العروة الوثقى

تصغير
تكبير
| د. وليد محمد عبدالله العلي |

الحمد الله الذي جعل آية الكرسي عروة الآيات القرآنية، والتي زُيِّن جيدها بأنفس القلائد، فهذه معشر الأخوة والاخوات بعض معاني آية الكرسي الحافظة من اذى كل جني وأنسي، فما أعلاها من آية وبيان، وأعظمها من حجة وبرهان، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر جُمل يُصدق بعضها بعضاً في الوعظ، وحوت خمسين كلمة مثبتة ونافية شافية وكافية وآخذة بعضها بُحجز بعض.

سنتأملها معكم - بمشيئة الله تعالى - من خلال هذه الزاوية طوال شهر رمضان المبارك.





الجُملة الثانية: (الحَيُّ القَيُّومُ) (1)



لما عرف العبد حق الله تعالى في الالوهية اتبع بما هو متقرر ومعلوم، فجاءت تسمية الله تعالى باسمه الاعظم الجامع لاسمي الحي والقيوم. فهذه الجملة قد اشتملت على اسم الله الاعظم الذي من سأل به اعطي، ومن دعا به استجيب له ومن استغاث اغيث ومن استجار كفي ووقي، فعن ابي امامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ان اسم الله الاعظم في ثلاث سورٍ من القرآن: في سورة البقرة، وآل عمران، وطه) اخرجه الحاكم.

قال القاسم بن عبدالرحمن رحمه الله تعالى: (فالتمستها، انه الحي القيوم). واخرج الترمذي عن اسماء بنت يزيد رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسم الله الاعظم في هاتين الآيتين: (وإلهكم إله وحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) (سورة البقرة: الآية 163)، وفاتحة آل عمران: (الم (1) الله لا إله إلا هو الحيُّ القيوم(2)) (سورة آل عمران: الآتيان 1 - 2). لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بينهما في دعائه، ويضمنهما في استغاثته لربه ونجائه، كما اخرج الترمذي عن انس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كربه امر قال: يا حيُّ يا قيٌّوم برحمتك استغيث). وشرع لكل مسلم ان يدعو بهما في الصباح وفي المساء، وان يوصي بالمحافظة على قولهما في هذين الوقتين الابناء، فعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها: (ما يمنعك ان تسمعي ما اوصيك به: ان تقولي إذا اصبحت واذا امسيت: يا حيُّ يا قيٌّوم، برحمتك استغيث، اصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عينٍ) اخرجه النسائي في سننه الكبرى والحاكم في مستدركه. ومن جمع بين هذه الاسمين الكريمين في دعواته فقد هدي للاصابة: فقمن إذا اسأل ان يُعطى واذا دعا ان يفتح لدعائه باب الاجابة، فعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، ورجلٌ قائمٌ يصلي، فلما ركع وسجد وتشهد: دعا، فقال في دعائه: اللهم اني اسألك بان لك الحمد، لا إله الا انت، المنّان بديع السماوات والارض، يا ذا الجلال والاكرام، يا حي يا قيوم، اني اسألك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه: تدرون بما دعا؟ قالوا: الله ورسوله اعلم. قال: والذي نفسي بيده، لقد دعا الله باسمه العظيم، الذي إذا دعي به اجاب، واذا سئل به اعطى) اخرجه احمد والنسائي.

قال بقية بن الوليد رحمه الله تعالى: (كنّا مع ابراهيم بن ادهم رحمه الله تعالى في البحر، فهاجت ريحٌ، واضطربت السفينة وبكوا، فقلنا: يا ابا اسحاق، ما ترى؟ فقال: يا حي، حين لا حيُّ، ويا حيَّ، قبل كل حيُّ، ويا حيُّ بعد كل حيٍّ، يا حيُّ يا قيٌّوم، يا محسن، يا مجمل، قد اريتنا قدرتك، فارنا عفوك، فهدأت السفينة من ساعته). ووجه ذلك ان اسم الجلالة (الحيَّ) يتضمن الدلالة على جميع الصفات الذاتية، وهي الصفات التي اتصف بها الرب تعالى فلا تنفك بحال من الاحوال عن الذات العلية، كصفة علمه وعلوه وارادته، وسمعه وبصره ويده وقدرته. فالله سبحانه وتعالى هو الحيُّ الموصوف بالبقاء، فحياته دائمة لم يتقدمها عدم ولا يلحقها فناء.

فاقرار العبد بحياة ربه تبارك وتعالى يستلزم الايمان بانه سميع لجميع الاقوال، وانه عليم بالظاهر والباطن وخبير بالغيب والشهادة وبصير بجميع الافعال.

ويدرك بان الحي سبحانه وتعالى كما يحيي الارض بعد موتها بوابل السماء: فانه يحيي القلب بعد موته ليستوي على عرش مملكته فيتصرف امرا ونهيا بالاعضاء.





* استاذ العقيدة بكلية الشريعة

جامعة الكويت
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي