من روائع العمارة الإسلامية / جبرين... تحفة العمارة العمانية
قلعة جبرين
| المهندس جادالله فرحات* |
يعتبر الفن المعماري في أي بلد مرآة تعكس تاريخه وحضارته، وقد عانت عُمان من النزاعات الداخلية عدة قرون - شأنها في ذلك شأن أوروبا في القرون الوسطى - وتعرضت في فترات معينة من التاريخ للاحتلال من جانب قوى خارجية، فتركت هذه الاحداث مجتمعة بصماتها على الفن المعماري لعمان، فما الذي يمكننا رؤيته في حصن جبرين من معالم للفن المعماري ومن ملامح للتاريخ في عمان؟ هذا ما يحدثنا عنه هذا المقال.
ترجع جذور فن انشاء الحصون في عمان الى بداية الحياة المستقرة، عندما بدأ الانسان يتعلم كيف يزرع ويروض الحيوان، ويبني المساكن الدائمة، ويحمي كل هذا مستخدما الأسوار والأبراج.
وكان تصميم الاستحكامات الدفاعية يعتمد على أسلوب الحروب والأسلحة المستعملة فيها، وأدى ادخال الأسلحة النارية في عمان منذ أكثر من أربعمئة عام الى تغيير وجه الفن المعماري الخاص بالحصون، كما حدث في بقية أنحاء العالم.
فالمباني التي أنشئت قبل ظهور البارود كانت لمواجهة الاشتباكات بالأيدي والسيوف والرماح والنبال. ولهذا كانت تلك الأسوار المنخفضة نسبيا والأبراج غير الضخمة تكفي لأغراض الدفاع.
ويعتبر حصن جبرين - الذي أنشئ في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) - نموذجاً لذلك الارتباط التام بين التحصينات الدفاعية وأماكن السكن، فبرجاه يقعان على ركنين متقابلين، ويميلان الى الانحراف بحيث يمسح للمدافع بتغطية الأسوار وحمايتها دون أن تسبب أي دمار أو مخاطر للمبنى.
وجبرين بلدة عمانية صغيرة تبعد عن «بهلا» أكثر من عشرين كيلو متراً، الى الجنوب الغربي، وتبعد عن العاصمة مسقط حوالي 250 كيلو متراً، وهي تقع وسط سهل واسع عند نهاية السلسلة الكبرى الأولى من الجبل الأخضر.
وعندما توفي سلطان بن سيف - ثاني أئمة العياربة - بويع بعده ابنه بلعرب عام 1079 هـ / 1668 م اماما على عمان، وكان أول أئمة اليعاربة ناصر بن مرشد قد طرد البرتغاليين من مدينتي صور وقريات، ثم خلفه ابن عمه سلطان بن سيف فطرد البرتغاليين من مسقط، بل أرسل سفنه الحربية لمهاجمة عمان واستقرارها، فلما بويع من بعده ابنه بلعرب سار على نفس الطريق يبني ويعمر، وكان أعظم أعماله بناء قلعة جبرين، حيث نقل اليها عاصمته من مدينة نزوى، وذلكط عام 1670 م، أي بعد سنتين من توليه الامامة، وأقدم تاريخ وجد حتى الآن فى القصر مدون على القوس المزخرف عام 1692 م، والتاريخ المدون على القوس هو عام 1086 هـ أو 1675 م، ويعني هذا أن بناء القصر - أو على الأقل التحسينات والزخرفة والتعديلات التي أدخلت عليه - ظلت مستمرة عدة سنوات، بحيث يرى البعض أن منشآت الدفاع فى المبنى أضيفت في فترة لاحقة.
معمار الحصن:
والمبنى كما هو اليوم له شكل متوازي الأسطح، أرضه مستطيلة الشكل ( 43 × 22 متراً ) وارتفاعه يتراوح ما بين 16 الى 22 مترا، وللحصن برجان للمدفعية، يقعان شمال المبنى وجنوبه اسطوانيا الشكل، متصلان بجدار المبنى الرئيسي، وبرجان دفاعيان صغيران آخران، أحدهما فى الزاوية الغربية من السور، والآخر فى وسط الجانب الشرقي منه.
والبناء من حجارة كبيرة الحجم من الحجر الرملي القائم، مرصوصة بطين وجص، تكسوها طبقة سميكة من رمل وجص.
وهناك فلج صغير يأتي من الواحة القريبة، ويدخل من الشرق، شاقا المبنى في اتجاه من الشمال الى الجنوب الغربي، مارا بجوار قبربانيه بلعرب بن سلطان، ومن السمات الخاصة بالحجرات تلك الطاقات العالية المقسومة قسمين مختلفين تماما، فالقسم الأعلى لا تسده الا شبكة من الجص فى الجانب الخارجي تسمح بالتهوية والضوء، بينما الجزء الأسفل يكاد يكون فى مستوى أرض الحجرة، ويمكن اغلاقه بضلفتين صغيرتين من الخشب، والجزء الأوسط بين هاتين الفتحتين مسدود، وتقسمه أيضا رفوف خشبية الى جزأين، تستعمل للتخزين.
أما السقوف الخشبية فأكثرها محفور غائر مزخرف مدهون، وأغلبها محلى بكتابات من آيات قرآنية، أو أبيات شعر، والطاقة العليا ذات قوس مستدق الرأس، وباطن القوس أو الحنية تكسوه زخرفة جصية ذات أشكال هندسية، ويتم تشكيلها منفصلة، يتم لصقها فى موضعها، وما تزال هناك آثار زخارف من الأزهار مرسومة بالطلاء على التجصيص.
وفي الطابق الأرضي، وعلى امتداد الجانبين الشمالي الغربي والشمالي الشرقي، ثلاث حجرات خاصة ليس لها منفذ الى الخارج، ومما تتميز به السقوف أنها مزدانة بحلية من الجص.
أما مجلس الامام فهو موجود فى الطابق الأعلى من البناء وهو عبارة عن غرفة ذات سقف مطلي بألوان تدل على ذوق أصيل، وتطل على مناظر طبيعية أخاذة، تشمل السهول الممتدة حتى مرتفعات الجبل الأخضر الشاهقة.
وقد قامت وزارة التراث القومى والثقافة العمانية بتوجيهات من جلالة السلطان قابوس بن سعيد بترميم القصر، وتكلفت عمليات الترميم حوالي 450 ألف ريال عماني.
* امام وخطيب
يعتبر الفن المعماري في أي بلد مرآة تعكس تاريخه وحضارته، وقد عانت عُمان من النزاعات الداخلية عدة قرون - شأنها في ذلك شأن أوروبا في القرون الوسطى - وتعرضت في فترات معينة من التاريخ للاحتلال من جانب قوى خارجية، فتركت هذه الاحداث مجتمعة بصماتها على الفن المعماري لعمان، فما الذي يمكننا رؤيته في حصن جبرين من معالم للفن المعماري ومن ملامح للتاريخ في عمان؟ هذا ما يحدثنا عنه هذا المقال.
ترجع جذور فن انشاء الحصون في عمان الى بداية الحياة المستقرة، عندما بدأ الانسان يتعلم كيف يزرع ويروض الحيوان، ويبني المساكن الدائمة، ويحمي كل هذا مستخدما الأسوار والأبراج.
وكان تصميم الاستحكامات الدفاعية يعتمد على أسلوب الحروب والأسلحة المستعملة فيها، وأدى ادخال الأسلحة النارية في عمان منذ أكثر من أربعمئة عام الى تغيير وجه الفن المعماري الخاص بالحصون، كما حدث في بقية أنحاء العالم.
فالمباني التي أنشئت قبل ظهور البارود كانت لمواجهة الاشتباكات بالأيدي والسيوف والرماح والنبال. ولهذا كانت تلك الأسوار المنخفضة نسبيا والأبراج غير الضخمة تكفي لأغراض الدفاع.
ويعتبر حصن جبرين - الذي أنشئ في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) - نموذجاً لذلك الارتباط التام بين التحصينات الدفاعية وأماكن السكن، فبرجاه يقعان على ركنين متقابلين، ويميلان الى الانحراف بحيث يمسح للمدافع بتغطية الأسوار وحمايتها دون أن تسبب أي دمار أو مخاطر للمبنى.
وجبرين بلدة عمانية صغيرة تبعد عن «بهلا» أكثر من عشرين كيلو متراً، الى الجنوب الغربي، وتبعد عن العاصمة مسقط حوالي 250 كيلو متراً، وهي تقع وسط سهل واسع عند نهاية السلسلة الكبرى الأولى من الجبل الأخضر.
وعندما توفي سلطان بن سيف - ثاني أئمة العياربة - بويع بعده ابنه بلعرب عام 1079 هـ / 1668 م اماما على عمان، وكان أول أئمة اليعاربة ناصر بن مرشد قد طرد البرتغاليين من مدينتي صور وقريات، ثم خلفه ابن عمه سلطان بن سيف فطرد البرتغاليين من مسقط، بل أرسل سفنه الحربية لمهاجمة عمان واستقرارها، فلما بويع من بعده ابنه بلعرب سار على نفس الطريق يبني ويعمر، وكان أعظم أعماله بناء قلعة جبرين، حيث نقل اليها عاصمته من مدينة نزوى، وذلكط عام 1670 م، أي بعد سنتين من توليه الامامة، وأقدم تاريخ وجد حتى الآن فى القصر مدون على القوس المزخرف عام 1692 م، والتاريخ المدون على القوس هو عام 1086 هـ أو 1675 م، ويعني هذا أن بناء القصر - أو على الأقل التحسينات والزخرفة والتعديلات التي أدخلت عليه - ظلت مستمرة عدة سنوات، بحيث يرى البعض أن منشآت الدفاع فى المبنى أضيفت في فترة لاحقة.
معمار الحصن:
والمبنى كما هو اليوم له شكل متوازي الأسطح، أرضه مستطيلة الشكل ( 43 × 22 متراً ) وارتفاعه يتراوح ما بين 16 الى 22 مترا، وللحصن برجان للمدفعية، يقعان شمال المبنى وجنوبه اسطوانيا الشكل، متصلان بجدار المبنى الرئيسي، وبرجان دفاعيان صغيران آخران، أحدهما فى الزاوية الغربية من السور، والآخر فى وسط الجانب الشرقي منه.
والبناء من حجارة كبيرة الحجم من الحجر الرملي القائم، مرصوصة بطين وجص، تكسوها طبقة سميكة من رمل وجص.
وهناك فلج صغير يأتي من الواحة القريبة، ويدخل من الشرق، شاقا المبنى في اتجاه من الشمال الى الجنوب الغربي، مارا بجوار قبربانيه بلعرب بن سلطان، ومن السمات الخاصة بالحجرات تلك الطاقات العالية المقسومة قسمين مختلفين تماما، فالقسم الأعلى لا تسده الا شبكة من الجص فى الجانب الخارجي تسمح بالتهوية والضوء، بينما الجزء الأسفل يكاد يكون فى مستوى أرض الحجرة، ويمكن اغلاقه بضلفتين صغيرتين من الخشب، والجزء الأوسط بين هاتين الفتحتين مسدود، وتقسمه أيضا رفوف خشبية الى جزأين، تستعمل للتخزين.
أما السقوف الخشبية فأكثرها محفور غائر مزخرف مدهون، وأغلبها محلى بكتابات من آيات قرآنية، أو أبيات شعر، والطاقة العليا ذات قوس مستدق الرأس، وباطن القوس أو الحنية تكسوه زخرفة جصية ذات أشكال هندسية، ويتم تشكيلها منفصلة، يتم لصقها فى موضعها، وما تزال هناك آثار زخارف من الأزهار مرسومة بالطلاء على التجصيص.
وفي الطابق الأرضي، وعلى امتداد الجانبين الشمالي الغربي والشمالي الشرقي، ثلاث حجرات خاصة ليس لها منفذ الى الخارج، ومما تتميز به السقوف أنها مزدانة بحلية من الجص.
أما مجلس الامام فهو موجود فى الطابق الأعلى من البناء وهو عبارة عن غرفة ذات سقف مطلي بألوان تدل على ذوق أصيل، وتطل على مناظر طبيعية أخاذة، تشمل السهول الممتدة حتى مرتفعات الجبل الأخضر الشاهقة.
وقد قامت وزارة التراث القومى والثقافة العمانية بتوجيهات من جلالة السلطان قابوس بن سعيد بترميم القصر، وتكلفت عمليات الترميم حوالي 450 ألف ريال عماني.
* امام وخطيب