أنطوان مسرة: مشكلة لبنان ليست ميثاقية داخلية بل في كونه معْبراً لحروب الآخرين
أنطوان مسرة
رأى الدكتور انطوان مسرة أن أزمة النظام لا تتعلق بمنظومته الدستورية بل في جواره الإقليمي، وأكد أن لبنان لن يعرف الاستقرار إلاّ بعد تحقق الديموقراطية في الدول المجاورة له. ولفت** إلى أن «اتفاق الطائف» يشبه إلى حد ما «معاهدة اوترخت» الموقعة العام 1713، موضحاً أن معضلة لبنان تتعلق بإدارة الحكم وليس بالدستور.
• النظام اللبناني يعيد تكرار أزماته. هل ثمة ارتباط بين أزمة النظام والطائفية السياسية؟
- بحث موضوع النظام الدستوري وعلاقته بالأزمة هو اختزال لشؤون أوسع، ولكن الباحثين على سبيل الكسل الفكري يختزلون كل ذلك بقضية النظام، وفي رأيي أن المشكلة تكمن في الجغرافية السياسية إثر نشوء الكيان الصهيوني العام 1948، وهو على صيغة مناقضة تماماً للتجربة اللبنانية، وكل ما حدث هو نتيجة التفاعل مع القضية الفلسطينية. لبنان يعيش في محيط عربي تغلب عليه الأنظمة الثيوقراطية من جهة والأنظمة التي تتدرج نحو الديموقراطية من جهة أخرى، وكل ذلك يترافق مع عدم توافر نظام أمني إقليمي منذ العام 1967. ولا شك أن «اتفاق كامب ديفيد» أحدث شرخاً عميقاً في المنطقة، وهذه المسألة لا تنفصل عن غياب منظومة أمنية عربية مشتركة. مشكلة لبنان إذاً لا تتعلق بالطائفية السياسية، وإنما بدخوله في لبّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهو بذلك يتحمل عبء المنطقة. صحيح أن لبنان لديه فاعلية ثقافية وسياسية، لكنه منذ أحداث 11 سبتمبر ما عاد يشكل إحدى اولويات السياسات الدولية، وإذا أردنا أن نقارن لبنان بالانموذج السويسري، فسويسرا لم تعرف الاستقرار إلاّ بعدما أصبح جوارها أقل عدائية وأكثر ديموقراطية، في حين أن البلد اليوم ساحة لحروب الآخرين، وعلى هذا لن نعرف الاستقرار إلاّ بعد التصالح مع جوارنا العربي والذي يساهم بدوره في حماية لبنان من الحروب بالوكالة.
• لبنان كان عرضة للتحولات الإقليمية. ما العوامل التي جعلته بلداً مفتوحاً على هذه المتغيرات؟
وجود الحريات ساهم في تداخل المصالح الداخلية والإقليمية، وأضعف الديموقراطية في العلاقات الخارجية جعل لبنان محوراً للابتزاز. وكما أشرت سابقاً الدول الكبرى اليوم لا تعطي الملف اللبناني الأولوية، ولا تدرك أهمية لبنان في موقعه الجغرافي، ودائماً تخضعه للمصالح الإسرائيلية عبر الاستخفاف بالواقع اللبناني. المشكلة في رأيي مزدوجة، ضعف الديموقراطيات العربية، وهشاشة الوفاق الوطني قبل «الطائف» وبعده، مع العلم أن لبنان وقع 14 وثيقة حول الوفاق الوطني، والذي عطلها وجود العامل الإقليمي، وما حدث في «اتفاق الطائف» يشبه إلى حد ما «معاهدة اوترخت» الموقعة العام 1713 والمعروف أن هذه المعاهدة أوقفت الحرب الأهلية في اسبانيا بعدما وقعها الجميع. لبنان ليس لديه مشاكل دستورية كبيرة، ومشاكله تتعلق بإدارة الحكم وبجوار جغرافي سياسي من أصعب الجوارات في العالم، وهنا أريد أن استعيد ما قاله الإمام المغيب موسى الصدر أن «السلام في لبنان هو أفضل وجوه الحرب تجاه إسرائيل». لبنان في صلب ثلاث قضايا عالمية: قضية الدول الصغرى في النظام العالمي الجديد، قضية الأديان والعلاقة في ما بينها، قضية الأنظمة المركبة والميثاقية ودرجة فاعليتها.
• أشرت إلى أن مشكلة لبنان ترتبط بجواره الإقليمي ولكن أين العوامل الداخلية؟
حتى لو كان النظام اللبناني علمانياً، فهو غير قادر على مواجهة أزمة الشرق الأوسط منفرداً، في ظل غياب نظام إقليمي عربي موحد. هناك تحولات نوعية في المنطقة، لاسيما ما يتعلق بظاهرة نمو التيارات الإرهابية التي هي نوع من الصهينة، وهذه التيارات التي لا تمت إلى الإسلام بشيء تهدف إلى خلق كيانات دينية، وهذا ما سمى بالصهيونية المتأسلمة. إلى ذلك، الأنظمة العربية تستمد قوتها من الدعم الخارجي وهذا الأمر ينعكس على لبنان في طريقة مباشرة أو غير مباشرة، وحتى لو طبقنا النظام العلماني تبقى العلاقة المأزومة مع الجوار هي الأشد وقعاً على أزماتنا الداخلية. البلاد اليوم تمر بمرحلة مفصلية، ليس هناك نظام سياسي مأزوم، هناك استغلال لطبيعة النظام، وأشد ما يحزنني أن القوى السياسية تتنافس على السلطة، في حين أن المعضلة إقليمية ودولية. لبنان بالمعنى الميثاقي والعيش المشترك لا يعاني مشكلة، وبدءاً بالعام 1943 مر بمراحل مختلفة ترتبط بأزمات المنطقة وليس الداخل.
• يرى فريق من اللبنانيين أن «اتفاق الطائف» لم يقدم جواباً نهائياً لأزمة النظام السياسي، ما رأيك؟
- الطائفية مشكلة عربية سعى لبنان إلى معالجتها في طريقة غير مثالية، وفي رأيي ليس في إمكان أي دولة عربية المزايدة علينا واتهامنا بالطائفية، فغالبية البلدان العربية تعاني أزمة المساواة وتجعل من الإسلام الدين الرسمي للدولة، فكيف يمكن أن نتهم ومحيطنا تغلب عليه الأنظمة الثيوقراطية الملتبسة. هنا يطرح البعض مسألة التعددية في لبنان باعتبارها المشكلة الأساسية، وأرى أن التعددية دليل ثقافي مهم يتم استغلاله لضرب العيش المشترك، وهذا ما أدخل اللبنانيين في حال من الحذر وتجنب الآخر، وأكرر أن الأزمة إقليمية وليس في مقدور أي نظام أن يتحمل وحده كل مشاكل الشرق الأوسط، ولبنان نقطة عبور لحروب الآخرين، وهذا ما تحدث عنه بإسهاب غسان تويني في كتابه «حروب الآخرين».
• النظام اللبناني يعيد تكرار أزماته. هل ثمة ارتباط بين أزمة النظام والطائفية السياسية؟
- بحث موضوع النظام الدستوري وعلاقته بالأزمة هو اختزال لشؤون أوسع، ولكن الباحثين على سبيل الكسل الفكري يختزلون كل ذلك بقضية النظام، وفي رأيي أن المشكلة تكمن في الجغرافية السياسية إثر نشوء الكيان الصهيوني العام 1948، وهو على صيغة مناقضة تماماً للتجربة اللبنانية، وكل ما حدث هو نتيجة التفاعل مع القضية الفلسطينية. لبنان يعيش في محيط عربي تغلب عليه الأنظمة الثيوقراطية من جهة والأنظمة التي تتدرج نحو الديموقراطية من جهة أخرى، وكل ذلك يترافق مع عدم توافر نظام أمني إقليمي منذ العام 1967. ولا شك أن «اتفاق كامب ديفيد» أحدث شرخاً عميقاً في المنطقة، وهذه المسألة لا تنفصل عن غياب منظومة أمنية عربية مشتركة. مشكلة لبنان إذاً لا تتعلق بالطائفية السياسية، وإنما بدخوله في لبّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهو بذلك يتحمل عبء المنطقة. صحيح أن لبنان لديه فاعلية ثقافية وسياسية، لكنه منذ أحداث 11 سبتمبر ما عاد يشكل إحدى اولويات السياسات الدولية، وإذا أردنا أن نقارن لبنان بالانموذج السويسري، فسويسرا لم تعرف الاستقرار إلاّ بعدما أصبح جوارها أقل عدائية وأكثر ديموقراطية، في حين أن البلد اليوم ساحة لحروب الآخرين، وعلى هذا لن نعرف الاستقرار إلاّ بعد التصالح مع جوارنا العربي والذي يساهم بدوره في حماية لبنان من الحروب بالوكالة.
• لبنان كان عرضة للتحولات الإقليمية. ما العوامل التي جعلته بلداً مفتوحاً على هذه المتغيرات؟
وجود الحريات ساهم في تداخل المصالح الداخلية والإقليمية، وأضعف الديموقراطية في العلاقات الخارجية جعل لبنان محوراً للابتزاز. وكما أشرت سابقاً الدول الكبرى اليوم لا تعطي الملف اللبناني الأولوية، ولا تدرك أهمية لبنان في موقعه الجغرافي، ودائماً تخضعه للمصالح الإسرائيلية عبر الاستخفاف بالواقع اللبناني. المشكلة في رأيي مزدوجة، ضعف الديموقراطيات العربية، وهشاشة الوفاق الوطني قبل «الطائف» وبعده، مع العلم أن لبنان وقع 14 وثيقة حول الوفاق الوطني، والذي عطلها وجود العامل الإقليمي، وما حدث في «اتفاق الطائف» يشبه إلى حد ما «معاهدة اوترخت» الموقعة العام 1713 والمعروف أن هذه المعاهدة أوقفت الحرب الأهلية في اسبانيا بعدما وقعها الجميع. لبنان ليس لديه مشاكل دستورية كبيرة، ومشاكله تتعلق بإدارة الحكم وبجوار جغرافي سياسي من أصعب الجوارات في العالم، وهنا أريد أن استعيد ما قاله الإمام المغيب موسى الصدر أن «السلام في لبنان هو أفضل وجوه الحرب تجاه إسرائيل». لبنان في صلب ثلاث قضايا عالمية: قضية الدول الصغرى في النظام العالمي الجديد، قضية الأديان والعلاقة في ما بينها، قضية الأنظمة المركبة والميثاقية ودرجة فاعليتها.
• أشرت إلى أن مشكلة لبنان ترتبط بجواره الإقليمي ولكن أين العوامل الداخلية؟
حتى لو كان النظام اللبناني علمانياً، فهو غير قادر على مواجهة أزمة الشرق الأوسط منفرداً، في ظل غياب نظام إقليمي عربي موحد. هناك تحولات نوعية في المنطقة، لاسيما ما يتعلق بظاهرة نمو التيارات الإرهابية التي هي نوع من الصهينة، وهذه التيارات التي لا تمت إلى الإسلام بشيء تهدف إلى خلق كيانات دينية، وهذا ما سمى بالصهيونية المتأسلمة. إلى ذلك، الأنظمة العربية تستمد قوتها من الدعم الخارجي وهذا الأمر ينعكس على لبنان في طريقة مباشرة أو غير مباشرة، وحتى لو طبقنا النظام العلماني تبقى العلاقة المأزومة مع الجوار هي الأشد وقعاً على أزماتنا الداخلية. البلاد اليوم تمر بمرحلة مفصلية، ليس هناك نظام سياسي مأزوم، هناك استغلال لطبيعة النظام، وأشد ما يحزنني أن القوى السياسية تتنافس على السلطة، في حين أن المعضلة إقليمية ودولية. لبنان بالمعنى الميثاقي والعيش المشترك لا يعاني مشكلة، وبدءاً بالعام 1943 مر بمراحل مختلفة ترتبط بأزمات المنطقة وليس الداخل.
• يرى فريق من اللبنانيين أن «اتفاق الطائف» لم يقدم جواباً نهائياً لأزمة النظام السياسي، ما رأيك؟
- الطائفية مشكلة عربية سعى لبنان إلى معالجتها في طريقة غير مثالية، وفي رأيي ليس في إمكان أي دولة عربية المزايدة علينا واتهامنا بالطائفية، فغالبية البلدان العربية تعاني أزمة المساواة وتجعل من الإسلام الدين الرسمي للدولة، فكيف يمكن أن نتهم ومحيطنا تغلب عليه الأنظمة الثيوقراطية الملتبسة. هنا يطرح البعض مسألة التعددية في لبنان باعتبارها المشكلة الأساسية، وأرى أن التعددية دليل ثقافي مهم يتم استغلاله لضرب العيش المشترك، وهذا ما أدخل اللبنانيين في حال من الحذر وتجنب الآخر، وأكرر أن الأزمة إقليمية وليس في مقدور أي نظام أن يتحمل وحده كل مشاكل الشرق الأوسط، ولبنان نقطة عبور لحروب الآخرين، وهذا ما تحدث عنه بإسهاب غسان تويني في كتابه «حروب الآخرين».