أماكن / الطريق إلى الذاكرة (1 من 2)
جمال الغيطاني
| جمال الغيطاني |
من الجهة البحرية لمسجد الرفاعي أبدأ السعي الى مدخل الدرب الأحمر، الطريق ينحدر من أعلى الى أسفل باتجاه شارع محمد علي، الى يميني ترتفع الأرض حيث يطل بيت حسن فتحي، منزل أثري قديم شيد في العصر العثماني، آخر من امتلكه مصطفى اللبان، كان مقرا لمجموعة من الفنانين في الأربعينيات، بينهم رمسيس برنان الذي دعا الى السيريالية واستلهمها في لوحاته. البيت آلت ملكيته الى أغاخان زعيم الطائفة الاسماعيلية، أحفاد الفاطميين الذين انقسموا الى فرعين بعد انهيار دولتهم في مصر وخروجهم الى اليمن، ثم الى الهند، الفرع الآخر هم البهرة، وللاسماعيلية والبهرة أعمال مهمة في ترميم الآثار الفاطمية على أساس أنها من منشآت أجدادهم الفاطميين، غير أن أغاخان امتد نشاطه ليشمل المدارس والمساجد المملوكية، ويوجد الآن في القاهرة عدد من أبناء طائفة البهرة يقدر عددهم بنحو عشرة آلاف، اشترى بعضهم دكاكين وبدأوا الاشتغال بالتجارة، ويمكن تمييزهم في القاهرة القديمة من لباسهم الأبيض وهم يسعون للصلاة في مسجد الحاكم بأمر الله. انني أتأملهم وأتساءل عن الزمن اللازم لذوبانهم في المجتمع المصري، مصر لم يحتفظ فيها أحد بهويته، أذكر أنني في طفولتي كنت أرى زفة العجم، تجار المكسرات والتنباك الذين استقروا في التمبكشية، كانوا يمشون في موكب يوم عاشوراء قاصدين مسجد سيدنا ومولانا الحسين، كانوا يضربون صدورهم بقبضات أيديهم حزنا على مصرع الحسين، بعكس التقليد السائد منذ العصر الأيوبي، اذ كان المصريون يصنعون الحلوى الشهيرة من اللبن والقمح ويتناولونها في هذا اليوم، تقليد بدأه الأيوبيون نكاية في الفاطميين الشيعة، وأذكر بعض الباعة الذين كانوا يطوفون بالحواري حاملين ألواحا خشبية عليها أنواع من الحلوى الملونة، بعضها أصفر أو أحمر، اختفوا من القاهرة في الستينات وبقيت هذه الحلوى الشهيرة بعاشوراء، وقد توقفت عن تناولها منذ معرفتي بأصل نشأتها، فذكرى مقتل الحسين ليست فرصة لتناول الحلوى، لم يكن لي عذر بعد أن عرفت، عرفت تجار العجم في التنبكشية وخان الخليلي، بل عرفت هنودا وأفغانا وبلوشا وبالطبع مغاربة، الجيل الأول يتحدث كلٌّ بلكنة البلد الذي جاء منه، بعد مضي عدة سنوات يبدأ في الحديث باللهجة المصرية، في الجيل الثاني لا يتبقى أي أثر من المنشأ الأصلي، لا لغة ولا لهجة، الركائز الثقافية للمجتمع المصري تهضم أي غريب، هذه الخاصية «القدرة على الاحتواء» حمت المجتمع المصري من الطائفية والشقاق المذهبي، في بعض البلاد العربية يعرف الناس من أسمائهم، لا أقصد المسيحي والمسلم، لكنني أعني السني والشيعي، في مصر لا يوجد تمذهب، ولا توجد أماكن يقصر سكناها على اتباع دين أو أبناء عرق بعينه، في القاهرة ثلاثة عشر معبدا يهوديا تتوزع عمارتها على القاهرة من العباسية الى المعادي، بجوار الأزهر، على بُعد أمتار قليلة أضخم وأقدم مجموعة قبطية تضم أربع منشآت، كنيسة العذراء وكانت مقرا للبابوية عند دخول العرب الى مصر، وبجوارها كنيسة الأمير تادرس الشاطبي أحد القديسين التابعين للكنيسة القبطية، ثم دير للرهبان ودير للراهبات، قدرة مصر على تطويع العناصر الوافدة، وتعايش الأديان والطوائف مرتبطة بقوتها الثقافية، واستقرارها، وشعور أبنائها بمضمونها الروحي، عندما يستقر المصريون يصبحون مصدرين للأفكار والرؤى، وعندما تضعف وتهن تحدث الاختراقات المذهبية وتبدأ الحزازات الطائفية، فالأمة المصرية قادرة على تجاوز المخاطر التي تهدد كيانها المتماسك.
منذ السبعينات تضعضعت الأحوال، وجرى الاختراق الديني السلفي الذي أعتبره الخطر الأعظم بعد أن أصبح مدعوما بقوة مالية تتوجه الى الشأن الثقافي بمعناه العام، ومظاهر هذا التأثير السلبي عديدة، بعضها يتنامى في ظل التشدد الذي يمثله هذا المذهب الذي لا يأخذ من الاسلام الا المظاهر، لقد كانت الدعوة السلفية حركة متقدمة في صميم الصحراء التي ضل أهلها عن الدين الحنيف، لكنها عندما تســــــللت الى بلدان عريقة اعتنقت الاسلام ونشـــــرته من خلال رؤية أقرب الى مضمون الاســـــلام القـــــائم على التـــــسامح واحترام الديانـــــات الأخرى، الآن ونحن في نهاية العقد الأول من الألـــــفية الثالـــــثـــة الميلادية تمر مصر بمرحلة وهن، ويلوح فيها تماسكها شقاق، وأزهرها ليس في أقوى حالاتــه، هل تحتفــــظ بقوتها الثقافيــــــة الكامنة التــــي تـــــؤثر ولا تتأثر؟ هـــذا الســــــؤال تحتاج اجابته الى رصــــد، لذلك أتابع العناصر الوافـــدة الى المجتمع المصـــــري خلال الأعــــوام الأخـــــيرة، ســــواء كـــــانوا بهرة أو عراقيين، أو أجانب.
بماذا تأثروا، وبماذا أثروا؟ أتمنى أن يكون لدى مراكز البحث العلمية المتخصصة وسائل بحث حول العناصر الوافدة، ليس البشر فقط، انما ما يتدفق علينا من خلال الوسائط الحديثة التي تتدفق مختلف الاتجاهات من خلالها بعد تقدم التقنيات الحديثة للاتصال، ما تأثير هذه الوسائط من فضائيات وشبكة الاتصالات الدولية وما يستجد على الخصوصية المصرية التي أسهمت في تماسك المجتمع عبر آلاف السنين وتحت أعتى الظروف، حتى أن مصر حولت، أعتى المستعمرين منذ البطالمة وحتى الأتراك والفرنسيين والانكليز الى ثقافتها ومضمونها، الفرنسيون تحدثوا العربية، وادعى نابليون الاسلام، في حضارات أخرى قديمة وعريقـــــة انهـــــارت اللـــــغة، ولــــــنا في الهند مثال، أتمنى في خضم مشاكـــــلنا الاهتمام بهذه الأمـور التــــي تبــــدو تــــرفا الآن وهي ليست كذلك.
من الجهة البحرية لمسجد الرفاعي أبدأ السعي الى مدخل الدرب الأحمر، الطريق ينحدر من أعلى الى أسفل باتجاه شارع محمد علي، الى يميني ترتفع الأرض حيث يطل بيت حسن فتحي، منزل أثري قديم شيد في العصر العثماني، آخر من امتلكه مصطفى اللبان، كان مقرا لمجموعة من الفنانين في الأربعينيات، بينهم رمسيس برنان الذي دعا الى السيريالية واستلهمها في لوحاته. البيت آلت ملكيته الى أغاخان زعيم الطائفة الاسماعيلية، أحفاد الفاطميين الذين انقسموا الى فرعين بعد انهيار دولتهم في مصر وخروجهم الى اليمن، ثم الى الهند، الفرع الآخر هم البهرة، وللاسماعيلية والبهرة أعمال مهمة في ترميم الآثار الفاطمية على أساس أنها من منشآت أجدادهم الفاطميين، غير أن أغاخان امتد نشاطه ليشمل المدارس والمساجد المملوكية، ويوجد الآن في القاهرة عدد من أبناء طائفة البهرة يقدر عددهم بنحو عشرة آلاف، اشترى بعضهم دكاكين وبدأوا الاشتغال بالتجارة، ويمكن تمييزهم في القاهرة القديمة من لباسهم الأبيض وهم يسعون للصلاة في مسجد الحاكم بأمر الله. انني أتأملهم وأتساءل عن الزمن اللازم لذوبانهم في المجتمع المصري، مصر لم يحتفظ فيها أحد بهويته، أذكر أنني في طفولتي كنت أرى زفة العجم، تجار المكسرات والتنباك الذين استقروا في التمبكشية، كانوا يمشون في موكب يوم عاشوراء قاصدين مسجد سيدنا ومولانا الحسين، كانوا يضربون صدورهم بقبضات أيديهم حزنا على مصرع الحسين، بعكس التقليد السائد منذ العصر الأيوبي، اذ كان المصريون يصنعون الحلوى الشهيرة من اللبن والقمح ويتناولونها في هذا اليوم، تقليد بدأه الأيوبيون نكاية في الفاطميين الشيعة، وأذكر بعض الباعة الذين كانوا يطوفون بالحواري حاملين ألواحا خشبية عليها أنواع من الحلوى الملونة، بعضها أصفر أو أحمر، اختفوا من القاهرة في الستينات وبقيت هذه الحلوى الشهيرة بعاشوراء، وقد توقفت عن تناولها منذ معرفتي بأصل نشأتها، فذكرى مقتل الحسين ليست فرصة لتناول الحلوى، لم يكن لي عذر بعد أن عرفت، عرفت تجار العجم في التنبكشية وخان الخليلي، بل عرفت هنودا وأفغانا وبلوشا وبالطبع مغاربة، الجيل الأول يتحدث كلٌّ بلكنة البلد الذي جاء منه، بعد مضي عدة سنوات يبدأ في الحديث باللهجة المصرية، في الجيل الثاني لا يتبقى أي أثر من المنشأ الأصلي، لا لغة ولا لهجة، الركائز الثقافية للمجتمع المصري تهضم أي غريب، هذه الخاصية «القدرة على الاحتواء» حمت المجتمع المصري من الطائفية والشقاق المذهبي، في بعض البلاد العربية يعرف الناس من أسمائهم، لا أقصد المسيحي والمسلم، لكنني أعني السني والشيعي، في مصر لا يوجد تمذهب، ولا توجد أماكن يقصر سكناها على اتباع دين أو أبناء عرق بعينه، في القاهرة ثلاثة عشر معبدا يهوديا تتوزع عمارتها على القاهرة من العباسية الى المعادي، بجوار الأزهر، على بُعد أمتار قليلة أضخم وأقدم مجموعة قبطية تضم أربع منشآت، كنيسة العذراء وكانت مقرا للبابوية عند دخول العرب الى مصر، وبجوارها كنيسة الأمير تادرس الشاطبي أحد القديسين التابعين للكنيسة القبطية، ثم دير للرهبان ودير للراهبات، قدرة مصر على تطويع العناصر الوافدة، وتعايش الأديان والطوائف مرتبطة بقوتها الثقافية، واستقرارها، وشعور أبنائها بمضمونها الروحي، عندما يستقر المصريون يصبحون مصدرين للأفكار والرؤى، وعندما تضعف وتهن تحدث الاختراقات المذهبية وتبدأ الحزازات الطائفية، فالأمة المصرية قادرة على تجاوز المخاطر التي تهدد كيانها المتماسك.
منذ السبعينات تضعضعت الأحوال، وجرى الاختراق الديني السلفي الذي أعتبره الخطر الأعظم بعد أن أصبح مدعوما بقوة مالية تتوجه الى الشأن الثقافي بمعناه العام، ومظاهر هذا التأثير السلبي عديدة، بعضها يتنامى في ظل التشدد الذي يمثله هذا المذهب الذي لا يأخذ من الاسلام الا المظاهر، لقد كانت الدعوة السلفية حركة متقدمة في صميم الصحراء التي ضل أهلها عن الدين الحنيف، لكنها عندما تســــــللت الى بلدان عريقة اعتنقت الاسلام ونشـــــرته من خلال رؤية أقرب الى مضمون الاســـــلام القـــــائم على التـــــسامح واحترام الديانـــــات الأخرى، الآن ونحن في نهاية العقد الأول من الألـــــفية الثالـــــثـــة الميلادية تمر مصر بمرحلة وهن، ويلوح فيها تماسكها شقاق، وأزهرها ليس في أقوى حالاتــه، هل تحتفــــظ بقوتها الثقافيــــــة الكامنة التــــي تـــــؤثر ولا تتأثر؟ هـــذا الســــــؤال تحتاج اجابته الى رصــــد، لذلك أتابع العناصر الوافـــدة الى المجتمع المصـــــري خلال الأعــــوام الأخـــــيرة، ســــواء كـــــانوا بهرة أو عراقيين، أو أجانب.
بماذا تأثروا، وبماذا أثروا؟ أتمنى أن يكون لدى مراكز البحث العلمية المتخصصة وسائل بحث حول العناصر الوافدة، ليس البشر فقط، انما ما يتدفق علينا من خلال الوسائط الحديثة التي تتدفق مختلف الاتجاهات من خلالها بعد تقدم التقنيات الحديثة للاتصال، ما تأثير هذه الوسائط من فضائيات وشبكة الاتصالات الدولية وما يستجد على الخصوصية المصرية التي أسهمت في تماسك المجتمع عبر آلاف السنين وتحت أعتى الظروف، حتى أن مصر حولت، أعتى المستعمرين منذ البطالمة وحتى الأتراك والفرنسيين والانكليز الى ثقافتها ومضمونها، الفرنسيون تحدثوا العربية، وادعى نابليون الاسلام، في حضارات أخرى قديمة وعريقـــــة انهـــــارت اللـــــغة، ولــــــنا في الهند مثال، أتمنى في خضم مشاكـــــلنا الاهتمام بهذه الأمـور التــــي تبــــدو تــــرفا الآن وهي ليست كذلك.