الإجازات المرضية لعام 2010 كلفت خزانة الدولة 34 مليون دينار

المرضيَّات... تحايل على أوراق طبية

تصغير
تكبير
| كتب عمر العلاس وعبدالله راشد وسلمان الغضوري |

لم يجد معلم كويتي أي وسيلة للتنصل من عمله سوى الحصول على إجازة مرضية من طبيب لأمراض النساء والولادة بحسب ما جاء في إحدى الصحف المحلية التي ذكرت ان مدير المدرسة** لم يستطع رفض الإجازة لكونها معتمدة من وزارة الصحة الكويتية الأمر الذي حدا بوزيرة التربية وزيرة التعليم العالي الدكتورة موضي الحمود مطالبة وزارة الصحة بمراجعة القواعد المعمول بها الآن لمنح الإجازات المرضية بصفة عامة وللمعلمين بصفة خاصة. «لكن ماذا كان في جعبة المواطنين في هذا الصدد؟ كثير من الأمثلة التي تؤكد ثمة تحايل على القانون، ومن بين تلك المخالفات التي ساقها إلينا ممن التقيناهم، طبيب يعتمد إجازات مرضية وهو ليس على رأس عمله، وموظف يفوض أخيه ليحصل له على اجازة مرضية وهو خارج البلاد، وآخر يعتمد اجازته من طبيب أطفال، وغير ذلك من أساليب التحايل». وهنا كان لزاما فتح ملف «مرضية التمارض» كما يسميه البعض لمعرفة المزيد حول ما يدور خلف الكواليس، من خبايا في تلك النوعية من الإجازات؟ وهنا كان التساؤل... هل باتت الاجازة المرضية وسيلة للتهرب من العمل؟ وما القواعد التي تحكمها؟ وما الدافع وراء اللجوء للتمارض؟ وما حكم الشرع في ذلك؟ وكم تكلف الإجازات المرضية خزينة الدولة؟ كل تلك الأسئلة وغيرها.... كانت محور حديثنا مع بعض المعنيين بتلك المسألة، من مسؤولين ورجال دين ومواطنين ولمزيد من التعرف على ما جاء على لسانهم في هذا الشأن... في السطور التالية:

مدير إدارة خدمة المواطن والعلاقات العامة في ديوان الخدمة المدنية جاسم الرويس يقول «ان ظاهرة التمارض موجودة فعلا في كل دول العالم، وليس في الكويت فقط، مشيرا الى وجود بعض الموظفين ممن يسيئون استعمال حقهم في التمتع بالإجازة المرضية، ولهذا فقد روعي في قرار مجلس الخدمة المدنية رقم 39 لسنة 2006 الخاص بمنح الإجازة المرضية أن يحد من ظاهرة التمارض بأن وضع قيودا على المدد التي يتم منحها. ويبين «ان القرار نص أن تكون الإجازة المرضية بمرتب كامل ثم بمرتب منخفض ثم من دون مرتب ولا يجوز بعد استنفادها منح إجازات مرضية أخرى، معتبرا هذا المنح الزائد انقطاعا عن العمل يحرم الموظف من مرتبه مع عدم الإخلال بالمسؤولية التأديبية بالإضافة إلى تعرض الموظف لاحتمال إنهاء خدمته بسبب الانقطاع. ويشير الرويس الى مراعاة القرار لحق المريض الفعلي حيث قضى في المادة الثالثة منه بمنح الإجازة المرضية بمرتب كامل ولمدة مقدارها سنتان كحد أقصى وذلك في الحالات التي حددها ومنها حالة الرقود في المستشفى وما يعقبها مباشرة من مدة أو مدد متصلة للراحة، وحالة الإصابة بالأمراض المستعصية التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الصحة، وحالة الإصابة أثناء العمل أو بسببه بغير خطأ أو تقصير من الموظف، وحالة العلاج بالخارج، وهذا ما يؤكد رعاية الدولة لموظفيها من الناحية الصحية خاصة المرضى الذين يعانون من حالات تستدعي العلاج لمدة طويلة.

وكشف الرويس أن أيام الإجازات المرضية الممنوحة للموظفين خلال العام 2010 كلفت خزينة الدولة34.764.560 دينارا مشيرا الى ان عدد أيام الإجازات المرضية الممنوحة للعام 2010 بلغت 1.738.228 يوما.

وبين ان عدد الموظفين الذين تمتعوا باجازات مرضية خلال العام 2010 هو 24.580 موظف بنسبة مئوية قدرها 9 في المئة من عدد العاملين بالدولة والبالغ 260.000 موظفا.

ويلفت الرويس الى التنبيه على جميع الموظفين بارتباط الإجازات بنظم تقييم الأداء وما يترتب عليه من آثار مادية على الموظف من خصم من قيمة مكافأة الأعمال الممتازة، اضافة الى الاستقطاع من الراتب وذلك عند دخول الإجازة المرضية في الشرائح الخاصة بالاستقطاع من الراتب «نصف راتب - ربع راتب - من دون راتب»، وإلزام الموظف بمراجعة جهة عمله قبل الذهاب للمركز الصحي حتى تتم إعادة النظر في طلب التحويل من عدمه.

ويضيف «ان المستشفيات العامة والخاصة تستخدم طلبات المراجعة الطبية بشكل ورقى حتى تاريخه حيث لم يتم ربطها بعد بالنظام الآلي للمراجعات الطبية مبينا أن من المقرر ربطها مستقبلا حسب الجدول الزمني لمشروع الربط الآلي المخصص لبقية الجهات الطبية، والذي يشمل المستشفيات والعيادات الخاصة، العلاج بالخارج، المجلس الطبي العام، وعليه مازالت.

ويفيد الرويس عن كيفية طلب الاجازة « انها تتم اما عن طريق نظام الرد الفوري بالاتصال على هاتف رقم (1828888/133) وبعدها يقوم المتصل بتنفيذ التعليمات الصادرة من الهاتف او عن طريق موقع الديوان على الانترنت وإتباع الخطوات التي تؤهله الى اخذ الاجازة.

أستاذ أصول الفقه الدكتور عجيل النشمي يعتبرأن التمارض من أجل الحصول على الاجازة نوع من الغش والكذب والتدليس وأخذ مال من دون حق لأنه الى جانب الكذب يأخذ أجرا أو مرتبا وهو لا يعمل، مبينا أن الطبيب يعد شريكا معه في هذا كله.

ويوضح النشمي أن الموظف اذا لم يكن مريضا فعلا، فلا يجوز له طلب اجازة مرضية، ولا يجوز للطبيب منحه شهادة بذلك ما دام غير مريض، وذلك نوع من الكذب والتزوير المحرم، وكل من شارك فيه يكون آثما، ومثل ذلك كل ما يحدث من تلاعب في القوانين التي تحكم نظام العمل الذي يعمل الموظف بموجبها».

وبين «ان الواجب الالتزام بتلك القوانين ما دامت مشروعة ولا تأمر بمحرم وعدم الاحتيال عليها لقوله تعالى: «يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود»، ولقوله سبحانه: «اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم» ويوضح النشمي «ان المتمارض يأخذ حق غيره من المرضى الحقيقيين والذين يقف ضميرهم الحي أمام التلاعب بالقوانين وادعاء المرض».

مدير منطقة الجهراء الصحية الدكتور فهد الخليفة يقول «ان المرضيات الخاصة بموظفي المؤسسات الحكومية والخاصة حاليا مرتبطة مع ديوان الخدمة المدنية حيث يتم استخراج طلب المرضية عن طريق زيارة موقع ديوان الخدمة المدنية وذلك من خلال الرقم المدني للموظف وبعدها يذهب للطبيب مشيرا إلى أن قسم الحوادث في المستشفيات والمستوصفات حدد ثلاثة أيام كمرضية يستحقها المريض أما العيادات الخارجية فيجب أن يتم تدوين موعد سابق ومثبت في العيادة قبل الزيارة، أما بالنسبة للحالات التي يتم إدخالها للمستشفى فمن الممكن أن يأخذ المريض راحة طويلة حسب المدة ويتم اعتمادها من قبل الطبيب المختص والمسؤول وطبيب استشاري بالإضافة إلى مدير المستشفى مؤكدا «أن هذه الآلية منظمة».

ويوضح عن تشدد الصحة مع المتجاوزين من الأطباء في موضوع المرضيات « أنه يتم متابعة الأطباء عن طريق إحصائية مخصصة للمرضيات التي أصدروها منوها إلى أنه مبدئيا يتم التحقق من صحة وطبيعة المرضيات التي أصدرها الطبيب عن طريق مسؤول القسم وفي حالة الشك فيها تتم إحالته للجهات القانونية بالوزارة».

مدير الشؤون القانونية بوزارة الصحة الدكتور محمود عبدالهادي يقول «انه من حق أي وزارة أو أي مؤسسة التحقق من مدى صحة المرضيات التي حصل عليها أحد موظفيها وذلك من خلال إرسالها لنا حيث نقوم بدورنا بالتحقيق مع المستشفى أو المركز الصحي والطبيب الذي أصدر المرضية بحيث نتأكد من مدى صحتها».

ويشير عبد الهادي إلى أنه على ضوء عملية التحقيق يتم اتخاذ القرار وفي حالة اكتشاف شبهة تزوير تتم إحالة القضية للنيابة، مستدركا أن ما يحدث في هذا الشأن تجاوز في أحد مرافقنا الصحية وعليه نطلب رأي النيابة في ذلك.

الطبيب في أحد المستوصفات أحمد علي يقول «ان هناك عددا من المرضى خاصة العاملون في القطاعات الحكومية بالإضافة إلى طلبة المدارس يتعمدون أخذ المرضيات بشكل متكرر ونصدر لهم مرضيات لمدة يومين أو ثلاثة أيام وذلك حسب النظام المعتمد فـــي برنامج الرعاية الأولية لدينا».

المحامي عبد الرحمن الحوطي يقول في هذا الصدد « بالرغم من أن القانون قد افرد نصوصا خاصة لأحقية العامل في الاجازة أثناء مرضه إلا أن البعض يلجا إلى هذه الاجازة تهربا من عمله للسفر أو الراحة...».

ويضيف الحوطي «قانون الخدمة المدنية أورد استحقاقها بقرار من الهيئة الطبية المختصة وحددت اللوائح أن تكون الاجازة بناء على شهادة من المستوصف إذا كانت أسبوعين ومن المستشفى إذا كانت أكثر من ذلك وأن القانون قد حدد الاجازة المرضية بما لا تزيد على سنتين ويكون التصريح بها وفقا للقواعد التي يصدر بها قرار من مجلس الخدمة المدنية بناء على اقتراح وزير الصحة.

ويوضح الحوطي «إذا كان طلب الاجازة صادرا من طبيب خارجي أو مستوصف خاص فيجب أن تعتمد هذه الشهادة من المجلس الطبي العام أما قانون العمل في القطاع الأهلي فقد اشترط بان تكون الاجازة الممنوحة للعامل عن طريق طبيب صاحب العمل الخاص أو الطبيب المسؤول في الوحدة الصحية وقد حددت الاجازات خلال السنة بان تكون كالتالي:. 15 يوما بأجر كامل، 10 ايام بثلاثة أرباع الأجر ، 10 ايام بنصف الأجر، 10 أيام بربع الأجر، 30 يوما من دون اجر...».

ويضيف الحوطي «هذه هي المصادر الواجبة الاتباع في حالة طلب أجازة مرضية في القطاعين العام والخاص وعلى ذلك... فلا يمكن التصور أن تمنح الاجازة إلا في حدود المعايير السابقة».

ويختم الحوطي «القانون قد وضع هذه الشروط أو تلك المعايير حتى لا تستخدم هذه الاجازة لصالح المهملين أو الفاسدين الذين يسعون إلى طلب الاجازة المرضية لقضائها في السفر والرحلات أو الهروب من العمل».

ناصر المطيري يقول: ان التحايل للحصول على اجازة مرضية من دون وجه حق حرام حيث ان الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عندما سئل عن ذلك أوضح أن ذلك يدخل ضمن شهادة الزور التي تعد كبيرة من الكبائر، مضيفا «لا شك أن الطبيب إذا أعطى شخصاً إجازة مرضية وهو ليس بمريض لا شك أنه قال الزور وشهد شهادة الزور».

ويضيف «كذلك الذي أخذ هذه الإجازة آثم وكاذب، وما أخذه من راتب مقابل هذه الاجازة أخذه بغير حق، وكذلك اذا الطبيب أعطى المريض راحة أكثر مما يحتاج فإن هذا حرام. وعليه نقول لا يجب أن تعطى الإجازة لمن لا يستحق، ولا يجب منعها عن من تستدعي حالته ذلك». ويقول عدنان دشتي في شأن الإجازات المرضية «أراها وسيلة للتهرب من العمل من قبل كثير من الموظفين وهنا يمكنني القول ان السبب من وجهة نظري في اللجوء الى «مرضية التمارض» أن هناك ثغرات في القانون يجب معالجتها بحيث تحد من عملية التملص من العمل تحت غطاء القانون، والسبب الأخر في الاقبال على مثل هذا التحايل أن هناك أزمة ضمير سواء من الموظف الذي يتمارض ويتحايل على القانون والطبيب الذي يمنحه الاجازة من دون وجه حق».

ويضيف دشتي «دعني أضرب لكم مثالا على ما يحدث في الإجازات المرضية من تلاعب أن طبيبا يمنح اجازات وهو ليس على رأس عمله»، موضحا «حول كيفية اعتماد تلك الإجازة» أن ختمه مع الممرض وما يحدث فقط اتصال منه الى الممرض يطالبه فيه باعتماد إجازة الشخص الذي سيأتيه بعد قليل وما يكون أمام الممرض إلا الامتثال للأوامر الصادرة إليه»، ويقول محمد الكندري «هناك إشكالية في تلك النوعية من الإجازات تحتاج إلى وقفة مع الذات واستعمال الضمير الذي يتعمد بعض أصحاب المهنية الإنسانية تناسيه، الأمر الذي يمكن له أن يوقعهم في اشكاليات كبيرة»، مضيفا «حول بعض المواقف التي يتذكرها في هذا الصدد بعض الأشخاص تعتمد اجازاتهم المرضية بشكل غير قانوني وهم خارج البلاد».

ويوضح الكندري حول كيفية حدوث ذلك «يذهب أخ الشخص هذا الى مقر عمله، ويبلغهم بمرض أخيه ويطلب من رئيسه توجيه طلب الإجازة على عيادة معينة يكون في ذات الوقت منسقا هو مع الطبيب في ذاك المركز أو العيادة، وهنا يحصل على الإجازة من دون وجه حق وليس بأدل على ما ذهبت إليه من أن بعض الحالات تم اكتشافها ويحقق فيها الآن في مستشفى الصباح».

ويكمل «تلك النوعية من الإجازات يمكن أن توقع كما ذكرت الطبيب الذي اعتمد الاجازة في إشكالية كبيرة علاوة على ما اقترفه من إثم، حيث ربما يكون الشخص الحاصل عليها لتنفيذ أو ارتكاب جريمة ما، وإثبات من خلالها أنه كان مريضا في ذلك الوقت، وهنا ما ندعو إليه أن تمنح الاجازة المرضية وفقا للحاجة الضرورية إليها، وبناء على ما يتبين للطبيب ان كان الشخص في حاجة لذلك أم لا، وكذا على المسؤول المباشر في العمل إذا شك أن هناك نوعا من التحايل إحالة الموظف لجهة التحقيق حتى لا يتكرر منه ذاك الأمر». ويقول نايف العيسى مؤيدا ما ذهب اليه سابقيه من تحايل على القانون «نعم هناك تحايل ومخالفة في ذات الوقت للقانون، وإلا كيف يحصل موظف على إجازة مرضية من طبيب أطفال وتعتمد إجازته؟ ناهيك عن الإجازات المرضية التي يحصل عليها الطلاب لأهداف ومآرب مختلفة».

ويضيف العيسي «يجب أن يكون التقرير الطبي الذي يفيد بحالة المريض صادرا من المستوصف المسجل عليه الموظف أو اقرب مستوصف لمقر عمله لكن ما نراه قد يكون مخالفا لذلك، بصرف النظر عن بعض الحالات التي يخول لها القانون التحويل على اختصاصي».
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي