أولاً وقبل كل شيء، تحية إجلال واحترام وإكبار وتقدير لأولئك الأبطال من الرجال والنساء في ميدان التحرير الذين فرضوا إرادة الشعب المصري. ثمانية عشر يوماً عشناها معهم لحظة بلحظة، ونحن على بعد مئات الكيلومترات، بقلوبنا وعقولنا وجميع حواسنا الحاضرة. ثمانية عشر يوماً ونحن نشاهد ولادة شرق أوسط جديد السيادة فيه للأمة على أرض الواقع لا على صفحات الدساتير الوهمية فقط.
الأسئلة التي لا تكاد تخلو منها جلسة ديوانية هذه الأيام تدور حول مدى تأثير الأحداث التي جرت في تونس ومصر على الخليج بشكل عام وعلى الكويت بشكل خاص؟ وهل سنتأثر كشعوب وأنظمة بها سلباً أم إيجاباً؟ وما مدى هذا التأثير؟ وإلى أي درجة؟ وهل سيكون تأثراً كبيراً يقلبنا من حالٍ إلى حال؟ أم صغيراً لا نكاد نلاحظه؟ سريعاً يصلنا في وقتٍ قياسي؟ أم بطيئاً لا نشعر به إلا بعد سنوات أو عقود؟ والإجابات لا يمكن لها أن تكون حاسمة ولا مُرضية لشغف وفضول وترقب وتخوف طارحي تلك الأسئلة المتتالية، ولكنها بالتأكيد لن تخرج عن أن تأثير ما حدث ويحدث هناك سيصلنا بالتأكيد وسنتأثر به مثلما تأثرنا بكل ما يحدث في مصر العروبة منذ أن دخلها جيش عمرو بن العاص وحتى غادرها الرئيس السابق محمد حسني مبارك.
من الأمور المؤكدة تاريخياً أن نظام الحكم في الكويت لديه ميزة التكيف بشكل جيد مع الأوضاع الإقليمية المتغيرة، ومن يقرأ تاريخ الحكم في الكويت منذ ما قبل فترة الشيخ مبارك الصباح وحتى السنوات الأخيرة، يلاحظ قدرة أسرة الحكم والنظام على التكيف مع هذه المتغيرات السياسية والتعامل معها بديناميكية عالية حفظت للنظام وللأسرة الاستمرار وللكويت الاستقرار.
في الوقت الذي كانت السلطة العثمانية تبسط سيطرتها على المنطقة استطاع حكام الكويت الاحتفاظ بقدر لا بأس به من الاستقلالية التي كفلت له بعد ذلك عقد اتفاقيات حماية مع قوة عظمى أخرى هي الامبراطورية البريطانية، وهي التي كفلت له ولنظامه البقاء في وسط منطقة مضطربة. وعندما حانت ساعة مغادرة الإنكليز للمنطقة، أثبت النظام قدرته على التكيف بتبني النهج القومي ومؤازرة الأنظمة القومية وعلى رأسها نظام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ولما غادر عبدالناصر وتياره القومي المسرح السياسي وأتت الأحزاب الدينية لتحتل المشهد كان النظام ينافسها في دعم القضايا الجهادية والإسلامية حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعه من فراق بين النظام والتيارات الدينية الجهادية.
خلاصة الكلام، أن نظام الحكم في الكويت لديه القدرة على التأقلم مع المتغيرات الجديدة في المنطقة، ويساعده في ذلك وجود هامش لا بأس به من الحريات والديموقراطية النسبية، وإذا ما دفع في اتجاه المزيد من الحريات والديموقراطية فسيكون لديه القدرة على المشاركة في تشكيل مستقبل المنطقة العربية والخليجية سياسياً بشكل فاعل ومؤثر، وأعتقد أن لدى الأسرة الحاكمة ما يكفي من التاريخ السياسي لمثل هذا الدور. المهم أن يتعاملوا مع التغيرات الإقليمية بشكل مبكر جداً.
سعود عبدالعزيز العصفور
[email protected]