«الحوار الأميركي - الإيراني يأخذ طريقه لحل النزاعات بالطرق الديبلوماسية»

رزق لـ «الراي»: لا أحد يستطيع أن يبدّل مسار عمل المحكمة الدولية

تصغير
تكبير
|بيروت - من ريتا فرج|

يبدو وزير العدل السابق الدكتور شارل رزق غير بعيد من التجاذبات السياسية في لبنان وخارجه. ورغم أنه شديد التحفظ عن تقديم مطالعة قانونية حول المحكمة الدولية وقرارها الظني، باعتباره كان مواكباً لمرحلة تأسيسها، الا انه أجاز لنفسه الحديث الى «الراي» ولو بسرعة عن الهواجس المرتبطة بالقرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري الذي يشغل اللبنانيين اليوم.

شارل رزق الحقوقي والسياسي، لم يكن حضوره في البانوراما اللبنانية أمراً طارئاً، ففي العام 1960 عيّن مديراً عاماً للدراسات في مجلس الخدمة المدنية، وفي العام 1978 تولى إدارة «تلفزيون لبنان» زمن رئيس الجمهورية الراحل الياس سركيس، ثم أصبح وزيراً للإعلام في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ابان عهد الرئيس اميل لحود، واستقر به المقام وزيراً للعدل في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، شاهداً بذلك على أدق حقبة يمر بها لبنان، وكان من بين الذين رعوا إنشاء المحكمة الدولية وايصال قضية اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه الى أعلى منبر قضائي دولي.

القرار الظني، معادلة «سين سين»، النفوذ السوري في لبنان، الدور الايراني المتصاعد، الرهان على زعزعة العلاقة الاستراتيجية بين دمشق وطهران، المشروع العربي، الحضور التركي في ملفات العرب وهمومهم، المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية، هذه الأسئلة وغيرها حملتها «الراي» الى رزق فكان معه الحوار الآتي:



• هل تستطيع دولة عربية اقليمية تأجيل اصدار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قرارها الظني؟

- قد أكون وبكل تواضع من أكثر اللبنانيين إلماماً بالمحكمة الخاصة بلبنان، وذلك لسبب بسيط هو أنني بصفتي وزيراً للعدل آنذاك كنت المسؤول اللبناني الأول خلال مرحلة تأسيسها. ومن هذا المنطلق لا بد من التأكيد أن ما من أحد يستطيع أن يبدل مجرى سير المحكمة الدولية. طبعاً من حق من يشاء انتقادها ومعارضتها، ولكن لا يمكن احدا القول إنه يستطيع التأثير فيها وتغيير سير عملها.

• الى أي مدى يمكن محامي الدفاع في المحكمة الدولية أن يطعنوا بالقرار الاتهامي الذي سيقدمه المدعي العام دانيال بلمار خلال مرحلة المحاكمة؟

- من الوجهة القانونية الصرف، أريد التذكير بأن المحاكمة الدولية في طبيعتها سجال بين المدعي العام من جهة والدفاع من جهة أخرى. ومن حق محامي الدفاع بل من واجبهم أن يدافعوا عن موكليهم في الطرق القانونية المتاحة، وأن يحاولوا دحض القرار الاتهامي إذا لم يكن لمصلحتهم. وفي النهاية الكلمة الفصل ليست للقرار الاتهامي، ولكن للمحكمة التي قد تأخذ بالقرار أو لا تأخذ به، وهذا من البدهيات القانونية.

• معادلة «سين سين» أخرجت لبنان في فترات سابقة من حال التوتر السياسي بين قوى 8 و14 مارس. هل هذه المعادلة قادرة اليوم على تجنيب لبنان تداعيات القرار الظني؟

- لبنان اليوم ليس دولة بل هو ساحة تتقاذفها وتتقاسمها قوى متصارعة، بعض هذه القوى تابع لدول اقليمية وعلى رأسها السعودية ومصر وأخرى تتأثر بايران وسورية. هاتان القوتان الاقليميتان قررتا الهدنة بينهما، وامتدت مفاعيل هذه التهدئة الى لبنان لا سيما عقب مؤتمر الدوحة، الذي أدى الى انتخاب رئيس الجمهورية والى تشكيل حكومة تجتمع فيها الاضداد، وسيظل الوضع الداخلي اللبناني مستقراً ما دامت الهدنة بين الدولتين لا تزال مستمرة، وأي توتر بين الرياض ودمشق سيكون له انعكاسه على لبنان.

• استعادت سورية نفوذها السياسي في لبنان في شكل تدريجي بعد تسوية أوضاعها مع المجتمع الدولي اذا صح التعبير. الى أي حد تملك دمشق أوراقاً أكثر فاعلية في الملف اللبناني مقارنة مع السعودية؟

- ليس ثمة ملف لبناني بالمعنى العام، هناك قضايا مختلفة مطروحة على القوى السياسية اللبنانية، أما ان يتأثر لبنان بسورية، فهذا أمر طبيعي. وعلى رأس القضايا التي تؤثر فيها دمشق ما يسمى الخطة الاستراتيجية الدفاعية، وفي رأيي أنه مستحيل على لبنان أن ينتهج خطة دفاعية مخالفة

للرؤية السورية. والآن بعد عدوان 2006 والقرار الدولي 1701 تتجلى هذه المقولة أكثر من أي وقت مضى، بمعنى أن العمليات التي كانت تقوم بها

المقاومة ضد اسرائيل في الجنوب تحولت الى حالة استقرار، وفي الوقت نفسه تعتمد سورية التفاوض والسعي الى السلام مع اسرائيل بواسطة تركيا كوسيلة لتحرير الجولان المحتل. لذلك، يتوجب على لبنان التنسيق مع دمشق تنسيقاً كاملاً

وان ينتهج معها استراتيجية واحدة هي استراتيجية التحرير من طريق السلام.

• يراهن البعض على فكّ الارتباط الاستراتيجي بين طهران ودمشق. هل يساهم صراع ايران مع المجتمع الدولي في زعزعة هذا الرابط؟

- الخلاف على الملف النووي بين ايران من جهة والمجتمع الدولي من جهة اخرى، أساسه خوف الولايات المتحدة من أن تملك ايران قدرة نووية عسكرية. وفي اعتقادي أن طهران صادقة حين تؤكد أنها لا تنوي استعمال الطاقة النووية إلاّ لاهداف سلمية. وأظن أن النهج الذي اتخذته ايران أخيراً في بناء مفاعل بوشهر بمساعدة روسيا وبموافقة واشنطن، يشكل دليلاً على ذلك، والمجتمع الدولي لا ينكر على ايران حقها في استخدام الطاقة النووية السلمية، والقيادة الايرانية في رأيي صادقة في هذا المضمار عندما تنفي رغبتها في اعتماد الطاقة النووية لأسباب عسكرية، لادراكها أن السباق النووي يعرضها لنتائج لا تصب في مصلحتها. وفي ما يتعلق بالعلاقة مع دمشق، القيادة السورية قادرة على الجمع بين علاقتها الاستراتيجية مع الجمهورية الاسلامية وانفتاحها على بقية الدول العربية وفي مقدما المملكة العربية السعودية، ذلك أن الانتماء العربي لسورية هو من البدهيات ومن الثوابت التاريخية، ولا يتناقض مع انفتاح دمشق على مجتمعات غير عربية مجاورة لها مثل ايران وتركيا، وهذا الامر يرتبط بموقعه الجيو استراتيجي في قلب الشرق الأوسط.

• إيران اليوم دولة اقليمية تملك نفوذاً في العراق ولبنان والبحرين ودول أخرى. ما تفسيرك للنفوذ الايراني المتصاعد؟ وما أبرز المعطيات التي تدعم بها ايران نفوذها؟

- نفوذ ايران الاقليمي ليس جديداً، فقد بدأ منذ انطلاق الثورة الاسلامية العام 1979 وترافق ذلك مع تعاطف فئات واسعة في العالم العربي معها، تأثرت بايران لأسباب مختلفة. التقاء هذين المعطيين أفسح لطهران مجالاً واسعاً لنشر نفوذها في العالم العربي، وكان لبنان سبّاقاً في هذا المجال ونتج من ذلك قيام الحركة التي أطلقها سماحة الإمام المغيب موسى الصدر، الذي أعطى الطائفة الشيعية في لبنان فرصة لتأكيد أهميتها، بعيداً من استغلال الطائفية، بدليل أن عدداً كبيراً من اللبنانيين من غير المنتمين الى الطائفة الشيعية كانوا قد التفوا حول الامام الصدر، وكان ليّ الشرف أن أكون من عداد هؤلاء، ويعلم الجميع كم كنت قريباً منه.

• أين دول القرار العربي من المشروع الايراني المتنامي؟ وهل لديها مشروع مضاد؟

- القول ان لايران في المنطقة مشروعا يتعارض مع الانتماء العربي لشعوب العالم العربي يحتاج الى الكثير من التدقيق، والرهان على أن هناك فئات واسعة تتعاطف مع ايران لاسباب طائفية معينة هو رهان مرفوض كلياً، لأنه ينمّ عن التشكيك في عروبة هذه الفئات. العراق على سبيل المثال هو بلد لديه أكثرية شيعية، وما من أحد يجرؤ على التشكيك في عروبة شيعة العراق، كما أن لبنان يضم عدداً مهماً من الشيعة ولا أحد يشكك في انتمائهم الى العروبة. وصحيح أن لايران نفوذها ومشروعها، ولكن ذلك لا يعني أن شيعة العالم العربي لا ينتمون الى ارضهم وعروبتهم.

• هل ترى أن هناك فشلا للمشروع الاميركي في المنطقة خصوصاً بعد الانسحاب من العراق؟ وهل يمكن ايران أن تسدّ الفراغ الاقليمي هناك؟

- لا أرى ان هناك صراعا بين الولايات المتحدة وإيران، والحوار الاميركي - الايراني يأخذ طريقه في شكل محدد، لا سيما منذ تولي الرئيس باراك اوباما سدة الرئاسة، إذ إنه يرفض كلياً منطق التنازع والعنف الذي انتهجه سلفه جورج دبليو بوش، ويعتمد نهجاً ديبلوماسياً في مصالحة الجميع، وتحديداً في الملف الايراني. بناءّ على ذلك، وفي نهاية المطاف سوف تجد الولايات المتحدة وإيران أرضية لحل النزاعات بالطرق الديبلوماسية، في شكل يوفق بين الحقوق المشروعة للجمهورية الاسلامية من جهة وواشنطن من جهة اخرى.

• ما قراءتك للدور التركي في ملفات المنطقة، وهل يأتي

في موازاة النفوذ الايراني؟

- كما أن الثورة الإسلامية في ايران فتحت الباب لنشر نفوذها في المنطقة، كذلك انتقلت تركيا من العلمانية الاتاتوركية المتصلبة الى نهج الاعتدال الاسلامي، ما ساعدها في فتح أبواب لاستعادة نفوذها في العالم العربي. لتركيا علاقات قديمة مع الولايات المتحدة ومع الغرب، وهي عضو فاعل في حلف شمال الأطلسي، كما أن لتركيا علاقات متينة على الصعيدين الديبلوماسي والعسكري مع اسرائيل، ما يضعها على مسافة واحدة بين جميع الأطراف بما في ذلك إسرائيل والدول العربية. وقد نجحت سورية في الاستفادة من الوضع التركي الجديد عبر توظيف الدور التركي كوسيط لايجاد حل سلمي للخلاف السوري - الاسرائيلي، وبهذا فإن أنقرة قوة فاعلة لاعادة التوازن في المنطقة في شكل يخدم المصالح العربية.

• ماذا عن اعادة فتح باب المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين في ظل وجود حكومة بنيامين نتنياهو المتشددة؟

- عوامل التشاؤم في هذه المفاوضات تتخطى عوامل التفاؤل، بسبب طبيعة القيادتين الاسرائيلية من جهة والفلسطينية من جهة أخرى. القيادة الاسرائيلية اليوم قيادة يمينية، يصعب عليها تطويع مواقفها من العرب، والقيادة الفلسطينية تعتريها الخلافات بين السلطة من جهة وحماس من جهة اخرى، وهناك خطر كبير يتهدد المفاوضات ويتعلق بانتهاء المهلة التي أعطاها نتنياهو لتوسع المستوطنات الاسرائيلية، وقد ردّ عليه الطرف الفلسطيني المفاوض بأن مجرد إعادة بناء المستوطنات سيعرقل المفاوضات.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي