مقال / في البراري... في الحياة!

تصغير
تكبير
| إبراهيم صموئيل |

لم يكن ما شاهدته على شاشة التلفزيون فيلماً سينمائياً قصيراً أو طويلاً، وإنما هو شريط قام بالتقاط مشاهده أحد هواة الفيديو المنزلي (كما يبدو جلياً من حركة الكاميرا) أثناء تجواله في إحدى محميات الحيوانات الواسعة، وفي التصوير يظهر قطيع لنوعٍ من أنواع الثيران البرية تمشي ببطء على ضفة نهر متجهة نحو بقعة طعام أو قاصدة جهة ما.

عندما تتحرك الكاميرا إلى الجهة المقابلة لوجهة الثيران، نلحظ مجموعة أسودٍ (يقارب عددها الخمسة) تلطأ منبطحة على الأرض، وقد راحت تتحفز بحركات متعددة، شاخصة ببصرها الحاد نحو القطيع المقبل باتجاهها. لم يبدُ على قطيع الثيران، للوهلة الأولى، أنه متنبّه لوجود الأسود في طريقه على مبعدة منه، ولذا كان يمشي هادئاً مطمئناً حتى وصل إلى مسافة محدّدة، فتوقّف فجأة وبدأت الثيران ترفع خياشيمها كأنها اشتمت رائحة خطر.

في تلك اللحظة تقابلت نظرات الأسود مع نظرات القطيع، فعمَّ السكون وتوقفت الحركة من الجهتين تماماً للحظة، تلتها على الفور قفزة من إحدى اللبوات في اتجاه قطيع الثيران قاصدة ثوراً صغيراً كان بدوره قد استدار مع أفراد القطيع هامّاً بالهرب، غير أن اللبوة كانت أسرع منه وأمهر، فانقضت عليه وبطحته أرضاً فيما واصل باقي القطيع هربه.

تجمّعت الأسود الخمسة على الثور الصغير، وراح اثنان منها يسحبانه إلى الخلف، لكنه فجأة، وفيما يتخبّط للتخلص والنجاة، انزلق إلى مياه النهر. لحقت به الأسود، وهو لا يزال على حافة الماء، تحاول شدّه إلى اليابسة.

بدا واضحاً أن إخراجه من المياه ليس سهلاً، خصوصاً وأن المصير البائس لهذا الثور الصغير قد حظَّه بتمساح أمسك بقدمه وراح يشدّه من مخالب الأسود المتشبثة به نحو وسط النهر. وبعد تنازع يُرثى له حقاً بين المفترسين، خاب التمساح وتمكّن أسدان من سحب الثور إلى الضفة على مبعدة من المياه، وما كادا ينكبّان عليه ويطبقان أنيابهما على عنقه، حتى بدت طلائع قطيع الثيران المتزاحمة وهي تتجه نحو تجمّع الأسود بشيء من السرعة والعزم والغضب.

الأسود المنكبّة على الثور الصغير تنبّهت على وقع الحوافر الهائجة فرفعت رؤوسها من غير أن تفلت مخالبها عن جسد الثور. واصل القطيع تقدّمه بثبات، وسارع اثنان منه، كانا الأضخم في القطيع، نحو تجمّع الأسود التي فزعت في البداية ثم راحت تتفرق في اتجاهات شتى وهي تشهد كيف يُطاح بأحدها في الهواء بنطحة عنيفة من قرني ثور فيتلوّى قليلاً ثم يسقط أرضاً، لنُباغت من مفارقات الأقدار بنهوض الثور الصغير على قوائمه المرتجفة، وإسراعه نحو القطيع وانضمامه إليه.

لم يحنْ أجل الثور الصغير كما يبدو!

أغرب من ذلك، رغم هرب الثور الصغير وانخراطه بين أفراد القطيع الضخم واختفائه عن النظر، فقد ظلت الثيران واقفة في مكانها، تمدُّ أعناقها وتخور وجهاً لوجه أمام مجموعة الأسود التي بدت مذعورة، تراوح في أمكنتها وتدور، لا تهاجم ولا تفر، إلى أن اندفعت ثلاثة ثيران ضخمة، طويلة القرون، واندفعت خلفها باقي ثيران القطيع، في مشهد لا يمكن أن يُنسى ولا أن يمحى من الذاكرة: الثيران تهرول خلف الأسود، منكسة رؤوسها نحو الأرض، ومصوّبة قرونها الحادّة.. فيما الأسود تفر فزعة في اتجاهات عدّة، وهي تتلفت بين الحين والآخر، ساعية للنجاة بنفسها، قبل أن يدركها الموت المحقق الراكض خلفها!

لم يكن فيلماً سينمائياً طويلاً ولا قصيراً، ولا هو سيناريو كُتب لشاشة تلفزيون، كان مشهداً واقعياً صوّره هاوٍ في محمية، يمكن لنا أن نصادف ما يماثله في محميات أخرى وغابات عديدة منتشرة في العالم.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي