الإبداع عالم تجاوز الملعب والدليل المناظرة الشعرية بين الشهيد فهد الأحمد واللاعب السابق راشد بديح

من قال إن لاعب كرة القدم ... عقله في قدمه؟

تصغير
تكبير
| كتب مصطفى جمعة |

«موهوبون في اللعب، لكن رؤوسهم فارغة في الجد»... هذا ما يعتقده البعض عن لاعبي كرة القدم، لكن هذا حكم غير دقيق بل وفيه اجحاف شديد، حيث يوجد العديد من الامثلة التي تدحض ذلك، سواء على المستوى المحلي هنا في الكويت او على المستوى الخارجي... فمازالت المناظرة الشعرية بين الاب الروحي لكرة القدم الكويتية الشهيد فهد الاحمد ولاعب «الازرق» ونادي القادسية راشد بديح عالقة في اذهان وعقول رجال الشعر ونجوم الساحرة المستدير رغم استشهاده، حيث قال الشهيد في قصيدة من نظمه: «بسك زعل»... يامن له القلب مشتاق ياللي بغيابك زاد اشتياقي.

فرد عليه بديح من نفس الوزن والقافيه « هلا بمن سأل وانفضحت عيونه بالاشواق... هلا بمن جاني بعد طول اشتياقي... لا يحسب ان البعد عنكم لي راق... واترك كلام اللي سعى بالفراق».

علاقة تكاملية

العلاقة التي تربط بشكل اساسي بين لاعب كرة القدم وكل الوان الابداع هي علاقة تكاملية لان اي لاعب يفتقد القدرة على التخيل فهو ليس مبدعاً او موهوباً والخيال هو العنصر الابداعي عند الادباء والشعراء والعلماء والمكتشفين والمخترعين.

ولما كان التفكير مطلباً أساسياً في تقدّم المبدع وتطوّره منذ بدء الخليقة حتى نهايتها، كان لا بدّ من مواكبته لكل عصر من العصور، وهذا الذي ادى الى تطور كرة القدم سواء في اساليب اللعب او الخطط الكروية او القوانين او حتى ادوات اللعبة من ملابس واحذية.

مبدعون على مدار التاريخ

وهناك العديد من المبدعين على مدار التاريخ. منهم مبدعون في مجال محدّد، ومنهم مبدعون في مجالات متعدّدة. ومنهم من قدّم انجازات مبدعة في سنّ مبكرة أو في سنّ متقدّمة. ومنهم من أبدعوا في كرة القدم و الفن أو الموسيقى أو في العلوم والتكنولوجيا.

ولولا المبدعون لما أصبح لدينا هذا الكم الهائل من الاختراعات والاكتشافات، والانجازات العلمية والأدبية والفنيّة والرياضية التي نقشت أسماء مبدعيها في الذاكرة الانسانية على مدى العصور.

ويقول الباحثون: ان 75 في المئة من الجهد المبذول في ملاعب كرة القدم، يقوم به العقل، أو ما يحصل داخله (أي عملية التفكير). أما الباقي، 25 في المئة، فتقوم به احدى الحواس.

وقد اكدت الابحاث أهمية العقل البشري، ولذلك ليس بغريب ان يقاس تقدّم الأمة وفقاً للنسبة بين عدد المبدعين فيها، بل تضخّم عدد الأذكياء المبدعين، يجعل البشرية تتقدّم أسرع.

ويعرّف التفكير الابداعي بأنه الاستعداد والقدرة على انتاج شيء جديد، وهي عمليّة يتحقق النتاج من خلالها. أو أنه حلّ جديد لمشكلة ما، أو أنه تحقيق انتاج جديد وذي قيمة ، فالمبدع لديه القدرة على التركيز على هدف معيّن، وعلى تخطي أي معوقات ومُشتتات تُبعده عنه. وهو قادرٌ أيضاً على أن يعدّل ويبدّل في أفكاره لكي يُحقق أهدافه الابداعية بأفضل صورة ممكنة، وهذه السمات تكاد تكون عامة لدى معظم المبدعين في أيّ مجال من المجالات المختلفة، سواء في المجال الكروي او الفني أو العلمي أو الاجتماعي أو السياسي أو غير ذلك.

علاقة وثيقة

ولعل التقرير الذي جاء في موقع «الفيفا» يوكد العلاقة الوثيقة بين لاعبي كرة القدم و عالم الابداع وبصفة خاصة «الادبي» حيث قال من الممكن دوماً اتقان مهنة ما بعد الاعتزال أو حتى خلال مسيرة اللاعب الكروية، وما محاولات البعض لصناعة اسم له في مجال الكتابة الا خير دليل على ذلك. سواء في أوروبا أو أميركا الجنوبية أو آسيا، فالتنوّع ليس محدوداً.

ربما من بلاد أعظم المفكّرين، يوهان فولفغانغ فون جوتي وفريدريخ فون شيلر وبرتولت بريخت أو هاينريخ هايني. في ألمانيا، يبدو أن الدوليين القدامى يضعفون أمام القلم، حتى لو كانوا بعيدين من التميّز بأعمال هائلة على غرار «أحزان الشاب فرثر» أو «ماريا ستيوارت». بعناوين مثل «أنا. النجاح يأتي من الداخل» أو «سوبر ماريو»، يسعى اللاعبون في جذب أنظار عشاق الأدب.

أوليفر كان والرقم واحد

ويبدو أوليفر كانّ ناشطاً في هذا المضمار. فبعد كتاب «الرقم واحد»، و«أنا. النجاح يأتي من الداخل»، أصدر الحارس الدولي السابق كتابه الثالث في الأسواق: «ستصل! كيفية الحصول على ما تريد» والذي يوفّر نصائح لعدم فقدان الثقة في النفس ولتحقيق الأهداف. ومن أفضل من أوليفر كان الحارس القديم الذي اختير أفضل حارس في العالم (في 1999 و2001 و2002) للحديث عن ذلك؟

الرجل الصادق

ويبدو أن لذة الابداع في الكتابة مطبوعة في جينات حراس المرمى الألمان. حيث كتب ينز ليمان في كتاب «الجنون يسيطر على الملعب»، وأبرز أولي شتاين موهبته في كتاب استراحة الشوطين والنتيجة بدون تنازل».

وبالنسبة لأولئك الذين حلموا دائماً بمعرفة المزيد حول المغامرات، المزح وفترة الاحتراف وأصدقاء وأعداء ماريو بازلر، ها هي موجودة في «سوبر ماريو».

فخلال عشر سنوات، شغل ماريو بازلر الدوري الألماني مع أندية فيردر بريمن، بايرن ميونيخ وكايزرسلاوترن، أحياناً بحركاته العبقرية، وأحياناً أخرى بتهوّره، لتتصدّر فضائحه عناوين الصحف. وكان دائماً بحالة غليان ولكن بصدق وصراحة، لم يدع المجال لأحد بتجاهله ويصعب تصنيفه في فئة معيّنة. باختصار، هو «رجل صادق»، وهذا ملخص لعمل بطل أوروبا عام 1996.

العالم القاتل

شهدت الدولة الأم لكرة القدم بعض النجوم القدامى يستهلّون مسيرة جديدة من خلال التفرّغ للكتابة. حيث كتب ستيف بروس، القائد السابق لمانشستر يونايتد ومدرب سندرلاند الحالي، ثلاث روايات بعناوين تتحدث عن نفسها: «مهاجم!» و«قائد!» و«مدافع!».

ويروي كتاب «مهاجم!» قصة ستيف بارنز، وهو لاعب قديم ارتبط اسمه بقضية قتل حيث كان المشتبه الأول. وهو شخصٌ آخر يؤكّد ان كرة القدم يمكن أن تكون عالماً قاتلاً...وعن عمله الثاني، «قائد!»، قال ريجي شارب من دار نشر «باراجون برس»: «قد لا يكون ستيف مثل تي أس أليوت أو صامويل بيكيت، لكن كتابه يقرأ جيداً».

ضد التفرقة

وقام نجم ليفربول الأوّل ستيفن جيرارد بمحاولة أدبية بدوره حيث يبرز كتابا «سيرتي الذاتية» و«أسرار دليل القائد ما وراء الشارة» في سجّله ضمن قائمة منشوراته. وهدفت سيرة ديفيد بيكهام الذاتية «حياتي»، الى تعريف حقيقة الرجل «الرمز» بينما اقترح السير بوبي تشارلتون من خلال «سنواتي في مانشستر يونايتد: السيرة الذاتية» و«سنواتي مع انكلترا: السيرة الذاتية» و«حياتي في كرة القدم» اكتشاف عالم كرة القدم من الداخل.

فنّ الطبخ

وبينما يتقن الفرنسيون فنّ الطبخ وفنوناً أخرى، فان الأقل توقعاً، أن يكون في صفوف لاعبي الكرة الفرنسيين من يتقن الفنون الأدبية. فخلال مسيرته كلاعب، شنّ ليليان تورام حرباً ضروساً ضدّ العنصرية حيث أنشأ أفضل لاعب فرنسي لعام 1997 «مؤسسة ليليان تورام التربية لمكافحة العنصرية» عام 2008. وليس مستغرباً ان يكون كتابه «نجومي السوداء» مخصصاً لشخصيات سوداء اللون، وتحديداً لنحو 40 شخصية عامة سوداء البشرة كان لها تأثير كبير على تقدّم المجتمع، من لوسي الهيكل العظمي وصولاً الى الرئيس الأميركي باراك أوباما.

جيولي بلسان جيولي

ويُعتبر لودوفيك جيولي من أقصر لاعبي كرة القدم الفرنسيين، لكنه يملك مسيرة ناجحة وراءه. فخلال سنة واحدة، أحرز «الصغير القوي» مع برشلونة لقب الدوري الأسباني ودوري أبطال أوروبا وقدّم اللاعب في كتابه «جيولي بلسان جيولي» شهادته حول مهنة كرة القدم وعن الصراع المستمر الذي اضطر للدخول فيه لتحقيق حلمه رغم عقبة صغر حجمه.

ولا يقتصر موهوبو الكرة المعبّرين عن ابداعهم خارج الملاعب، فقط على القارة الأوروبية. بل لهم أتباع في مكان آخر، والأرجنتيني خوان بابلو سورين خير دليل على ذلك. فعندما استُدعي الى المنتخب الوطني للمرة الأولى، قرّر اللاعب القدوم بالحافلة الى صفوف «ألبي سيليستي». لماذا؟ كي يحصل على فرصة الانتهاء من قراءة كتابه بهدوء.

قضية محقة

في عام 2005 أصدر سورين كتاباً بعنوان «الشبان الكبار». وكتب هذا العمل للمساعدة في تمويل مدرسة ومستشفى في بامبا دي لوس جواناكوس، وهي بلدة صغيرة يقطنها 4500 نسمة وتقع في مقاطعة سانتياجو دل ايستيرو. ونجح من خلال هذا المشروع في لفت انتباه أحد أكثر المؤلفين شهرة من أصول أسبانية. وخارج كرة القدم، فان فرحة الكتابة ليست الشغف الوحيد لسورين حيث أدار الدولي السابق البالغ حالياً 34 سنة، حلقة مسائية في الاذاعة كان يتكلّم خلالها عن الأدب والموسيقى.

وعندما نتحدّث عن الأرجنتينيين، لا يُمكن اغفال الحديث عن دييغو مارادونا حيث عرفت سيرته الذاتية «أنا ال دييغو» الصادرة عام 2000 نجاحاً باهراً.

وفي الصين، يعتبر كتاب سون ون، التي اختارها الـ«الفيفا» لاعبة القرن، من بين الأعمال الأكثر قراءة لأحد مشاهير عالم كرة القدم. وفي الواقع، عندما اعتزلت اللعبة في المرة الأولى عام 2003، عملت كمندوبة لصحيفة محلية في شانغهاي مدينتها الأصلية، قبل أن تعود الى الملاعب بعد سنوات قليلة.





الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي