الدكتور رفيق حسن الحليمي / حقيقة ناعوم تشومسكي

تصغير
تكبير
هو عند النخب العربية المثقفة، كما هو عند الغرب، أسطورة من أساطير الفكر وأحد علماء اللغة وصاحب النظرية «التحويلية» التي ذاعت شهرتها في الستينات من القرن الماضي، وهو إلى جانب ذلك أحد العلماء الأفذاذ في السياسة والفكر وفي التنظير للسياسة الأميركية والإسرائيلية.

قدم إلى إسرائيل بهدف الدخول إلى قطاع الضفة الغربية لإلقاء محاضرة في جامعة بير زيت لكن السلطات الإسرائيلية منعته من الدخول، ثم أجرت معه قناة «الجزيرة» في بيروت حوارا مفتوحا قبل فترة، وكنت حريصا على مشاهدته لمعرفة أفكاره الجديدة بعد أن جاوز السبعين.

الصورة: النمطية التي تكونت عنه لدى النخب العربية جاءت من محورين أساسيين:

الأول: نظريته اللغوية «التحويلية» التي ترجع منطق التفكير اللغوي عند جميع البشر إلى طريقة واحدة، وبمعنى آخر: تذهب نظريته إلى أن الناس على اختلافهم يفكرون بمنطق لغوي واحد، وأن لديهم ناظما واحدا مشتركا تخضع له عملية التفكير العميق التي تتم داخل الذهن، وقد عبر عما تنتجه من أفكار بالتراكيب العميقة وهي المشتركة بين البشر، وبذلك لا يكون الاختلاف بين البشر في طريقة التفكير، وإنما في طريقة «التعبير» أي في اللغة المنطوقة التي نسمعها من الآخرين عندما ينطقون، وقد عبر عنها بالتركيب السطحي، وقد كان لهذه النظرية عندما ظهرت في الستينات من القرن الماضي أصداؤها الواسعة وبريقها الأخاذ.

وكانت النخب العربية المتغربة منبهرة أشد الانبهار بها، وكان كثير من المهتمين بالألسنيات يلهجون بأقواله، وبالأمثلة التي ساقها لتعزيز نظريته، غير أنها ذوت وصوّح عودها، فقد تجاوز علم اللغة الحديث نظريته، التي أصبحت من التاريخ وعفى عليها الزمان، إلى نظريات أخرى أكثر منها حداثة، منها التركيبية والتفكيكية وهي جميعا محاولات لفهم طبيعة الاختلاف في اللغات بين البشر.

الثاني: عداؤه لدولة إسرائيل وانتقاده لسياستها على مدى أعوام وعقود. ولكني، وقد أكون على خطأ، رأيت الرجل من خلال طروحاته في ذلك اللقاء على وئام تام مع دولة إسرائيل، ومع الصهيونية أيضاً، ويبدو لي ولغيري أنه يلهج ظاهرياً بالتنديد بإسرائيل وبسياستها في المنطقة لكنه يخفي قناعة كبرى وفرحة غامرة بنشأة تلك الدولة التي أعلن بصراحة عن تأييده لقيامها، وبرر ذلك بنظريات متداخلة ومغلوطة سنأتي عليها واحدة بعد الأخرى.

في بداية حديثه أعلن أنه يهودي متدين، وأنه لا يتبرأ من الصهيونية، وأنه منسجم مع الثقافة اليهودية. ولا أحد منا يمكنه الاعتراض على ذلك.

يعترف بأن اليهود قدموا من الشتات وأقاموا دولة، وهو يؤيد قيام هذه الدولة (!) ويقول انه كان يعارض الدولة اليهودية قبل أربعين عاماً ولكنه لم يعد كذلك، ويرى أن الشمس أشرقت عام 1967م وعام 1990م، في إشارة إلى انتصار إسرائيل وهزيمة العرب البشعة عام 1967م، وإلى حرب الخليج الثانية عام 1990م التي غزت فيها العراق دولة الكويت!

والسؤال: هل بعد هذه الاعترافات يبقى ناعوم تشومسكي في نظر النخب العربية التي هللت له ورقصت على إيقاع انتقاداته معاديا لدولة إسرائيل؟

يبرر قيام إسرائيل بأنه يأتي ضمن الحراك الاجتماعي الذي شهده العالم منذ فجر التاريخ، فلا غرابة، على حد زعمه، من قيام هذه الدولة التي تأتي في سياق الحراك الاجتماعي. أقول: لا أحد ينكر ظاهرة الحراك الاجتماعي عبر تاريخ البشرية، لكن هناك فرق كبير بين حراك سلمي نظيف يأتي ضمن هجرات جماعية مسالمة تريد العيش بأمن وسلام ولا تعتدي ولا تغتصب حقوق الآخرين وبين حراك حربي دموي يقوم على المؤامرة والعدوان واستلاب الأوطان، ولم يكن قيام إسرائيل بحال من الأحوال حراكا سلميا، والتاريخ خير شاهد على ما اقترفته من نكبات وما جنته من ويلات.

يشبه قيام إسرائيل بما حدث في جنوب افريقيا وأميركا، حيث جاءت أمم من أوروبا واستوطنوا أميركا كما استوطنوا جنوب أفريقيا. ونسي هذا العالم اليهودي أن الزحف الأوروبي خارج القارة الصغيرة (أوروبا) إلى أميركا وغيرها لم يطرد الهنود الحمر ولم يطرد الأفارقة السود من أراضيهم، صحيح أنه عاملهم بقسوة وعنصرية، كما نسي أو تناسى عن ذكاء ودهاء أن بواعث الحراك الأوروبي كانت في بدايتها نتيجة الأطماع الاستعمارية المادية ولم تكن النية مبيتة لديهم للاستيطان طويل الأجل، وأما قيام إسرائيل فقد كان بدوافع توراتية تلمودية، وبهدف الاستيطان واقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، والغريب في الأمر ان هذا العالم نسي أنه سبق قيام دولة إسرائيل عام 1948م وعد بلفور الصادر عام 1917م بإنشاء «وطن قومي لليهود»، وهذا يعني أن الوطن القومي (الدولة المفترضة) حددت معالمه قبل قيام الدولة العبرية على أرض فلسطين بثلاثة عقود، وهذا لم يحدث عندما جاء الحراك الأوروبي إلى أميركا وغيرها على الأقل في بداياته، والمفارقة كبيرة بين حراك وحراك.

الغريب اننا نصدق ونصفق لهذا اليهودي ونعتقد ان كلامه في غاية الأهمية، وهو في الواقع كلام مدسوس يخدم به دولة إسرائيل من حيث لا تدري نخبنا المتغربة، ولكن تشومسكي يدري حقيقة ما يقول وتدري به إسرائيل، وعلينا ألا ننخدع بأنها منعته من دخول الضفة لإلقاء محاضرة في جامعة بير زيت، فالأمر لا يعدو توزيع أدوار بين مؤيدين لها ومعارضين لها ظاهرياً، وكم يكون بين «الأدعياء» من جواسيس يعملون لصالحها من حيث لا ندري.

تشومسكي يؤمن بأن أرض الميعاد (أرض فلسطين) لليهود، وأن القدر وعدهم بها وأن بني إسرائيل دخلوها بأمر من الله وبوعد منه. هذا هو ناعوم تشومسكي الذي قال ذلك صراحة ومن دون خجل، لكن ماذا ستقول نخبنا؟

هذه الفكرة تحتاج منا ومن غيرنا إلى وقفة نستجلي بها ما يُعرف بالوعد الإلهي المزعوم لليهود، إذ ان فكرة هذا الوعد تشيع كثيراً في أدبيات الثقافة اليهودية، وقد استغلتها ومازالت تستغلها الصهيونية على مدى عقود بهدف الاقناع بالهجرة إلى أرض الميعاد، ولكي نصل إلى حقيقة هذا الوعد علينا أن نتعرف إلى مصدر هذا الوعد، وكيف فرغوه من مضمونه وسيسوه لمآربهم، وهل هو وعد مطلق أم مقيد برجال معينين وزمان محدد.

مصدر هذا الوعد هو التوراة: «قال الرب لابرام (ابراهيم) اذهب من ارضك ومن عشيرتك، ومن بيت ابيك الى الارض التي اريك، فأجعلك امة عظيمة واباركك واعظم اسمك» (سفر التكوين، الاصحاح الثاني عشر، عدد 1 - 2). فالخطاب موجه الى ابراهيم عليه السلام.

وفيها ايضا: «في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام ميثاقا قائلا، لنسلك اعطي هذه الارض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات» (سفر التكوين، الاصحاح الخامس عشر، عدد 18 - 19)، فالخطاب موجه لابراهيم بعطاء الله له الارض ولنسله من بعده.

وفي القرآن الكريم على لسان موسى قوله تعالى: (يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم) 21: المائدة، جاء ذلك بعد خروج بني اسرائيل من مصر وبعد نجاتهم من عذاب فرعون، قال تعالى (ونريد ان نمنّ على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين* ونمكّن لهم في الارض ونُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) 5 - 6 القصص.

اذاً هناك وعد إلهي لابراهيم ولنسله ولبني اسرائيل (يعقوب) وهو وعد مقيد بمن وجه اليهم ممن كانوا مستضعفين في الارض وليس ذلك الوعد مطلقا ومشاعا لمن هب ودب، بحيث يدخلها ممن اعتنقوا اليهودية وليسوا من بني اسرائيل كيهود الخزر (اعتنقوها هروبا من الدخول في المسيحية والاسلام) والفلاشا وغيرهم ممن لا يتحدرون من سلالة اسرائيل، وانما كان الوعد الالهي لابراهيم ولبني اسرائيل قوم موسى وعدهم الله بذلك ليستقروا وليأمنوا الاذى والعذاب، ولم يقترن الوعد الالهي بأكثر من الدخول للاستقرار والعيش بأماكن وقد وعدهم الله بذلك لانهم كانوا على عقيدة ولم يكن غيرهم كذلك، كما ان الوعد الالهي لم يطلب منهم طرد سكان الارض او إلحاق الاذى بهم.

استغلت الحركة الصهيونية العالمية ذلك الوعد ابشع استغلال فاستصدرت وعد بلفور باقامة وطن قومي لليهود، وخدعت العالم باختلاقاتها التاريخية واكاذبيها، واشعلت غداة قيام دول اسرائيل الحرائق في عدد من الاحياء اليهودية في بعض المدن العربية (الاسكندرية - بغداد - مراكش) بهدف تسريع هجرة اليهود الى ارض المعياد وزينت لكل من يعتنق اليهودية بأهمية العودة.

وللحق وللتاريخ لم يكن قيام دولة اسرائيل لمجرد اقامة وطن قومي لليهود بحيث يعيشون فيه مع السكان الاصليين بأمن وسلام، وانما كان الهدف طرد السكان واغتصاب الارض، واقامة دولة على انقاض دولة، واقامة امة على اشلاء امة، والكل يعرف كيف بيّتوا النوايا واعدوا العدة لاقامة دولة عدوانية عدائية، مدججة بالسلاح، لتمثل رأس حربة لخدمة اهداف محددة.

هذه الحقائق - اذا احسنا الظن - كان يدركها تشومسكي مع بداية قيام دولة اسرائيل، لذلك راح ينتقدها ويندد بها، وكان كثير من يهود العالم غير راضين عن قيامها يوم ان قامت، لانهم كانوا يتوقعون مصيرا سيئا لليهود، ولكنها عندما قامت وطاب لها المقام، وحققت الانتصارات المتوالية بدأت الامور تتغير عند كثير من المعتدلين، كما تغيرت عند تشومسكي، وقد عبّر عن ذلك باشراقة الشمس عام 67م وعام 90م.

* يرى تشومسكي ان اليهود القدامى، وربما هم الفلسطينيون وهم السكان الاصليون في ارض الميعاد، وهذه الفكرة صهيونية تلمودية تتبناها شريحة واسعة من اليهود اليمينيين المتطرفين، وقد قالها من قبل رئيس وزراء اسرائيل الاسبق مناحيم بيغن في احد لقاءاته عبر التلفزة بعد اتفاقية كامب ديفد... وهذا يدل على خلط في المفاهيم وفي مفردات التعاليم اليهودية، اذ ان مصطلح «يهود» لم يظهر الى الوجود الا بعد قيام مملكة يهوذا في فلسطين، اي بعد خروج بني اسرائيل من مصر بقيادة موسى عليه السلام وبعد اربعين سنة من التيه في سيناء، فلم يكن ابراهيم يهوديا، وقد ردّ القرآن الكريم على مزاعم اليهود عندما قالوا قديما: ان ابراهيم يهودي، قال تعالى: (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) 67 ال عمران، ومن اليهود المؤرخين المنصفين من يفرق في استخدام المصطلحات اذ يفرقون بين اسرائيلي وبين يهودي وبين صهيوني ويجعلون لكل مصطلح حقبة زمنية معينة، وتشومسكي لا يخلط في المفاهيم فحسب بل يجهل حقائق التاريخ او يقفز عليها، فأرض فلسطين كان يسكنها قبائل عربية تعود في اصولها الى «العرب البائدة» وهم اقدم موجة من العرب الاوائل الذين بادروا ولم تتبق منهم الا ذكراهم، ومنهم الكنعانيون والحيثيون واليبوس وغيرهم، والتوراة التي يدين بها تشومسكي تعترف بذلك، فقد ترددت كلمة «ارض فلسطين وارض كنعان والحيثيين (بني حثّ) في التوراة كثيرا، ثم ان ابراهيم عليه السلام دخل فلسطين وهي عامرة بمن فيها من السكان، ففي التوراة «وتغرب ابراهيم في ارض فلسطين اياما» (التكون 21 عدد 34) وعندما توفيت زوجته سارة اشترى قطعة ارض كما تنص التوراة في حبرون في ارض كنعان بأربعمئة شاقل فضة ليدفنها فيها.

* يلحّ تشومسكي على ضرورة الاعتراف بالواقع والتعايش معه (!) وليس الاعتراف بالواقع الذي يعنيه الا الاعتراف بدولة اسرائيل كواقع على الارض وحقيقة ثابتة لا مراء فيها، وعندما اعترض على كلامه احد الحضور في ذلك اللقاء رد عليه بانه اذا بقي على رفضه لهذا الواقع مئة عام فلن يحقق شيئا مما يتمناه في العودة الى وطنه وارضه في فلسطين، ورأى ان تحقيق شيء من ذلك يكون بالاعتراف بالواقع اولا، ثم في اتخاذ مواقف على مراحل لتحقيق الهدف المنشود، كما رأى ان الحل للصراع القائم يمكن ان يكون بحل الدولتين، لكن المشكلة من وجهة نظره في ان اسرائيل ترفض هذا الحل.

هذا هو ناعوم (ناحوم) تشومسكي وهذه هي حقيقته، وها هو كما بدا في اللقاء، وهذه هي افكاره التي لا تختلف عن افكار اي يهودي متطرف.



الدكتور رفيق حسن الحليمي

كاتب وأكاديمي فلسطيني
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي