مقال / الذائقة المختلفة!
| إبراهيم صموئيل |
بالطبع، الذائقة أمر فردي، وشخصي. لكلٍّ ذائقته الخاصة. نختصرها في الكلام والحوار بالقول: أحب، ولا أحب. ونوجزها في الكتابة بالقول: في رأيي، في اعتقادي، بالنسبة لي، من جهتي... وما شاكل هذه التعابير.
ورغم كثرة استخدامنا في الحوار والكتابة لتعابير كهذه، فإن قدراً كبيراً من الخلاف، ومن ثمَّ الجدال والتعارض، يقع بيننا! كأن، في المضمر داخلنا، نعتبر ذائقتنا الخاصة ذائقةً عامةّ للجميع! حكماً نقدياً، تقويمياً، يصعب أن نرضى ببديل عنه أو بموازٍ له. في الأدب يحدث ذلك، كما في الرسم والموسيقى وغيرهما. فكرة حقّ الآخر نقر بها نظرياً، لكننا، عملياً نتنكّر لها أو ننكرها!
ما أتذوقه، ويروق لي، أفترض ضمناً أنه يسري على الجميع، ويروق لهم أيضاً. وحين أتقابل مع آخر لا يروق لذائقته ما راق لي، أتذمر أو استنكر أو أغضب. وحتى عندما يحرجني ويقول لي: ولكن هذا العمل لم يرق لي، فإنني أصمت على مضض! أصمت ظاهرياً، وأدينه داخلياً بتهمة قلة الفهم، أو سوئه، أو نقص الثقافة والاطلاع.
في الأعمال الجديدة تكون نسبة الخلاف أقل. لأنها جديدة تحتمل التباين في الآراء. تحتمل وجهات نظر مختلفة. تحتمل القبول والرفض على قدم المساواة. في الأعمال المكرّسة ستختلف الحال. هنا تُطرح الأعمال المكرسة محمولةً على شبه إجماع. على أغلبية- أحياناً تكون ساحقة- يبدو معها الرأي المختلف أو المعارض ناشزاً، غريباً، مخالفاً للإجماع! ولأنه يبدو كذلك يُرفض ويُعارض ويُنبذ أو يُتهم بقصور الرؤيا في أحسن الأحوال!
من الصعب مثلاً- ولا أقول: من المستحيل- قبول رأي لا يجد في مسرحيات شكسبير أعمالاً إبداعية عظيمة. رأي لا يقيم وزناً كبيراً لروايات ديستوفسكي. رأي لا يرى في لوحة الموناليزا ما يستحق كل الضجة الهائلة التي صارت لها. بل رأي يفيد بأن لأشعار نزار قباني وقصائده من الهشاشة والسطحية والكلام المكرور ما لا يُقبل من طلاب المدارس الثانوية لو قاموا بكتابته!
في الغالب، يصعب قبول آراء كهذه.
فحتى لو كان من حق الذائقة الفردية أن ترى ما تراه، فإن ثمة إجماعاً أو شبه إجماع يشكّل ذائقة عامة! قيم فنية وإبداعية اتفقت الأغلبية عليها. ألا تفتح حال كهذه الباب ليعبر منه «نهر الجنون» الذي حكى عنه توفيق الحكيم!؟ النهر الذي حوّل العدد القليل من العاقلين إلى مجانين بالنظر للكثرة المجنونة التي شربت من ماء النهر! سيُطرح سؤال: ولكن ما ميزان الجنون وما ميزان العقل؟ وهكذا، سيدخل الحوار في متاهة لا مخرج منها إلا بالرد المتداول: ليكن... غير أن هذا رأيك الخاص!.
ما من سبيل سوى الاعتراف بحق الذائقة الفردي، أو الشخصية في أن ترى ما تراه. ذلك أن الإجماع، أو شبه الإجماع في الأدب والفن ليس دستوراً- كما للدول- نعود إليه ونحتكم بأحكامه، خصوصاً وإن ثمة إجماعاً يكون بالياً، أو موهوماً، أو قائماً بحكم تواطؤ أو استسلام، أو حاصلاً جراء مرور الزمن. أكثر من ذلك: ثمة إجماع بحكم العدوى. وباء ينتشر، ويعمُّ، ويصيب الأغلبية. طبول وصنوج تُضرب وتُقرع لهذا العمل أو ذاك، لهذا الكاتب أو ذاك الفنان، بحيث لا تجد ذائقة منفردة مختلفة مطرحاً لها، أو برهة صمت وهدوء لتدلي بدلوها!
أمثلة كثيرة تشهد لحال الطبول والصنوج في حقل الأدب وأجناسه والفن وألوانه، لا يهم الآن الحسم بصحتها أو مرضها، إنما من الضروري أن نقرّ بالذائقة الخاصة والمنفردة والمختلفة، ومن الضروري أن يُفسح لها في المجال كي لا نقوم بإلحاق الحياة الثقافية بالواقع السياسي شمولي النزعة!
بالطبع، الذائقة أمر فردي، وشخصي. لكلٍّ ذائقته الخاصة. نختصرها في الكلام والحوار بالقول: أحب، ولا أحب. ونوجزها في الكتابة بالقول: في رأيي، في اعتقادي، بالنسبة لي، من جهتي... وما شاكل هذه التعابير.
ورغم كثرة استخدامنا في الحوار والكتابة لتعابير كهذه، فإن قدراً كبيراً من الخلاف، ومن ثمَّ الجدال والتعارض، يقع بيننا! كأن، في المضمر داخلنا، نعتبر ذائقتنا الخاصة ذائقةً عامةّ للجميع! حكماً نقدياً، تقويمياً، يصعب أن نرضى ببديل عنه أو بموازٍ له. في الأدب يحدث ذلك، كما في الرسم والموسيقى وغيرهما. فكرة حقّ الآخر نقر بها نظرياً، لكننا، عملياً نتنكّر لها أو ننكرها!
ما أتذوقه، ويروق لي، أفترض ضمناً أنه يسري على الجميع، ويروق لهم أيضاً. وحين أتقابل مع آخر لا يروق لذائقته ما راق لي، أتذمر أو استنكر أو أغضب. وحتى عندما يحرجني ويقول لي: ولكن هذا العمل لم يرق لي، فإنني أصمت على مضض! أصمت ظاهرياً، وأدينه داخلياً بتهمة قلة الفهم، أو سوئه، أو نقص الثقافة والاطلاع.
في الأعمال الجديدة تكون نسبة الخلاف أقل. لأنها جديدة تحتمل التباين في الآراء. تحتمل وجهات نظر مختلفة. تحتمل القبول والرفض على قدم المساواة. في الأعمال المكرّسة ستختلف الحال. هنا تُطرح الأعمال المكرسة محمولةً على شبه إجماع. على أغلبية- أحياناً تكون ساحقة- يبدو معها الرأي المختلف أو المعارض ناشزاً، غريباً، مخالفاً للإجماع! ولأنه يبدو كذلك يُرفض ويُعارض ويُنبذ أو يُتهم بقصور الرؤيا في أحسن الأحوال!
من الصعب مثلاً- ولا أقول: من المستحيل- قبول رأي لا يجد في مسرحيات شكسبير أعمالاً إبداعية عظيمة. رأي لا يقيم وزناً كبيراً لروايات ديستوفسكي. رأي لا يرى في لوحة الموناليزا ما يستحق كل الضجة الهائلة التي صارت لها. بل رأي يفيد بأن لأشعار نزار قباني وقصائده من الهشاشة والسطحية والكلام المكرور ما لا يُقبل من طلاب المدارس الثانوية لو قاموا بكتابته!
في الغالب، يصعب قبول آراء كهذه.
فحتى لو كان من حق الذائقة الفردية أن ترى ما تراه، فإن ثمة إجماعاً أو شبه إجماع يشكّل ذائقة عامة! قيم فنية وإبداعية اتفقت الأغلبية عليها. ألا تفتح حال كهذه الباب ليعبر منه «نهر الجنون» الذي حكى عنه توفيق الحكيم!؟ النهر الذي حوّل العدد القليل من العاقلين إلى مجانين بالنظر للكثرة المجنونة التي شربت من ماء النهر! سيُطرح سؤال: ولكن ما ميزان الجنون وما ميزان العقل؟ وهكذا، سيدخل الحوار في متاهة لا مخرج منها إلا بالرد المتداول: ليكن... غير أن هذا رأيك الخاص!.
ما من سبيل سوى الاعتراف بحق الذائقة الفردي، أو الشخصية في أن ترى ما تراه. ذلك أن الإجماع، أو شبه الإجماع في الأدب والفن ليس دستوراً- كما للدول- نعود إليه ونحتكم بأحكامه، خصوصاً وإن ثمة إجماعاً يكون بالياً، أو موهوماً، أو قائماً بحكم تواطؤ أو استسلام، أو حاصلاً جراء مرور الزمن. أكثر من ذلك: ثمة إجماع بحكم العدوى. وباء ينتشر، ويعمُّ، ويصيب الأغلبية. طبول وصنوج تُضرب وتُقرع لهذا العمل أو ذاك، لهذا الكاتب أو ذاك الفنان، بحيث لا تجد ذائقة منفردة مختلفة مطرحاً لها، أو برهة صمت وهدوء لتدلي بدلوها!
أمثلة كثيرة تشهد لحال الطبول والصنوج في حقل الأدب وأجناسه والفن وألوانه، لا يهم الآن الحسم بصحتها أو مرضها، إنما من الضروري أن نقرّ بالذائقة الخاصة والمنفردة والمختلفة، ومن الضروري أن يُفسح لها في المجال كي لا نقوم بإلحاق الحياة الثقافية بالواقع السياسي شمولي النزعة!