قصة قصيرة / عودة دانة
| عادل عبدالوهاب السعد |
حدثت هذه القصة في الزمن الماضي... على أرض التضحية والكفاح وعزة النفس والسماح... في زمن الجلد والصبر والشقاء والانتصار للحياة وحب البقاء... في زمن انتزاع الرزق بين أهوال البحر وأخطار البر... بما يعني الحياة بعزة... في زمن صفاء النفوس، والرضا بما قسم الله... ومعرفة حق الجار للجار وحب الخير للناس كما لأنفسهم... زمن الثقة والصدق والكلمة هي الضمان في تعامل الناس... الى روح بائع حلوى ماء الورد والهيل... ذلك الرجل المكافح الذي عاش في حي «المرقاب» في فترة الستينات... على أرض الكويت الطاهرة التي من التجأ إليها أمن، ومن سكن على أرضها غنم، ومن جاورها سعد، ومن عاداها هلك من أرض الكويت المعطاءة وشيوخها العدل المنصفين وناسها المؤمنين الطيبين حدثت هذه القصة...
قبل دق جرس نهاية اليوم الدراسي وخروج التلميذات من مدرسة المرقاب الابتدائية للبنات بساعة... يستعد «أبو راشد» بائع الحلوى بماء الورد و الهيل بتجهيز بضاعته المكونة من مختلف أنواع الحلويات المتعددة الأشكال والألوان، ويضعها في الصندوق الزجاجي المربع المثبت فوق عربته الصغيرة ذات الأربع عجلات، وتساعده في ذلك زوجته، رغم أنها على وشك الولادة فهي في أسبوعها الأخير... و قبل أن يهم «أبو راشد» بمغادرة منزله الكائن في آخر منطقة «المرقاب» مقابل منطقة «أم صده»... يلتفت إلى زوجته «أم راشد») قائلا لها: هاه... ماذا قلت يا أم «راشد»؟... ألا زلت عند رأيك؟
- نعم... نعم... كما قلت لك... توكل على الله يا «أبو راشد» سأكون بخير...
- و كيف أتركك وأنت على هذه الحالة؟
- لا عليك فأنا لست وحدي فلدي كما تعلم جارتي «أم سعد» وهي تزورني كل يوم تقريبا... خصوصا في هذه الأيام، ولقد مررت بذلك من قبل كما تعلم و على أي حال لا أعتقد بأني سوف ألد اليوم.
- و ما المانع في جلوسي معك اليوم؟ ربما أنت بحاجه إلى شيء.
- لا يا «أبا راشد» عملك أهم فأنت تعلم بأننا في حاجة إلى المال، ولا تنسى السلفة، التي علينا للتاجر «أبو غانم»، التي استلفتها منه لشراء منزلنا، والحمد لله أنك استطعت سداد أكثر من نصف المبلغ، ونسأل الله أن يعينك على سداد الباقي، والشهادة لله فقد صبر علينا هذا الرجل الطيب كثيرا.
- أعلم ذلك يا «أم راشد» هذه هي حال أهل الكويت الطيبين وأرجو من الله تعالى أن يبارك له في صحته وماله.
- اللهم آمين.
وما أن أنهى «أبو راشد» حديثة مع زوجتة حتى خرج من المنزل، وهو يدفع العربة أمامه متجها الى حيث مدرسة البنات الابتدائية القريبة، بعد أن أوصى جاره «أبو سعد» وزوجته على «أم راشد» وسار في الطريق الى أن وصل للمدرسة، فأخذ له مكانا في زاوية من زوايا الساحة المقابلة للمدرسة تحت ظل شجرة الصفصاف... منتظرا خروج التلميذات وبعد أن دق جرس انتهاء اليوم الدراسي تدافعت التلميذات نحو باب الخروج... بينما هو يقف بانتظارهن وهو ينادي... «ورد وهيل... ورد وهيل»، فتقدمت نحوه فتاة لا يزيد عمرها على السبع سنوات، وهي تدنو نحو عربة الحلوى وتنظر إلى ما بداخلها بشغف وعندما نظر اليها «أبو راشد»، حتى شعر بإحساس غامض وشعور غريب... وكأن الدماء وقفت في عروقه، وظل ينظر إليها باستغراب من عجيب ما رآى وشعر كأن يدا أمسكت به وأرجعته فجأة الى الزمن الماضي، الذي قد مر عليه أكثر من أربع سنوات... وظل يحدق بالفتاة الصغيرة هو يخاطب نفسه.
- هذه... دانة... انها ابنتي دانة... يا سبحان الله... ملامحها... ابتسامتها الرقيقة الساحرة، نظراتها البريئة الهادئة... سبحانك يا رب... حتى شعرها، هيئتها، طولها!
تذكر فجأة جرحه الغائر في القلب... الذي نساه أو تناساه... وكيف ينسى المرء قطعة من كبده؟ لقد رأى «دانه»، و كيف كانت في لهوها ومرحها وتذكر كيف تمكنت منها الحمى اللعينة، ولم تتركها الا وهي جثة هامدة، وكيف خرجت روحه أو كادت من هول الصدمة، وكيف أحتملت أمها هذه المصيبة بعد أن مرضت سنه كاملة بسبب فقدها.
ظلت هذه الصور والأفكار تموج في نفسه، فنظر إلى الفتاة بابتسامة فرح، ولكنه لاحظ أنها لا تبدو أنها من تلميذات المدرسة فهي لا ترتدي لباس المدرسة الرسمي وابتسامتها الرقيقة الغامضة، كأنها تريد أن تقول له شيئا... ولما رأت الفتاة الصغيرة ابتسامته، ونظرته الحانية لها تقدمت نحو العربة الصغيرة فبادرها بقوله:
- أتريدين حلوى يا صغيرتي؟
فأومأت برأسها دالة على رغبتها وهي تنظر إلى الأرض قائلة:
- لكن ليس لدي نقودا يا عم!
وبدون أن يشعر والابتسامة ما زالت على شفتيه... يفتح غطاء الصندوق ويقدم لها الحلوى، وشعر كأنه في الواقع يهديها إلى «دانته» التي رحلت!
فأخذت منه قطعة الحلوى وهي تقول له:
- شكرا.. شكرا لك يا عم.
مما دفعه لسؤالها عن اسمها فلم يسبق له أن رآها من قبل، فنظرت إليه وهي مازالت ممسكه بقطعة الحلوى وابتسامتها الرقيقة لم تفارق شفتيها واستدارت مبتعدة عنه من غير أن تنطق بكلمة واحدة، متجه إلى حائط المدرسة واختفت خلفه... فوقف مشدوها، وهو يتابعها بنظره ولم ينتبه إلا وأصوات التلميذات وقد التففن حول العربة وكل منهن تريد شراء قطعة من الحلوى.
و بعد أن باع معظم ما لديه من الحلوى وخلت الساحة من كثير من التلميذات دفع «أبو راشد» عربته متجها إلى منزله، وهو لا يزال يفكر في تلك الطفلة التي لم يرها في هذا الحي من قبل... وعندما اقترب من دخول الحارة التي يقع فيها منزله... حتى واجهه «أبو سعد» وهو يقول له:
- البشارة يا «أبو راشد»... البشارة! لقد كنت ذاهبا إليك لأعلمك بأنك رزقت بابنة جميلة جعلها الله لك عوضا ومسرة!
- بشرك الله بالخير... أتعلم يا «أبو سعد» لقد رأيتها اليوم... لقد رأيت «دانه» اليوم!
رأيتها قبل أن تخرج إلى الدنيا... تحدثت إلي يا «أبو سعد»... تحدثت إلي... لقد كانت عند المدرسة... أنا واثق بأنها في انتظاري داخل البيت... إنها في انتظاري داخل البيت!
وترك عربته في الشارع وأسرع إلي بيته مهرولا... بينما وقف «أبو سعد»، ينظر إليه بتعجب ولا يدري ما أصابه!
حدثت هذه القصة في الزمن الماضي... على أرض التضحية والكفاح وعزة النفس والسماح... في زمن الجلد والصبر والشقاء والانتصار للحياة وحب البقاء... في زمن انتزاع الرزق بين أهوال البحر وأخطار البر... بما يعني الحياة بعزة... في زمن صفاء النفوس، والرضا بما قسم الله... ومعرفة حق الجار للجار وحب الخير للناس كما لأنفسهم... زمن الثقة والصدق والكلمة هي الضمان في تعامل الناس... الى روح بائع حلوى ماء الورد والهيل... ذلك الرجل المكافح الذي عاش في حي «المرقاب» في فترة الستينات... على أرض الكويت الطاهرة التي من التجأ إليها أمن، ومن سكن على أرضها غنم، ومن جاورها سعد، ومن عاداها هلك من أرض الكويت المعطاءة وشيوخها العدل المنصفين وناسها المؤمنين الطيبين حدثت هذه القصة...
قبل دق جرس نهاية اليوم الدراسي وخروج التلميذات من مدرسة المرقاب الابتدائية للبنات بساعة... يستعد «أبو راشد» بائع الحلوى بماء الورد و الهيل بتجهيز بضاعته المكونة من مختلف أنواع الحلويات المتعددة الأشكال والألوان، ويضعها في الصندوق الزجاجي المربع المثبت فوق عربته الصغيرة ذات الأربع عجلات، وتساعده في ذلك زوجته، رغم أنها على وشك الولادة فهي في أسبوعها الأخير... و قبل أن يهم «أبو راشد» بمغادرة منزله الكائن في آخر منطقة «المرقاب» مقابل منطقة «أم صده»... يلتفت إلى زوجته «أم راشد») قائلا لها: هاه... ماذا قلت يا أم «راشد»؟... ألا زلت عند رأيك؟
- نعم... نعم... كما قلت لك... توكل على الله يا «أبو راشد» سأكون بخير...
- و كيف أتركك وأنت على هذه الحالة؟
- لا عليك فأنا لست وحدي فلدي كما تعلم جارتي «أم سعد» وهي تزورني كل يوم تقريبا... خصوصا في هذه الأيام، ولقد مررت بذلك من قبل كما تعلم و على أي حال لا أعتقد بأني سوف ألد اليوم.
- و ما المانع في جلوسي معك اليوم؟ ربما أنت بحاجه إلى شيء.
- لا يا «أبا راشد» عملك أهم فأنت تعلم بأننا في حاجة إلى المال، ولا تنسى السلفة، التي علينا للتاجر «أبو غانم»، التي استلفتها منه لشراء منزلنا، والحمد لله أنك استطعت سداد أكثر من نصف المبلغ، ونسأل الله أن يعينك على سداد الباقي، والشهادة لله فقد صبر علينا هذا الرجل الطيب كثيرا.
- أعلم ذلك يا «أم راشد» هذه هي حال أهل الكويت الطيبين وأرجو من الله تعالى أن يبارك له في صحته وماله.
- اللهم آمين.
وما أن أنهى «أبو راشد» حديثة مع زوجتة حتى خرج من المنزل، وهو يدفع العربة أمامه متجها الى حيث مدرسة البنات الابتدائية القريبة، بعد أن أوصى جاره «أبو سعد» وزوجته على «أم راشد» وسار في الطريق الى أن وصل للمدرسة، فأخذ له مكانا في زاوية من زوايا الساحة المقابلة للمدرسة تحت ظل شجرة الصفصاف... منتظرا خروج التلميذات وبعد أن دق جرس انتهاء اليوم الدراسي تدافعت التلميذات نحو باب الخروج... بينما هو يقف بانتظارهن وهو ينادي... «ورد وهيل... ورد وهيل»، فتقدمت نحوه فتاة لا يزيد عمرها على السبع سنوات، وهي تدنو نحو عربة الحلوى وتنظر إلى ما بداخلها بشغف وعندما نظر اليها «أبو راشد»، حتى شعر بإحساس غامض وشعور غريب... وكأن الدماء وقفت في عروقه، وظل ينظر إليها باستغراب من عجيب ما رآى وشعر كأن يدا أمسكت به وأرجعته فجأة الى الزمن الماضي، الذي قد مر عليه أكثر من أربع سنوات... وظل يحدق بالفتاة الصغيرة هو يخاطب نفسه.
- هذه... دانة... انها ابنتي دانة... يا سبحان الله... ملامحها... ابتسامتها الرقيقة الساحرة، نظراتها البريئة الهادئة... سبحانك يا رب... حتى شعرها، هيئتها، طولها!
تذكر فجأة جرحه الغائر في القلب... الذي نساه أو تناساه... وكيف ينسى المرء قطعة من كبده؟ لقد رأى «دانه»، و كيف كانت في لهوها ومرحها وتذكر كيف تمكنت منها الحمى اللعينة، ولم تتركها الا وهي جثة هامدة، وكيف خرجت روحه أو كادت من هول الصدمة، وكيف أحتملت أمها هذه المصيبة بعد أن مرضت سنه كاملة بسبب فقدها.
ظلت هذه الصور والأفكار تموج في نفسه، فنظر إلى الفتاة بابتسامة فرح، ولكنه لاحظ أنها لا تبدو أنها من تلميذات المدرسة فهي لا ترتدي لباس المدرسة الرسمي وابتسامتها الرقيقة الغامضة، كأنها تريد أن تقول له شيئا... ولما رأت الفتاة الصغيرة ابتسامته، ونظرته الحانية لها تقدمت نحو العربة الصغيرة فبادرها بقوله:
- أتريدين حلوى يا صغيرتي؟
فأومأت برأسها دالة على رغبتها وهي تنظر إلى الأرض قائلة:
- لكن ليس لدي نقودا يا عم!
وبدون أن يشعر والابتسامة ما زالت على شفتيه... يفتح غطاء الصندوق ويقدم لها الحلوى، وشعر كأنه في الواقع يهديها إلى «دانته» التي رحلت!
فأخذت منه قطعة الحلوى وهي تقول له:
- شكرا.. شكرا لك يا عم.
مما دفعه لسؤالها عن اسمها فلم يسبق له أن رآها من قبل، فنظرت إليه وهي مازالت ممسكه بقطعة الحلوى وابتسامتها الرقيقة لم تفارق شفتيها واستدارت مبتعدة عنه من غير أن تنطق بكلمة واحدة، متجه إلى حائط المدرسة واختفت خلفه... فوقف مشدوها، وهو يتابعها بنظره ولم ينتبه إلا وأصوات التلميذات وقد التففن حول العربة وكل منهن تريد شراء قطعة من الحلوى.
و بعد أن باع معظم ما لديه من الحلوى وخلت الساحة من كثير من التلميذات دفع «أبو راشد» عربته متجها إلى منزله، وهو لا يزال يفكر في تلك الطفلة التي لم يرها في هذا الحي من قبل... وعندما اقترب من دخول الحارة التي يقع فيها منزله... حتى واجهه «أبو سعد» وهو يقول له:
- البشارة يا «أبو راشد»... البشارة! لقد كنت ذاهبا إليك لأعلمك بأنك رزقت بابنة جميلة جعلها الله لك عوضا ومسرة!
- بشرك الله بالخير... أتعلم يا «أبو سعد» لقد رأيتها اليوم... لقد رأيت «دانه» اليوم!
رأيتها قبل أن تخرج إلى الدنيا... تحدثت إلي يا «أبو سعد»... تحدثت إلي... لقد كانت عند المدرسة... أنا واثق بأنها في انتظاري داخل البيت... إنها في انتظاري داخل البيت!
وترك عربته في الشارع وأسرع إلي بيته مهرولا... بينما وقف «أبو سعد»، ينظر إليه بتعجب ولا يدري ما أصابه!