ما أشبه اليوم بالبارحة، وكأننا نعيد شريط ذكريات هذه الأمة ومجلسها في عام 1986. الحكومة هي ذاتها في تخبطها الذي مضى عليه أكثر من واحد وعشرين عاماً، والمجلس في تشدده، المبرر، وكأن البلد لم يبرح من مكانه خطوة واحدة، استجوابات عدة مقدمة ضد بعض الوزراء، وخطاب سامٍ افتتح به دور الانعقاد الحالي، وكأنه إعادة للخطاب السامي آنذاك في نبرته وتوجيهه اللوم إلى المجلس، واتحاد كرة القدم تم تعليق نشاطه من قبل الاتحاد الدولي بتحريض من بعض أبناء الوطن! لم يتبق إلا أن يحل مجلس الأمة، وتعلق بعض مواد الدستور، حتى يكتمل هذا «الديجافو» البرلماني، ونصبح بذلك كمن أهدر أكثر من عشرين عاماً في الفراغ والعبث، فلا نحن تقدمنا ديموقراطياً ولا حكومتنا طورت هذا البلد تنموياً. وسندخل في دوامة جديدة من الاحتقان السياسي والشعبي، تتخلله عمليات نوعية من نوع «أخطف وأجري» يتم فيها تكرار لسرقات العصر التي جرت بعد حل مجلس عام 1986، وتصبح الحكومة في خندقها، والشعب في خندقه، والخاسر في نهاية المطاف الكويت وشعبها وتاريخها!
إن تحميل مجلس الأمة أو ممثلي الشعب مسؤولية هذا التأزيم السياسي كله بمثابة قفز على حقائق الواقع الحكومي المتردي الذي لم يكن وليد حكومة الشيخ ناصر المحمد فقط، بل نتاج أعوام كثيرة من التخبط والفشل الإداري المتعاقب لهذه الحكومة والحكومات التي سبقتها. والآن تأتي حكومة الشيخ ناصر الحالية لتكمل مسيرة النكبات الحكومية بتدوير وزير وإعفاء آخر ينتظران الاستجواب. الاستجوابات كلها التي قدمت سواء في المجلس الحالي أو سابقه، لم تكن تخلو من محاور تضم تجاوزات ومخالفات إدارية ومالية يندى لها الجبين الحر، فلو لم يرتكب هؤلاء الوزراء تلك المخالفات الجسام لما وجد أي من النواب مسلكاً يستجوبهم به، فالذي سبب هذا التأزيم كله في الحياة السياسية الكويتية ضعف الأداء الحكومي، بل وفي بعض الأحيان «انعدام» هذا الأداء وتضاؤله، وكثرة تجاوزات الوزراء الذين أقسموا على صيانة الدستور والحقوق، وليس ممارسة نواب الأمة لدورهم الرقابي واستخدامهم لأدواتهم الدستورية التي كفلها لهم دستور البلاد!
من يضيق ذرعاً بالدور الرقابي للبرلمان هو من لا يريد أن يرى أي وجود لمثل هذه الرقابة الشعبية، وتاريخنا في هذا البلد مليء بالكوارث السياسية والاقتصادية التي خلفها تعطيل مثل هذا الدور البرلماني المهم، بدءاً من أزمة سوق المناخ الاقتصادية، ومروراً باختلاسات الناقلات والاستثمارات، ووصولاً إلى «مسرحية» المجلس الوطني، وكارثة الغزو والاحتلال العراقي للبلاد. من منا يحلم بأن يرى السيناريو ذاته يتكرر مرة أخرى، فليتقدم بتشجيع الفريق المتذمر من المشاركة الشعبية في إدارة شؤون البلاد، أما من يود أن يقتلع تلك الأحداث السوداء ويضمن عدم تكرارها في حاضرنا أو مستقبلنا، فليكن دائماً في الصف الداعي إلى المزيد من الرقابة الشعبية، وإلى المزيد من المشاركة الشعبية. فليختر كل منا فريقه، ولتكن الكويت وشعبها وتاريخها هي الرابح الأول.
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
[email protected]