السعودية والكويت... تاريخ مشترك ومصير واحد

تصغير
تكبير
 | الرياض - من صبحي رخا |

أعربت فعاليات سياسية واقتصادية واجتماعية سعودية على متانة وعمق العلاقات الثنائية بين الكويت والسعودية، مؤكدين انها ممتدة من قرون عدة وقائمة على روابط الدم والدين واللغة والتاريخ والتراث المشترك

وقدموا بمناسبة الاحتفال بالاعياد الوطنية تهنئتهم للكويت قيادة وحكومة وشعبا بهذه المناسبة الوطنية الخالدة التي تجسد مسيرة حافلة بالانجازات على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها التي دفعت بالكويت لأن تتبوأ مراكز متقدمة وان يكون لها ادوار مؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي، موضحين ان احتفالات هذا العام مختلفة ومميزة عن الأعوام السابقة إذ تتزامن ثلاث مناسبات عزيزة هى عيدي الاستقلال والتحرير وذكرى تولي سمو الامير الشيخ صباح الاحمد الخامسة مقاليد الحكم.

وأكدوا خصوصية العلاقات الكويتية - السعودية التي تنفرد بمميزات غير متوافرة بين بقية دول العالم مدعومة بانتهاج قيادتي البلدين سياسات تتسم بالعقلانية والحكمة في معالجة القضايا وتطابق مواقفهما في مجمل الأحداث الإقليمية والدولية، فضلا عن توفر الرغبة الصادقة في تقوية هذه العلاقات والارتقاء بها إلى آفاق واسعة من التعاون الثنائي الذي يعود بالمنفعة على الشعبين الكويتي والسعودي.

وبينوا ان العلاقات الراسخة والممتدة منذ الاستقلال وخلال التحرير وحتى وقتنا الحاضر بين الكويت والسعودية كانت ولازالت السند الأساسي للكويت خلال العقود الخمسة الماضية، مشريين الى التعاون الاستراتيجي بين البلدين الذي يصعب وجود مثيل له... وهنا نص ارائهم

في البداية يؤكد المؤرخ المعروف وعضو مجلس الشورى السعودي السابق الدكتور محمد آل زلفة أن تاريخ العلاقات السعودية الكويتية قديم جدا بل ومنذ تأسيس الدولتين، مشيرا إلى أن هذه العلاقات تعود إلى امتداد تاريخي وسياسي له أكثر من قرنين من الزمان، فقد أكد المؤرخون على أن بداية حكم (آل الصباح) في الكويت تقترب من بداية قيام الدولة السعودية الأولى.

وأكد أن هذه العلاقات منذ ذلك الوقت وحتى الآن تميزت بأنماط متعددة من التعاون إلا أن هذه العلاقات ازدادت رسوخا وبشكل كبير منذ استقلال الكويت عام 1961 الأمر الذي جعل تلك السمة هي الغالبة على هذه العلاقات طوال العقود الخمسة الماضية.

وقال آل زلفة : «إن تحليلنا لهذه العلاقات ينبع من افتراضنا بأن الهدف النهائي لسياساتهما الخارجية يتركز حول تحقيق المصلحة الوطنية والقومية، أي أنهما يتصرفان في سياساتهما الخارجية وفقاً لتلك المصالح. ولذلك فإن مصالحهما الوطنية والقومية تتقاطع وبقوة عند كثير من المحطات. وقد جاءت الأحداث في الخليج العربي، بدءً بالثورة الإيرانية وانتهاءً بالغزو العراقي للكويت، لتخلق موقفاً متقارباً بين الدولتين، بل وتضيف بعداً جديداً من أبعاد التنسيق الاستراتيجي بينهما «.

ويلفت إلى وجود مجموعة من العوامل التي تؤدي إلى التعاون الاستراتيجي بين الدولتين، مثل: العوامل التاريخية، والعوامل الاقتصادية وعوامل التهديد الداخلي والخارجي والعوامل النفسية، والمصالح المشتركة، والثقافة المشتركة، وتشابه الأنظمة السياسية، وبناء على ذلك فالعوامل التي تربط بين الدولتين كثيرة ومتعددة المصادر، فمنها القريب المباشر ومنها البعيد الذي ينطوي على أبعاد استراتيجية وجيوسياسية تتعلق بنظام الأمن الإقليمي ومستقبله.

ويتطرق آل زلفة في سرده التاريخي للعلاقات بين البلدين إلى مرحلة فاصلة في تاريخ هذه العلاقات وهي التي امتدت من عام 1981 إلى تاريخ الغزو العراقي للكويت عام 1990، حيث بدأت أهمية كل من الدولتين للأخرى. فالكويت أدركت مدى أهمية السعودية كعمق استراتيجي لها، خاصة بعد نجاح الثورة الإيرانية وتطبيقها ما يعرف بسياسة تصدير الثورة، وزادت الأهمية بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية وتهديدها لأمن واستقرار المنطقة. لقد أدركت الكويت أن سياسة التوازن الإقليمي لدولة صغيرة، مثل الكويت، لم تعد ذات جدوى في مثل تلك المتغيرات، ونتيجة لذلك خرجت الكويت عن سياستها التاريخية المتمثلة في سياسة التوازن الإقليمي إلى سياسة المحاور الإقليمية عندما شاركت في قيام محلس التعاون الخليجي كمنظمة إقليمية ذات أبعاد سياسية واقتصادية وعسكرية. أما السعودية فهي الأخرى ترى أن حدودها الشرقية مهددة.

ويضيف : أن هذا التوافق في الرؤى أدى إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجي والذي يضم بالإضافة للمملكة العربية السعودية والكويت كل من قطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة وعمان. ومع ذلك استمرت الكويت تتبع سياسات شبه مستقلة في قراراتها السياسية وتحاول أن تناور حول سياستها التاريخية المتمثلة في سياسة التوازن.

ويرى آل زلفة أن أحداث الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس 1990، جاءت لتخلق موقفاً متقارباً بين الدولتين، ولتضيف بعداً جديداً من أبعاد التنسيق في ما بينهما بصدد التعامل مع تطورات الأزمة. فقد شكل العدوان العراقي على الكويت أكبر دليل على ضعف الكيان الأمني لدول منظمة مجلس التعاون الخليجي، وعجزها عن تحقيق الحماية لأحد الدول الأعضاء. هذا الإدراك أوجد لدي المسؤولين في الدولتين أن أمنهما وأمن بقية دول المنطقة لا يمكن تحقيقه من دون تفعيل النظام الجماعي الإقليمي (مجلس التعاون الخليجي) ليتولى المحافظة على أمن الخليج. هذه المتغيرات أدت إلى التقارب في العلاقات بين الدولتين.

ويختم آل زلفة قائلا : « من الاستعراض السابق للعلاقات السعودية-الكويتية نستنتج أن مسيرة العلاقات بين الدولتين كانت إيجابية في أغلب المراحل. وحتى عندما كانت الكويت إمارة تحت الحماية البريطانية، فقد اعتبرت عمليات التجارة والهجرة والتزاوج من الشواهد المميزة لطبيعة العلاقة، وبعد استقلال الكويت كان للمملكة العربية السعودية الثقل الأكبر في تحييد ومنع العراق من السيطرة على الكويت. فقد شاركت المملكة وبفعالية كبيرة في القوات التي دخلت الكويت لحمايته من التهديد العراقي عام 1961. كما كان لدعم المملكة العربية السعودية لدولة الكويت في نزاعها مع العراق قد سمح لها بهامش من المناورة في تعاملها مع العراق وعدم الإذعان لمطالبه خلال أزمة عام 1973، كذلك تجسد الموقف السعودي المساند للكويت والمدافع عن شرعيتها واستقلالها بأحلى صوره أثناء غزو العراق للكويت في أغسطس 1990. فقد رفضت المملكة العربية السعودية منذ البداية هذا الاحتلال، كما رفضت إحداث أي تغيير في حدود الكويت، بل لقد استقبلت المملكة شعباً وحكومة اللاجئين الكويتيين والهاربين من العدوان العراقي وقدمت لهم المساعدة اللامحدودة، وهيأت المملكة للتحالف الدولي الأرضية اللازمة والدعم اللوجستي والمشاركة الفاعلة في تحرير الكويت».

وتطرق المحلل السياسي الدكتور خالد الدخيل الى العامل المتعلق بتشابه الأنظمة السياسية في البلدين وأثره في العلاقات السعودية-الكويتية، ويقصد بتشابه النظام السياسي في كل من الدولتين مدى التجانس بين النظامين الذي يؤدي إلى حدوث التعاون بينهما.

يقول الدخيل : «إن المتابع لدراسة الأنظمة السياسية في الدولتين يجد أنهما تتشابهان بشكل كبير في تركيبتهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي بنائهما الثقافي والقيمي، وانطلاقاً من هذا التشابه، فهما تستندان في إضفاء الشرعية على سلطاتهما بتبني مناهج قد تكون متشابهة إلى حد كبير. حيث يتميزان بصفتين أساسيتين هما: النظام السياسي المحافظ والإتجاه الديني».

ويضيف : « لا شك أن السعودية والكويت منذ نشأتهما وهما مرتبطتان إرتباطاً وثيقاً بالقيم الدينية والحضارة الإسلامية، فالإسلام هو حجر الزاوية في بناء المجتمع والهيكل السياسي في الدولتين، وهو الأساس الأصلي للنظام الدستوري والنظام التشريعي بصورة عامة. ولقد نجحت الدولتان في التوفيق بين الدين والسياسية. أي أوجدتا توازناً بين السلطة السياسية والمؤسسات الدينية، وهذا التوازن يتجلى في مفهوم الحكم وشرعية الدولة في الأنظمة السياسية لهما. بحيث أصبحت المؤسسات الدينية في حالة ترابط عضوي مع السلطة السياسية، وهذا الترابط العضوي تتم ممارسته في هياكل الدولة بشكل مستمر، إنطلاقاً من المبدأ الأساسي وهو أن الإسلام دين ودولة، وأنه لا يوجد فرق بين الجانب الروحاني والجانب الدنيوي من الحياة في المجتمع الإسلامي. ولذلك فالعلاقة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في الدولتين تتصف بخاصية التوازن بين هاتين السلطتين، حيث تقوم المؤسسة الدينية بدعم السلطة السياسية في نطاق المبادئ الإسلامية، ومن جهة أخرى تقوم السلطة السياسية بالتأكيد على تطبيق المبادئ الإسلامية في المجتمع. لذلك نجد أن الهيكل القيمي لمعظم السكان في دول المجلس هو هيكل متسق مع النظم السياسية، ولذلك اعتبرت السلطة السياسية أن التمسك بالقيم الإسلامية يمثل القاعدة الأساسية المضمونة لتأمين شرعية نفوذ السلطة السياسية «.

ويشير الدخيل إلى أن الأنظمة السياسية الحاكمة في الدولتين لم تكن جديدة على السلطة، بل هي امتداد لسلالات حاكمة في المنطقة منذ قرون. فالمتتبع لتاريخ هذه الأسر الحاكمة ليجد أن لها تاريخاً وراثياً طويلاً في السلطة، سواء على مستوى المدينة أو القرية أو حتى على مستوى الدولة.

وينتقل الدخيل إلى الحديث عن أثر العامل الخارجي في تقارب البلدين ويقصد به في هذا السياق دراسة أثر الصراع بين القوى العظمى والإقليمية في دفع العلاقات السعودية-الكويتية إلى التقارب والتعاون. ويشير إلى أن منطقة الخليج منطقة ذات أهمية استراتيجيه واضحة بالنسبة لهذه القوى.

ويؤكد أن التطورات التي شهدها النظام الدولي منذ الستينات كان لها آثارها في العلاقات السعودية-الكويتية من حيث أنها جعلت التنسيق بين الدولتين وبقية دول الخليج خياراً استراتيجياً، لإبعاد المنطقة عن شبح الصراعات الدولية. إلا أن التغيرات الإقليمية التي ظهرت منذ الثورة الإيرانية إلى الوقت الراهن كانت لها انعكاساتها على منطقة الخليج، حيث بدأت مرحلة جديدة من مراحل العلاقات بين الدولتين والتي وصلت إلى التنسيق الشديد، الأمر الذي أدى إلى حل الخلافات الحدودية بينهما، والاتجاه نحو عمل خليجي مشترك كان مفقوداً.

وخلافا للعامل السياسي في تأصيل وتمتين العلاقات بين الدولتين ينتقل بنا عضو مجلس الشورى والمحلل الاقتصادي الدكتور عبد العزيز الداغستاني إلى عامل آخر مهم في العلاقة ألا وهو العامل الإقتصادي،

ويشير في البداية إلى أن الكويت اشتهرت منذ القدم بالتجارة، بل إن الدولة قامت أساساً على أسس تجارية. فالسعودية تلعب دوراً حيوياً من الناحية الإقتصادية بالنسبة للكويت من حيث امتلاكها سوقاً واسعة للصادرات الكويتية غير النفطية. وقد انعكس ذلك على طبيعة العلاقة الاقتصادية بين الدولتين. لذلك نجد أن نجاح مجلس التعاون الخليجي توقف عند تفعيل الاتفاقية الاقتصادية والتي ترى الكويت أنها أهم أسس قيام المجلس. كذلك وقعت الدولتان في إطار مجلس التعاون الخليجي على العديد من الاتفاقيات الاقتصادية، فقد تميزت الفترة الممتدة من عام 1980 إلى الوقت الحالي بنمو ورواج حركة الواردات بين الدولتين بمعدلات شبه مستقرة.

ويضيف الداغستاني : « كذلك يرتبط بالعامل الاقتصادي موضوع السياسة النفطية، فالبلدان عضوان في منظمتي الدول المنتجة والمصدرة للبترول (أوبك) والدول العربية المنتجة والمصدرة للبترول (وأوابك)، وهذا يقتضي منهما التنسيق والتشاور. وبالرغم من الكثير من الاختلافات والأزمات داخل منظمة أوبك، إلا أنه منذ الثمانينات اتسمت سياسة البلدين النفطية بالتوافق الأمر الذي أدى إلى نوع من الاستقرار في الأسواق النفطية «.

ويؤكد الداغستاني أن الكويت حققت العديد من الإنجازات في كل المجالات ولاسيما الاقتصادية منها والتي جعلت الكويت نجمة مضيئة في سماء الوطن العربي.

ويضيف : « رسمت تلك الانجازات بصمة متميزة للكويت بين شقيقاتها في دول الخليج والعالم العربي خصوصا في المجال الاقتصادي الذي أكد فيه سمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد على ضرورة جعل الكويت مركزاً مالياً واقتصادياً «، مشيرا إلى أن الكويت احتلت المرتبة الثانية على مستوى الدول العربية والرابعة على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الصادر في جنيف عن التنافسية العالمية لعام 2008، اذ اكد بقاء البيئة الاقتصادية في الكويت المفضلة عالمياً في جذب الاستثمارات الأجنبية للعام الثاني على التوالي.

ويشير الداغستاني إلى أنه لم يتوقف نجاح الكويت الاقتصادي عند بوابة حدودها فقط بل أرادت أن تشارك شقيقاتها من الدول العربية همومها وتطلعاتها، وان تساهم معها في إيجاد الحلول للعديد من القضايا التي تعرقل مسيرة التكامل والتعاون العربي المشترك، ومن هذا المنطلق كانت استضافة دولة الكويت للقمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية في الفترة من 19 الى 20 يناير من العام الماضي والتي تعد القمة العربية الأولى التي تتمحور حول قضايا الاقتصاد والمجتمع منذ إنشاء جامعة الدول العربية عام 1945 مما يؤكد مكانة دولة الكويت المهمة سياسياً واقتصادياً بين الدول العربية.

وأكد أن نجاح هذه القمة تحقق بفضل القيادة الكويتية الحكيمة التي أحدثت نقلة نوعية كبيرة في مسيرة العمل العربي المشترك تبدو شواهدها واضحة للعيان في حالة الحراك المكثف الذي تشهده الساحة العربية في الوقت الحالي لرأب الصدع وتحقيق المصالحة وتوحيد الصف العربي لمواجهة التحديات الراهنة.

ونوه الداغستاني إلى أن الاحتفاء بهذه المناسبة الوطنية يمثل محطة لمراجعة مسيرة طويلة زاخرة بالعديد من الشواهد التي تدل على قدرة الإنسان الكويتي على العطاء والتفاعل الايجابي مع متطلبات البناء والتعمير ومواكبة ركب الدول المتطورة والمتقدمة.

وأشار إلى أن قادة البلاد نجحوا بفضل رؤيتهم السديدة والتخطيط الجيد الذي يسترشد بتجارب الماضي للتعامل مع متطلبات الحاضر واستشراف آفاق المستقبل في جعل جميع شرائح المجتمع الكويتي تنخرط بحس وطني مخلص في ملحمة وطنية كبرى لبناء البلاد والمحافظة على مكتسباتها.









الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي