أماكن / من بلخ إلى مزار شريف... شعرا (1 من 2)

u062cu0645u0627u0644 u0627u0644u063au064au0637u0627u0646u064a
جمال الغيطاني
تصغير
تكبير
| جمال الغيطاني |

ثمة مدن لم أبلغها... لم أرها، ولم أعرفها، لكنها تثير أمورا غامضة عندي، أحيانا تستعصي على التفسير، ربما تكون بعض هذه المدن مندثرة من حقب سحيقة البعد،** ربما ترتبط عندي بمرحلة عتيقة تفصلني عنها آلاف السنين، لكنها قادرة على البث من خلال الاسم، الاسم فقط.

من هذه المدن «بلخ»... ربما يستثيرني الاسم لأنني قرأت عنه في المصادر القديمة، في القصص الفارسية، في منتدى مولانا جلال الدين الرومي، ربما لأنها تقع في منطقة آسيا الوسطى، حيث مدن عديدة مثيرة لآفاق وعيي، مثل سمرقند، بخارى، كرمان، أصفهان.. هيرات، بلخ وهيرات تقعان فيما يعرف الآن بأفغانستان. فهما أقدم من الدولة التي تضمهما اليوم، فلم يكن هناك قبل مئتي عام دولة اسمها أفغانستان، هذا كيان سياسي حديث عمره لا يزيد على مئتي عام، هيرات نقرأ اسمها الآن على الخرائط التي تشير إلى مواقع دكتها القوات الأميركية في هجومها الوحشي على هذا البلد الإسلامي العريق، وتشتهر بمدرسة خاصة في تصوير المنمنمات التي تزين الكتب المخطوطة ولاتزال توجد بنفس الاسم.

أما بلخ فاسمها الآن مزار شريف.. ومنذ أسبوعين كنت مشغولا بالبحث عن مصادر تتناول ثقافة الأفغان وتاريخهم، للأسف اكتشفت الفقر والجدب في المكتبة العربية حول كل ما يتعلق بأفغانستان.

ويشاء القدر أثناء اتصالي ببعض من أساتذة الأدب الفارسي والأوردي، أن أعرف من الأستاذة الدكتورة عفاف زيدان التي عاشت في أفغانستان سنوات عدة متصلة في نهاية الستينات أنها مشرفة على بحث علمي تقدمت به تلميذتها عزة مسلم، لنيل درجة العالمية «الدكتوراه» من قسم اللغة الفارسية وآدابها، وأن الرسالة ستناقش بعد يومين.. عندما ذهبت إلى كلية الدراسات الإنسانية عرفت أن العديد من الرسائل العلمية نوقشت ودارت موضوعاتها حول أفغانستان، تاريخها وآدابها، وأحدثها تلك الرسالة التي تتناول مدينة بلخ في الشعر الفارسي، منذ أقدم العصور حتى الغزو المغولي لآسيا الوسطى.

أتيح لي أن أحصل على نسخة من البحث الضخم الذي يقع في نحو ألف صفحة، والذي استغرقت مناقشته عدة ساعات، انتهت بحصول الباحثة على درجة الدكتوراه، ومن خلال قراءتي للبحث، ولكتب أخرى قليلة جدا، لكنها ثرية في مادتها، منها كتاب عن شاعر أفغاني كبير عاش وتوفي في القرن العشرين اسمه الخليلي للأستاذة عفاف زيدان رئيسة القسم، التي تعد بحق حجة في ثقافة هذا البلد الذي انهالت فوقه صواريخ وقنابل أحدث ما في ترسانة السلاح الغربي.

باختصار اكتشفت أنني لا أعرف الكثير عن ثقافة أفغانستان وآدابها، وعراقتها، ترتبط عندنا بجمال الدين الأفغاني والدور الذي قام به في مصر وتركيا، لكن ماذا عن فنون أفغانستان... وآثارها الأدبية؟

لا نعرف شيئا، وتلك مشكلة كبرى تتصل بالمركزية الأوروبية التي أصابتنا بحوَل، فلا نتطلع إلا غربا، ولا ننتظر الجديد في الآداب والفنون إلا من الغرب، وتلك قضية كبرى سأعود إليها في ما بعد، لكنني أتوقف الآن عند بلخ من خلال هذا البحث القيم.

***

بلخ، إنها هناك وراء النهر، تقع على الشاطئ الجنوبي لنهر جيحون، والسهل الشمالي لنهر جيحون، والسهل الشمالي المنبسط لجبل «باياكوه»، وعلى الطريق التجاري المهم الذي يصل الممرات الجبلية بنهر جيحون، موقع فريد، أصبحت - كما تصفها المراجع القديمة - مجمع الخلائق، وملتقى القوافل، وأيضا هدفا للغزاة القادمين من هضاب آسيا... لقد دمرت بلخ اثنتين وعشرين مرة، معظمها بالحروب والغزوات، والزلازل، وآخرها بأيدي وأصابع الطيارين الأميركيين الذين يضغطون أزرارا على ارتفاعات شاهقة فتنفتح أبواب الجحيم تطلق قنابل زنة خمسة آلاف رطل، وصواريخ تحمل الشظايا، واليورانيوم المخصب، والنيوترون وسائر أسباب الهلاك، ضد بلد لم يعد فيه بناء قائم أو طريق معبد!
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي