سعود مزعل الحربي / إلى المنتظرين في الزحمة!

تصغير
تكبير
قررت ذات يوم أن ازور قريبة لي في مدينة لا تبعد عن مدينتي سوى عشرة كيلو مترات فقط، ففوجئت بحادث مروري أغلق الطريق تماما في حاراته الأربع، وانتظر الناس جميعا حتى طال امد انتظاري من عشر دقائق- وهي المدة المقررة للوصول- الى ساعة ونصف الساعة وسط هذا الزحام، وبعد طول انتظار قرر احدهم بعد ان فكر وقدر ان يسلك طريقا بريا على جانب الطريق، لكي يتخلص من هذا الزحام، فسار الناس خلفه يتبعونه، فاتحا طريقا واملا جديدا بالوصول، وهذا تحديدا ما يطلق عليه بزمام المبادرة.

ربما الناس وخاصة في بلاد المسلمين يعشقون ما يسمى بالانتظار مع الآخرين، فيجدون راحة نفسية وسط افواج الناس المنتظرين في الزحام، حيث يجري على الفرد منهم ما يجري على الآخرين، وان كانوا في النهاية ينتظرون وهما او سرابا!

وربما الناس ايضا يخافون من اكتشاف الطرق الجديدة، ويحبون ما سلكه الناس من قبل، بناء على نظرية النجاة المعروفة: «طريق تعرفه خير من طريق لا تعرفه»، فتأمل معي الذين تفردوا وتميزوا في حياتنا، واصبح يشار لهم بالبنان انما هم من الذين فتحوا لانفسهم وربما للآخرين مسارا جديدا، فالذي يتبع ويقلد الآخرين ويسير على دروبهم، هل تعتقدون بانه سيقدم شيئا جديدا لنفسه ولأمته؟ انه حتما سيصل في نهاية نقطة وصوله لما قام وعمل به الآخرون.

لقد عاب الاسلام على الذين اتبعوا واقتفوا آثار ابائهم، وان كانوا لا يعقلون، وذلك لمجرد انهم ساروا على طريقتهم من دون سؤال ووعي وتفكير، اذ وصلوا معهم لنقطة نهاية قال عنهم الله عندها: «انهم في النار خالدون»، وهذا بالضبط ما لم تفعله الحضارة الغربية التي تعتبر «الفردانية» احد اهم مكوناتها، فقدمت منذ انطلاقتها مسارا جديدا في اسلوب العيش وممارسة الحياة، فنقلت البشرية، وحررت الناس، فأبدعت وسارت الى آفاق بعيدة، واكتشفت طرقا يمكن السير بها نحو العلم والمعرفة والتقنية وثقافة التنظيم والعمل فوصلت الى ابعد مما وصلت اليه الامم والحضارات الاخرى.

لابد ان يعرف الجميع ان ما يعوق تقدمنا وتطورنا نحن الافضل هي في طريقة تفكيرنا في الحياة، واسلوب معالجتنا لما نعاني منه، اذ ان الخوف من اكتشاف الطرق الجديدة، وعشق الانتظار في زحمة الناس لن يقودنا الى شيء سوى ان نجلس بينهم لنلقى المصير نفسه.



سعود مزعل الحربي

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي