يبدو أن الشاعر الأمير بدر عبدالمحسن عندما كتب قصيدته ذائعة الصيت «زمان الصمت»، وقال في أحد مقاطعها: «زمان الصمت... ياعمر الحزن والشكوى... ياخطوة ما غدت تقوى... على الخطوة... على هم السنين»، لم يكن على علم بما تخبئه لنا حكومتنا الرشيدة هذه الأيام، ففي الأيام القليلة الماضية ظهرت مؤشرات ودلالات خطيرة على أن هناك من يريد أن يجرنا إلى «زمان الصمت» هذا، وأن هناك من ضاق ذرعاً بمساحة الحرية النسبية والصغيرة المتاحة لهذا الشعب، فقرر خلال أيام قليلة اتخاذ خطوات على أرض الواقع لتقليص هذه المساحة، بل وربما الإجهاز عليها جملة وتفصيلاً!
ابتدأنا الأسبوع الماضي بإصدار وزارة الإعلام لللائحة التنفيذية لقانون الإعلام المرئي والمسموع، والذي تجاوزت فيه صلاحياتها التي خولها إياها القانون الذي أقره مجلس الأمة، وفرضت فيه الرقابة المسبقة على المصنفات المرئية والمسموعة في معارضة واضحة للقانون، فالمادة الأولى من اللائحة تنص وبصورة واضحة على أن المصنفات المرئية والمسموعة هي «كل» أداء مباشر أو مثبت كتابة أو مسجل على أشرطة أو اسطوانات أو بأي وسيلة من وسائل التقنية الأخرى! وتنص المادة 14 على ضرورة الحصول على إجازة «مسبقة» من الوزارة قبل القيام بتصوير أو تسجيل أو عرض أي عمل متعلق بالمصنفات المرئية والمسموعة! لذلك وإن جاء تفسير الوزارة اللاحق تفسيراً خالياً من المضمون ولا يتقبله عاقل، فإن مسؤولية مخالفة القانون المجاز من قبل مجلس الأمة والتضييق على الحريات تقع على عاتق وزير الإعلام، وعلى مجلس الامة مسؤولية متابعته!
الأمر الآخر الذي صب في الاتجاه نفسه تصريح وزير المواصلات السيد عبدالله المحيلبي عن وجود نية لتنظيم ومراقبة الإنترنت وغلق المواقع من قبل الحكومة. وتصريح مثل هذا يدل دلالة واضحة على المشكلة التي نعاني منها في هذا البلد، عندما نسلم الأمر إلى غير أهله، فالإنترنت الذي عجزت قوى عظمى وذات إمكانات عالية مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا عن تنظيمه سوف يقوم بمهمة تنظيمه السيد وزير المواصلات، وهو العاجز حتى عن تنظيم وزارتيه! ضيق الحكومة ووزيرها المعني من الإنترنت لم يكن أبداً للحفاظ على ثوابت المجتمع كما ردد سعادة الوزير، فالمحتويات التي تهدد ثوابت المجتمع كانت ولاتزال موجودة في الإنترنت منذ بدايته ومنذ دخوله إلى الكويت عام 1992 فما الذي استجد وجعل هنالك ضرورة لتنظيم الإنترنت ومراقبته وتحديد القانوني منه وغير القانوني؟ ببساطة هي المنتديات والمدونات الإلكترونية التي تناقش الشأن السياسي المحلي، وهذه في عمر الإنترنت تعتبر جديدة على الكويت وغالبها لم ير النور إلا قبل ثلاثة أو أربعة أعوام فقط، لذلك كان تأثيرها القوى والضخم على الشارع الكويتي سواء في قضية الدوائر الخمس أو في القضايا التي تبعتها محل مراقبة وترقب من قبل البعض، وعليه كان قرار التضييق والمراقبة والتنظيم!
الحدث الثالث والمهم في سياق التضييق على الحريات، خصوصاً حرية التعبير والدلالة الأخيرة على ضيق البعض من وجود هامش حرية نسبي وصغير في هذا البلد، هو إحالة الكاتب محمد عبدالقادر الجاسم إلى النيابة بتهمة السب والقذف في حق أشخاص في مكتب ديوان سمو ولي العهد، وهي القضية التي نرى فيها ما هو أبعد من مجرد اتهام بالسب والقذف من قبل أشخاص لم ترد أسماؤهم في مقالة الكاتب المعنية لا من قريب ولا من بعيد، ونرى بأن هناك ما هو في طور التحضير وأبعد من هذه التهمة البسيطة والخالية مما يدعمها قانونياً، فهل ستكون الأيام المقبلة حبلى بما هو أكثر من ذلك؟ الله وحده أدرى وأعلم، ولكننا نعلم أن هذا الشعب جبل على حرية الرأي والتعبير ولن يساوم عليها قيد أنملة، فهل يعي ذلك المتربصون؟
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
[email protected]