب إلى حياة تتسم بالجلوس أغلب الوقت. لقد تزايد تفضيلهم للجلوس أمام هذه الاختراعات الحديثة على اللعب والحركة والنشاط الذي يؤدي إلى عدم حرق السعرات الحرارية الزائدة عن الأطعمة التي تحوي السعرات الحرارية العالية والدسم.

فعند استعداد الطفل الوراثي للسمنة وتوافر مثل هذه العوامل البيئية لا بد من إصابة الأطفال والمراهقين والشباب بالسمنة وزيادة الوزن.

مضاعفات سمنة الأطفال

تقول الدراسات العلمية والاحصاءات الطبية إن لم يتدارك الأمر بالتخلص من السمنة في الطفولة والمحافظة على الوزن المثالي للطفل فإن 80 في المئة أو أكثر من الأطفال البدناء وأصحاب الوزن الزائد سيصابون بالبدانة عند الكبر.

وسواء حدثت السمنة لأسباب مرضية أو أسباب الوراثة متعددة الأسباب فإن السمنة في الأطفال أمر لا يجب التهاون فيه.

وتؤكد الأبحاث الطبية ان الأطفال الذين يعانون من السمنة يكونون أكثر عرضة لمشاكل صحية معينة مثل الاصابة بمرض البول السكري (الذي يصيب الكبر بعد سن 30 عاماً) وارتفاع الكوليسترول وارتفاع ضغط الدم والربو الشعبي.

كذلك فإن اضطراب النوم نتيجة عدم القدرة على التنفس بشكل طبيعي هي احدى المشاكل الأخرى التي يعاني منها هؤلاء الأطفال.

ونؤكد على حقيقة مهمة يجب التنبه لها وهي ان الطفل الذي يعاني من سمنة مفرطة عادة يعاني ايضا من سمنة مفرطة عندما يكبر وذلك لأن كمية الخلايا الدهنية التي تتكون في الطفولة لا تقل مع السن من حيث العدد وعندئذ يكون هناك احتمال أكبر لتعرضه للمشاكل التي تصيب الكبار الذين يعانون من السمنة مثل:

• عدم القدرة الجسمانية في التعامل مع السكر أي زيادة المقاومة لعمل الأنسولين والاصابة بمرض السكري من النوع الثاني.

• زيادة نسبة الدهون في الدم.

• ارتفاع ضغط الدم.

• أمراض القلب والشرايين.

• حصوات المرارة.

• تشحم الكبد.

• خشونة المفاصل.

• نقص في تهوية الرئتين وانقطاع التنفس.

• ظهور أكياس على المبيض عند النساء.

• العقم في النساء.

• ضعف الخصوبة في الرجال.

• خطورة الاصابة بسرطان القولون والثدي.


المشاكل النفسية لسمنة الأطفال

يوضح أطباء الأطفال والاخصائيون النفسيون أن الضغوط النفسية التي تواجه الطفل الذي يعاني من السمنة المفرطة مشكلة مهمة وهي كثيراً ما تتضمن سخرية زملائه منه.

كما ان هؤلاء الأطفال يكونون دائماً في حالة اختبار سواء في المدرسة أو في النوادي وبين أبناء الحي أو الفريق حيث يطلب منهم ممارسة أنشطة رياضية وألعاب ليست لديهم اللياقة البدنية لممارستها، كذلك هناك العديد من المواقف الأخرى التي يتعرض لها هؤلاء الأطفال وتشعرهم أن بهم عيبا ما فعلى سبيل المثال عندما يذهبون لشراء ملابس ولا يجدون مقاساتهم يصابون بالاحباط.

وقد تؤثر الحالة النفسية في قدرتهم على الاستيعاب والتركيز وقد تجعلهم أكثر استثارة.

ومن المشاكل النفسية لاصابة الأطفال بالسمنة المفرطة الشعور بالخجل الذي يحجب عن الطفل قدراته ويجعله يتهيب من الناس وينطوي على نفسه كذلك يشعر الطفل بالاحراج عند تبديل ملابسه أمام الزملاء.


الفحوصات الطبية لسمنة الأطفال

يقوم أطباء الأطفال وأطباء الغدد الصماء واخصائيو التغذية بتقييم حالة الأطفال السمان وزائدي الوزن بإجراء الفحوص الطبية الاكلينيكية والمعملية التالية:

• التاريخ المرضي للطفل: الذي يتضمن التاريخ المرضي الحاضر والتاريخ المرضي الماضي والتاريخ المرضي للعائلة حتى يكتشف الطبيب العوامل الوراثية متعددة الأسباب التي أدت إلى زيادة وزن الطفل أو اصابته بالسمنة المفرطة.

• الفحص الاكلينيكي: يشمل قياس الطول والوزن ومؤشر كتلة الجسم (BMI) وضغط الدم والكشف عن وجود علامات جلدية مثل خطوط حمراء أو بنفسجية خاصة في البطن والأذرع والفخذين ناتجة عن السمنة «تدل على مرض تشنج» وطبيعة توزيع السمنة في الجسم لأن الفحص الاكلينيكي مهم في البحث عن الأسباب المرضية للسمنة.

• الاختبارات المعملية: تتضمن فحص الكوليسترول والدهون في الدم واختبار وظائف الكبد وحمض البوليك ووظائف الغدد الصماء في بعض الحالات.


وسائل مكافحة سمنة الأطفال

• اهتمام الأم الحامل بنوعية الغذاء وتجنب الأطعمة الدسمة والسكريات خصوصا اذا كانت تعاني من مقاومة الأنسولين نتيجة زيادة الوزن والخمول والانتظام في مراقبة السكر في الدم وقياس الوزن واتباع نصائح طبيب رعاية الأمومة.

• في الأطفال حديثي الولادة وفي السنتين الأوليين من عمر الطفل يجب الاعتماد على الرضاعة الطبيعية في تغذية الطفل فقد ثبت أن الحليب الصناعي يجعل الأطفال عرضة للاصابة بالسمنة بالاضافة إلى فوائد الرضاعة الطبيعية الأخرى.

ويمكن للأم اطفاء عطش طفلها باعطائه الماء وليس مزيدا من الحليب ومن الأصح تعويد الطفل على استساغة الطعام دون اضافة السكر والملح.

ولا يحبذ إضافة الأطعمة للطفل الرضيع قبل مضي أربعة عشر شهرا من عمره وهو ما يعرف بالفطام.

ووجبات الأطفال المجهزة في المنزل عادة تحتوي على سعرات حرارية أقل من الوجبات الجاهزة والمعلبة (في حال عدم إضافة السكر والدهون).

• الأطفال في سن المدرسة: تشجيع الأطفال على ممارسة الأنشطة الرياضية وجعل ممارسة الرياضة والحركة سلوكا وعادة في حياة الأطفال ترفع معنوياتهم وتحرق السعرات الحرارية الزائدة.

• ممارسة الرياضة والحركة تكون في المدرسة وخارجها لتجنب ومقاومة التغير الذي حدث في حياتنا باختراع الكمبيوتر والانترنت والقنوات الفضائية والألعاب الالكترونية والذي أدى إلى أسلوب حياة يتسم بالجلوس أغلب الوقت. حتى الجلوس لا تتخلله الحركة بفعل الريموت كنترول فيجلس الطفل ويشغل التلفاز ويغير في المحطات والقنوات الفضائية وهو جالس، وكذلك الألعاب الالكترونية والانترنت تجعله يجلس فترات طويلة دون حركة والأخطر من ذلك تناول الطعام وهو منهمك أمام شاشات التلفاز والكمبيوتر فيتناول كمية من الطعام تفوق حاجاته بكثير لانشغال المخ فيما يشاهده الطفل ويتابعه.

• عدم اعطاء الآباء اطفالهم الحلوى والمشروبات الغازية بشكل مستمر وعدم استخدامها كوسائل لمكافأة الأبناء.

• التقليل من استهلاك الأطفال للوجبات السريعة بقدر الامكان وذلك لاحتوائها على كميات كبيرة من الدهون والسعرات الحرارية وتعويدهم على تناول الخضراوات والفاكهة الطازجة.

• الابتعاد عن طهي الطعام بالزبدة والسمن لاحتوائهما على نسبة عالية من الدهون والكوليسترول والاعتماد على الزيوت النباتية وان يشمل طعام الطفل الكربوهيدرات ويكون الطعام الرئيسي مع البروتينات والخضراوات والسلطات وتناول الفاكهة بعد الوجبات بدلاً من الحلويات.




العلاقة بين الربو وأمراض القلب وسمنة الأطفال

يصبح الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالربو الشعبي «التنك» كلما زاد وزنهم كما يرى الباحثون في كلية كينجز بجامعة لندن.

ويقول هؤلاء العلماء ان العلاقة بين الربو الشعبي والبدانة قد تصبح علاقة مترابطة خصوصاً ان الآباء لا يرغبون في أن يزاول أبناؤهم المصابون بالربو تمارين رياضية.

ويضيفون ان معظم الآباء يعتقدون ان الأطفال الذين يعانون من الربو يجب ألا يمارسوا الرياضة.

وبذلك فقد تشجع الاصابة بمرض الربو على نمط حياة يؤدي إلى كسل الأطفال ويزيد السمنة بينهم.

ويؤكد الباحثون ان الأطفال الذين يؤدون تمارين رياضية أقل يعانون أكثر من ضيق المسالك التنفسية.

وقد شملت الدراسة التي أجراها هؤلاء الباحثون خمسة عشر ألف طفل تتراوح أعمارهم بين الرابعة والحادية عشرة واستخلصت ان سبعة عشر شخصا من مجموع مئة طفل يعانون من الربو.

ووجدت الدراسة التي نشرت في مجلة لورانس الخاصة بالجهاز التنفسي ان أكثر الأطفال وزناً هم الأكثر عرضة للخطر.

وتقول الدراسة انه في مراكز المدن تصاب الفتيات البدينات بالربو بمعدلات أكبر من نظرائهن من الذكور ربما لأسباب تتعلق بالهرمونات. لكن الدكتور مارتن باتريدج الاستشاري في حملة مكافحة الربو في بريطانيا يقول إن هذا المرض لا يصيب فقط الأطفال البدينين إذ ان بعضهم يصاب بالسمنة نتيجة قلة التمارين الرياضية.

ويضيف باتريدج ان هذه الدراسة ودراسات عدة أخرى ترى ان هناك الكثير من الأطفال البدينين والمصابين في الوقت ذاته بالربو لكن لا يعرف أيهما سبب الآخر.

ويوضح انه اذا كانت السمنة هي سبب الربو فإن من شأن تحسين غذاء الطفل ان يساعد في مكافحة الربو.

وقالت دراسة أعدتها جمعية القلب العالمية ومقرها جنيف ان الأطفال الذين يعانون من السمنة وزيادة الوزن معرضون للاصابة بأزمات قلبية أو سكتة دماغية من 3-5 مرات قبل بلوغ سن 65.

وأشارت جانيت فوت المدير التنفيذي للجمعية إلى وجود علاقة وثيقة بين سوء التغذية وعدم ممارسة الرياضة من ناحية والاصابة المبكرة بأمراض القلب في سن مبكرة من ناحية أخرى كما حذرت الدراسة من مخاطر تدخين الكبار بجوار الأطفال.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي