هرب من مغريات فرنسا وعاد إلى وطنه مصر

تأبين / عدلي رزق الله... المسكون بحب الأنثى والحياة والفن

تصغير
تكبير
|القاهرة- من مي أبوزيد|

ظل البكاء صفة ملازمة لعم عدلي رزق الله الفنان التشكيلي المصري الشهير، الذي رحل قبل أيام عن عمر يناهز 71 عاما، كان يبكي حينما يرحل صديق له، أو حينما يفرح لصديق له، أو حتى حينما يحن ويسترجع ذكريات الماضي، في «ورشة الزيتون».**

منذ عامين بكى رزق الله صديقه القاص والروائي الراحل يوسف أبورية، وكان قد صمم لأبورية أغلفة عدة لرواياته التي كان يحبها، لكنه في الوقت نفسه كان يحب الحياة، يرسمها في لوحاته وفي أغلفته وفي قصصه للأطفال وحتى في مقالاته، يرسم بشرا وطبيعة ووردا بألوان مائية زاهية، يرسم فراشات وحيوانات ونخيلا وشجرا، يرسم أطفالا يلعبون، وأيضا يحتفل بأعياد ميلاده ويصدر فيها كتبا تضم شهادات من الأدباء عنه، وربما لهذا طلب من ابنتيه عدم حضور دفنته، وطلب من زوجته عدم ارتداء الأسود عليه.

أحب «رزق الله» عائلته، أو بمعنى أدق، أعاد اكتشاف محبته لتلك العائلة في نوع أقرب لمراجعة النفس، فكتب عن أمه وأخيه وأخته، وكتب عن أبيه الذي أخطأ في حقه حينما اعتقد أن قسوة الأب هى التي قتلت أخاه الأكبر، كتب في سيرته الذاتية «الطريق في الفن وفي الحياة» الصادر في جزءين عن الهيئة العامة للكتاب العام 2005: « مررت على أبنوب الحمام، بلدتي، كي أودع أبي وأمي قبل الرحيل إلى باريس في صيف العام 1971، كانت الصورة التي تربينا عليها هى صورة الأم الطيبة والأب القاسي، ثنائية واضحة ساهم الأب في تأكيد تلك الصورة في جميع تفاصيل الحياة اليومية، ارتدى الأب قناع القسوة، وهو الضعيف، الواهن والمحب، وهربت من مواجهة عيني أبي حينما عرفت أن تلك هي آخر مرة سأراه فيها وقد رحل في أكتوبر 1976، يوم ولادة ابنتي الأولى «تمر»، وحين عرفت نظرت إلى السماء قائلا: اليوم أصبحت أبا، كأنه لا يليق بي أن أصبح ابنا أكثر من ذلك».

أحب رزق الله بلده الكبير مصر فآثر أن يعود إليه في بداية الثمانينات بعد أعوام قضاها في الدراسة والعمل في فرنسا «قمت بتدريس الفن في الجامعة، وعرض عليّ كرسي أستاذية- يتمناه الكثيرون- لكنني هربت»، وأحب بلدته الصغيرة «أبنوب الحمام» بصعيد مصر، فأصدر بخصوصها كتابا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة العام 2009، وقت احتفاله بعيد ميلاده السبعين، وفي الكتاب «الصعيدي والصعيديات»، يقول: «أنتمي إلى الصعيد بحكم الميلاد والطفولة والوقوع في الهوى، والشغف الدائم، أنتمي إلى القاهرة حيث صبايا في حواريها وشبابي بين جدران كلية الفنون الجميلة ودهاليز وسط البلد ومقاهيها وتجمعات الكتاب والشعراء والفنانين، أنتمي إلى باريس، حيث بداية لوحاتي الأولى وعشر سنوات من الاطلاع على تاريخ الفن»، وفي نفس الكتاب يحكي رزق الله عن طفولته بقريته، عن ترابها، وماء ترعتها، ونخيلها، وقطارها، وعن مجالس الكبار فيها.

أحب الفن، اعتبره البداية أبدا، اعتبره القدر والمحراب والجمال الذي يناضل الفنان من أجله، وفي كتاب «الصعيدي والصعيديات» بشر رزق الله الفنان وأخبره قائلا:« طوبى لك أيها الفنان، الباحث عن الحقيقة، قاطع المسافات، فاعل الأعمال عملا وراء عمل، تنظر وراءك لتجد أنك أنجزت القليل، تنظر أمامك لتجد الطريق طويلا، لا نهاية تراها العين.. في شقائك حياة وفي كشفك للمستور وجود»، وفي سيرته الذاتية« الطريق في الفن وفي الحياة» تحدث رزق الله عن علاقة الفن بالدين، وعلاقته بالطبقة الوسطى، ومكانته في عصر النهضة وفي القرن العشرين، ولأنه أحب الفن، وعن معارضه يقول:« اهتممت في كل معارضي بالجمهور، بالناس، من سيرغبون حقا في التعامل مع اللون والشكل والمحتوى والمضمون»، وربما لهذا رسم لوحات عن الانتفاضة الفلسطينية، الأولى والثانية، ليجد نفسه يرسم رجلا تتماسك أشلاؤه لتدافع عن قبة الصخرة، ليجد نفسه يرسم محمد الدرة بين يدي والده، ويرسم الأم العربية، رسم الكثير والكثير بما يملأ أكثر من خمسين معرضا خاصا، ونحو ثمانية معارض جماعية، إلى جانب المعارض الدولية.

أحب رزق الله المرأة، أمه وأخته، أحب زوجته وبنتيه، وفي سيرته الذاتية، حكى لنا عن علاقته بهن، عن لحظات انتظاره لخروج ابنته الكبرى «تمر» إلى الدنيا، عن إصراره على الوقوف بجانب زوجته لحظة الولادة، وأحب نساء قريته، واعتبر أن المرأة في «الصعيد» هى الأم الآلهة، واهبة الحياة، الحامية، الشافية، الحانية، التي تؤثر الجميع على نفسها، بل اعتبرها امرأة من نسل إيزيس، وبشكل عام أحب الفنان الأنثى، اعتبرها الحياة، ورسمها في لوحاته، جسد الأنوثة في مجموعة زهور، سماها «زهور المحاياة»، فرسم: زهرة تتماوج وزهرة تتأوه وزهرة تتماسك، زهرة تصخب وزهرة وحيدة وزهرة تتفجر وزهرة تحيض، زهرة جارحة وزهرة حزينة وأخرى تبكي وثانية ترقص.

أحب رزق الله الأطفال، اشتهر برسومه لهم، وكان يحلم بمشروع يصدر عن وزارة الثقافة المصرية، يتكون من سلسلة كتب للأطفال تحمل عنوان «تمر» وهو اسم إحدى ابنتيه، يقوم هو بتأليف قصصها وتنفيذ رسوماتها، يحكي فيها للأطفال عن الطبيعة، ويحدثهم عن قيم لم تعد موجودة، وقد صدر له بالفعل في هذا المشروع كتاب واحد فقط وهو « العب... العب... العب وتعلم»... «تمر» إلى جانب «مينى ومينيت» الذي صدر عن دار فلوروس للنشر في باريس العام 1978، «الأوزه البيضاء» عن دار الفتى العربي العام 1980، «القط يحب الغناء» العام 1983، « الفانوس والألوان» العام 1983.

أحب عدلي رزق الله الكتابة، قال إن حياته مقسومة نصفين، نصف للكلمة ونصف للفرشاة، داوم على كتابة المقالات تحت عنوان «نص تشكيلي لفنان» في كل من مجلتي الهلال وأخبار الأدب، وكتب عن أصدقائه في سيرته الذاتية وعن سائق التاكسي وضابط الجوازات، كتب خواطره وملاحظاته على حركة التشكيل المصري في القرن العشرين، كتب عن رمسيس يونان وحامد عبدالله والجزار وحامد ندا وغيرهم من الفنانين، كما صدر له «أشعار صلاح عبد الصبور ومائيات عدلى رزق الله» في العام 2001، وله سلسلة من الحكايات من بينها: «الشجرة أم الظل الكبير» و«الفانوس السحرى والألوان» و«شجرة الورد وطائر الشمال» العام 2000، «الطائر المغنى» العام 2001، «الفنان والأحلام» في بيروت العام 2004.

أحب «عم عدلي» الأدباء، فأحبوه، وحينما زاره الشاعر شعبان يوسف قبل دخوله المستشفى قال: كنت أعرف أن الناس تحبني، لكني لم أدرك مدى عمق حب الناس للتجربة التي أنجزتها قدر ما شعرت بها هذه المرة، ويصمت قليلا متأملا قبل أن يقول: أصلي عملت حاجة في حياتي مش عارف أكتبها إزاي، لقد اخترت الأدباء بكل أجيالهم ليكونوا عائلتي، لم أحب وسط الفنانين التشكيليين، لكني أحببت وسط الأدباء، أتعرف عليهم وأجلس معهم وأذهب إلى ندواتهم، فهناك أشعر أنني أتنفس، وها هم قد أحاطوني بالحب الحقيقي، اتصالاتهم لم تنقطع، جابر عصفور وسعيد الكفراوي وإبراهيم أصلان وغيرهم الكثير، والآن أنا مطلوب مني أن أقاوم مدفوعا بحب الناس لي»، ولأن عدلي رزق الله أحب الأدباء فقد أحبوه هم الآخرون، فكتبوا عنه شهادات في احتفالهم بسبعينيته، كتب عنه جمال الغيطاني:« هناك أصدقاء يمكنني تحديد اللقاء الأول بهم وهناك من يمتزجون بلحظاتنا فيصعب التمييز، ومن هؤلاء عدلي رزق الله، كنت على صلة وثيقة به عندما ذهبنا إليه في مكتبه بدار الهلال وطلبنا منه أن يصمم غلافين، الأول لكتابي والثاني لرواية يوسف القعيد الأولى.. لقد نجح إصراره وأثمرت قوة إرادته، والفضل لموهبته الفريدة، وعالمه بما فيه من رؤية فريدة للواقع، للمرأة، لتضافر عناصر الوجود، بألوان مضيئة، مشعة، مراوغة »، وكتب عنه عادل حمودة:« عدلي رزق الله الخارج عن القانون، الذي لم يبتذل يوما أعماله تحت دعاوى أكل العيش، فقد حافظ على إيمانه بأن اللوحة مقدسة عليه أن يستحم قبل أن يلامسها وأن يخلع نعليه قبل أن يدخل عليها... هو واحد ممن أنقذوا هذا الوطن من فقر الفن، وهو أشد أنواع الفقر»، وكتب زهران سلامه عن رزق الله الإنسان الفنان، وكتب أحمد نوار عن ذخيرته الحية من الجماليات، ووصفه الكاتب عبده مباشر بصديقه المسكون بالفن والجنون، واعتبره الكاتب أمجد ريان الفنان الذي يقهر الفراغ.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي