مفكرون خلف القضبان (2) / وضع كتابا عن تجربته الفريدة خلف أسوار السجن (2 من 2)
العقاد... مبدع شجاع لا يهاب الصعاب
العقاد في مكتبه
| القاهرة - من حنان عبدالهادي |
السجن قد يقيد الأجساد، لكنه حتماً لن يقيد الأرواح، ولن يكبح جماح بركان الابداع، بل قد يضاعف ثورتها وفورانها، ويزيد اشتعالها.
وهذا ما حدث مع نخبة من المفكرين والكتاب والصحافيين والادباء والشعراء والمبدعين والعرب وغير العرب، الذين اقتيدوا الى السجن، في عهود متباينة، لاسباب سياسية في الغالب، وفكرية وثقافية ودينية أحياناً، أغلبها مفتعلة، تنحصر في عدم تأييدها لمواقف الأنظمة من قضايا داخلية أو خارجية.
وبالرغم من صور الذل والاهانة والقمع، التي تعرض لها أبطال هذه السلسلة من حلقات «مفكرون خلف القضبان» - التي تنشرها «الراي» تباعاً في «فوانيس رمضان» فإنهم لم يركنوا أو يخنعوا أو يخضعوا أو «يبيعوا القضية»، بل ظلوا صامدين على آرائهم ومواقفهم، كما أن ينابيع الابداع ازدادت تدفقاً، فأثمرت أعمالاً، يتضاعف لمعانها وبريقها بتقادم السنين.
وفي هذه الحلقات نعرض لـ15 شخصية مصرية وعربية، من الرجال والنساء، زج بهم خلف القضبان لأسباب سياسية بحتة، ونعرض جانباً من معاناتهم ومأساتهم «وهذا هو الجانب المظلم»، أما الجانب المضيء، فيتجلى في أن تلك الشخصيات، استفادت من محنتها في انتاج وابداع روايات وقصص وأشعار وكتب، تبقى عنواناً مهماً لحقبة من تاريخ هذا الوطن، كما تبقى عنواناً على ان قائمة الابداع أعلى وأطول من أسوار السجون، حتى لو عانقت السماء.
روى التابعي ما سمعه في السجن عن العقاد حيث قال عنه «كان العقاد يرحمه الله شجاعا شديد الاعتزاز بنفسه، عمره ما طأطأ رأسه أمام مخلوق، وقف في مجلس النواب مرة وصاح بصوت جهوري: ان هذا المجلس مستعد لان يسحق أكبر رأس في الدولة... وهاج المجلس وعلا الصياح بين استحسان واستنكار ودق رئيس الجلسة المرحوم ويصا واصف الذي كان يومئذ رئيسا لمجلس النواب منضدة الرياسة بيده دقا عنيفا وهو يصيح «لا... لا... لا... انا لا أسمح بهذا... وأمر سكرتارية المجلس بعدم اثبات ما قاله عباس العقاد في محضر الجلسة.
وسرد التابعي ما حدث بعد رفع الجلسة حين قال: «ولم يكد رئيس مجلس النواب يستقر في مكتبه حتى دق جرس التلفون وكانت «السراي» على الخط... صاحب الجلالة الملك يستدعي فورا معالي رئيس مجلس النواب لمقابلته، وتمت المقابلة، وسمعنا بعدها شيئا مما دار بين أحمد فؤاد والمرحوم ويصا واصف، سأله أحمد فؤاد عما حدث في جلسة اليوم، وأراد ويصا ان يهون من الأمر وان يهدئ من غضب «رئيس الدولة» فقال ما معناه: ان عباس العقاد أحد عبيد مولانا المخلصين، وقال أحمد فؤاد... ولكنه عبد خطر، أو كلاما بهذا المعنى، وحققت النيابة العمومية مع عباس محمود العقاد وانتهى التحقيق بتوجيه تهمة العيب في الذات الملكية الى النائب الجريء الشجاع.
مثُل العقاد أمام محكمة الجنايات وتأجلت القضية مرارا بناء على طلب الدفاع، وكان الدفاع يريد ان تنظر القضية أمام دائرة أخرى غير هذه الدائرة التي كانت معروفة بقسوة أحكامها، وبان رئيسها كان على صلات طيبة مع كبار رجال السراي أي كبار حاشية أحمد فؤاد - ونجح الدفاع في خطته ونظرت قضية العقاد أمام دائرة أخرى، وصدر الحكم بالحبس مع الشغل 9 أشهر.
تحدث التابعي عن دخول العقاد السجن وأحاسيسه في تلك الفترة «دخل العقاد السجن سجن مصر أو «قرة ميدان»، كما ما هو معروف عند سواد الشعب «آنذاك» دخله في فصل الشتاء والبرد، وشكا العقاد من شدة البرد، وقال انه مريض، وجاء طبيب من مصلحة السجون وأيد العقاد في شكواه، أما زنزانة العقاد فقد كان مثلها مثل سائر حجرات وغرف السجن... ذات نافذة مفتوحة الا من القضبان الحديد... ما دفع الى عمل مكاتبات ومفاوضات بين مصلحة السجون ووزارة الحقانية «العدل» التي كانت السجون تتبعها في ذلك الوقت... ووافق معالي الوزير على تغطية النافذة بألواح من الزجاج تفتح وتغلق حسب الحاجة.
ذكر التابعي انه ذات يوم ذهب معالي الوزير - وكان الرئيس السابق المرحوم علي ماهر باشا يزور سجن مصر وفتح الحارس باب زنزانة العقاد، وهو يعلن بصوت عالٍ «معالي الوزير»... وان العقاد متمدد فوق فراشه، وهنا تعمد العقاد رحمه الله ان يضع ساقا فوق ساق... وان تكون قدماه في وجه معالي الوزير، ولم ينهض تحية واحتراما للزائر الكبير، وقال علي ماهر رحمه الله وكان يقف وراءه بعض كبار موظفي مصلحة السجون وضباط السجن، وقال «نهارك سعيد يا أستاذ عقاد»... لم يرد العقاد... وعاد وزير الحقانية يسأل: لك طلبات يا أستاذ عقاد؟ وكان هناك سكون وعدم رد... وانصرف الوزير وأغلق الحارس باب الزنزانة».
يوم الافراج احتفظ العقاد في ذاكرته بصورة السجن ومن خلاله جسد اللحظات التي قضاها على مدار الأشهر التسعة في كتابه «عالم السدود والقيود» الذي صور فيه - أيضا - مشاعره يوم الافراج عنه ومعاناته خلال تلك الأشهر، كانت الأشهر السجن بالنسبة لعملاق الأدب العقاد هي أقسى التجارب التي مرت عليه، لكنه عبر عن تجربته من خلال تجارب أخرى عانى أصحابها من قسوة السجن وكان العقاد يريد ان يقول رغم المعاناة والقسوة، فلابد ان يكون العقل والتحليل أوليا في السرد من العاطفة لاستخلاص التجارب والعبر من خلال ما نلاقيه من آلام.
النقاش... ينتقد الكتاب
فسر الناقد المرحوم رجاء النقاش - في أحد مقالاته - اعتماد العقاد في سرده لمشاعره في كتاب «عالم السدود والقيود» على العقل، حيث أرجع ذلك الى ان العقاد في عام صدور الكتاب العام 1937 كان يسعى للصلح مع الرجعية «الملك وأحزاب الأقلية» التي كانت معركته معها سببا في سجنه، فبدأ صلحه معها بهذا الكتاب الغريب، وحرص على ألا يذكر موقفه في البرلمان ضد الملك فؤاد، ولا كتاباته الثورية المتطرفة ضد الرجعية، ولا حقيقة المحاكمة الارهابية، وبذلك حاول العقاد ان يطمس صفحة من أغلى صفحات تاريخه الوطني والسياسي في سبيل صلحه مع الرجعية، كأنه يطلب منها الغفران، ويقدم شهادة ميلاد جديدة له، يريد بها ان تنسى الرجعية ماضيه وتغفره في اللحظة ذاتها.
لكن تفسير النقاش يُعد غريبا وبعيدا عن شخصية العقاد التي ترفض الاستكانة وتأبى الهوان حتى ان بعض المقربين للعقاد كانوا يؤكدون انه يرفض ان يكتب مشاعره الحقيقية لانه يرفض الشفقة من أحد عليه من خلال وصفه لمشاعره الحقيقية، ودائما ما يشعر بالكرامة والإباء، وذلك دفعه لاعمال العقل والتحليل في كتابه «عالم السدود والقيود»... لان العقاد لم يمدح الرجعية وأحزاب الأقلية ورجال الحكم بكلمة واحدة في هذا الكتاب، والكتاب يعد نقطة سوداء في وجه الرجعية، حيث أشار فيه الى ان المحاكمة وان لم يفصل القول فيها «لكن تبقى ان المحصلة النهائية هي ان الحكم كان ظالما».
السجن قد يقيد الأجساد، لكنه حتماً لن يقيد الأرواح، ولن يكبح جماح بركان الابداع، بل قد يضاعف ثورتها وفورانها، ويزيد اشتعالها.
وهذا ما حدث مع نخبة من المفكرين والكتاب والصحافيين والادباء والشعراء والمبدعين والعرب وغير العرب، الذين اقتيدوا الى السجن، في عهود متباينة، لاسباب سياسية في الغالب، وفكرية وثقافية ودينية أحياناً، أغلبها مفتعلة، تنحصر في عدم تأييدها لمواقف الأنظمة من قضايا داخلية أو خارجية.
وبالرغم من صور الذل والاهانة والقمع، التي تعرض لها أبطال هذه السلسلة من حلقات «مفكرون خلف القضبان» - التي تنشرها «الراي» تباعاً في «فوانيس رمضان» فإنهم لم يركنوا أو يخنعوا أو يخضعوا أو «يبيعوا القضية»، بل ظلوا صامدين على آرائهم ومواقفهم، كما أن ينابيع الابداع ازدادت تدفقاً، فأثمرت أعمالاً، يتضاعف لمعانها وبريقها بتقادم السنين.
وفي هذه الحلقات نعرض لـ15 شخصية مصرية وعربية، من الرجال والنساء، زج بهم خلف القضبان لأسباب سياسية بحتة، ونعرض جانباً من معاناتهم ومأساتهم «وهذا هو الجانب المظلم»، أما الجانب المضيء، فيتجلى في أن تلك الشخصيات، استفادت من محنتها في انتاج وابداع روايات وقصص وأشعار وكتب، تبقى عنواناً مهماً لحقبة من تاريخ هذا الوطن، كما تبقى عنواناً على ان قائمة الابداع أعلى وأطول من أسوار السجون، حتى لو عانقت السماء.
روى التابعي ما سمعه في السجن عن العقاد حيث قال عنه «كان العقاد يرحمه الله شجاعا شديد الاعتزاز بنفسه، عمره ما طأطأ رأسه أمام مخلوق، وقف في مجلس النواب مرة وصاح بصوت جهوري: ان هذا المجلس مستعد لان يسحق أكبر رأس في الدولة... وهاج المجلس وعلا الصياح بين استحسان واستنكار ودق رئيس الجلسة المرحوم ويصا واصف الذي كان يومئذ رئيسا لمجلس النواب منضدة الرياسة بيده دقا عنيفا وهو يصيح «لا... لا... لا... انا لا أسمح بهذا... وأمر سكرتارية المجلس بعدم اثبات ما قاله عباس العقاد في محضر الجلسة.
وسرد التابعي ما حدث بعد رفع الجلسة حين قال: «ولم يكد رئيس مجلس النواب يستقر في مكتبه حتى دق جرس التلفون وكانت «السراي» على الخط... صاحب الجلالة الملك يستدعي فورا معالي رئيس مجلس النواب لمقابلته، وتمت المقابلة، وسمعنا بعدها شيئا مما دار بين أحمد فؤاد والمرحوم ويصا واصف، سأله أحمد فؤاد عما حدث في جلسة اليوم، وأراد ويصا ان يهون من الأمر وان يهدئ من غضب «رئيس الدولة» فقال ما معناه: ان عباس العقاد أحد عبيد مولانا المخلصين، وقال أحمد فؤاد... ولكنه عبد خطر، أو كلاما بهذا المعنى، وحققت النيابة العمومية مع عباس محمود العقاد وانتهى التحقيق بتوجيه تهمة العيب في الذات الملكية الى النائب الجريء الشجاع.
مثُل العقاد أمام محكمة الجنايات وتأجلت القضية مرارا بناء على طلب الدفاع، وكان الدفاع يريد ان تنظر القضية أمام دائرة أخرى غير هذه الدائرة التي كانت معروفة بقسوة أحكامها، وبان رئيسها كان على صلات طيبة مع كبار رجال السراي أي كبار حاشية أحمد فؤاد - ونجح الدفاع في خطته ونظرت قضية العقاد أمام دائرة أخرى، وصدر الحكم بالحبس مع الشغل 9 أشهر.
تحدث التابعي عن دخول العقاد السجن وأحاسيسه في تلك الفترة «دخل العقاد السجن سجن مصر أو «قرة ميدان»، كما ما هو معروف عند سواد الشعب «آنذاك» دخله في فصل الشتاء والبرد، وشكا العقاد من شدة البرد، وقال انه مريض، وجاء طبيب من مصلحة السجون وأيد العقاد في شكواه، أما زنزانة العقاد فقد كان مثلها مثل سائر حجرات وغرف السجن... ذات نافذة مفتوحة الا من القضبان الحديد... ما دفع الى عمل مكاتبات ومفاوضات بين مصلحة السجون ووزارة الحقانية «العدل» التي كانت السجون تتبعها في ذلك الوقت... ووافق معالي الوزير على تغطية النافذة بألواح من الزجاج تفتح وتغلق حسب الحاجة.
ذكر التابعي انه ذات يوم ذهب معالي الوزير - وكان الرئيس السابق المرحوم علي ماهر باشا يزور سجن مصر وفتح الحارس باب زنزانة العقاد، وهو يعلن بصوت عالٍ «معالي الوزير»... وان العقاد متمدد فوق فراشه، وهنا تعمد العقاد رحمه الله ان يضع ساقا فوق ساق... وان تكون قدماه في وجه معالي الوزير، ولم ينهض تحية واحتراما للزائر الكبير، وقال علي ماهر رحمه الله وكان يقف وراءه بعض كبار موظفي مصلحة السجون وضباط السجن، وقال «نهارك سعيد يا أستاذ عقاد»... لم يرد العقاد... وعاد وزير الحقانية يسأل: لك طلبات يا أستاذ عقاد؟ وكان هناك سكون وعدم رد... وانصرف الوزير وأغلق الحارس باب الزنزانة».
يوم الافراج احتفظ العقاد في ذاكرته بصورة السجن ومن خلاله جسد اللحظات التي قضاها على مدار الأشهر التسعة في كتابه «عالم السدود والقيود» الذي صور فيه - أيضا - مشاعره يوم الافراج عنه ومعاناته خلال تلك الأشهر، كانت الأشهر السجن بالنسبة لعملاق الأدب العقاد هي أقسى التجارب التي مرت عليه، لكنه عبر عن تجربته من خلال تجارب أخرى عانى أصحابها من قسوة السجن وكان العقاد يريد ان يقول رغم المعاناة والقسوة، فلابد ان يكون العقل والتحليل أوليا في السرد من العاطفة لاستخلاص التجارب والعبر من خلال ما نلاقيه من آلام.
النقاش... ينتقد الكتاب
فسر الناقد المرحوم رجاء النقاش - في أحد مقالاته - اعتماد العقاد في سرده لمشاعره في كتاب «عالم السدود والقيود» على العقل، حيث أرجع ذلك الى ان العقاد في عام صدور الكتاب العام 1937 كان يسعى للصلح مع الرجعية «الملك وأحزاب الأقلية» التي كانت معركته معها سببا في سجنه، فبدأ صلحه معها بهذا الكتاب الغريب، وحرص على ألا يذكر موقفه في البرلمان ضد الملك فؤاد، ولا كتاباته الثورية المتطرفة ضد الرجعية، ولا حقيقة المحاكمة الارهابية، وبذلك حاول العقاد ان يطمس صفحة من أغلى صفحات تاريخه الوطني والسياسي في سبيل صلحه مع الرجعية، كأنه يطلب منها الغفران، ويقدم شهادة ميلاد جديدة له، يريد بها ان تنسى الرجعية ماضيه وتغفره في اللحظة ذاتها.
لكن تفسير النقاش يُعد غريبا وبعيدا عن شخصية العقاد التي ترفض الاستكانة وتأبى الهوان حتى ان بعض المقربين للعقاد كانوا يؤكدون انه يرفض ان يكتب مشاعره الحقيقية لانه يرفض الشفقة من أحد عليه من خلال وصفه لمشاعره الحقيقية، ودائما ما يشعر بالكرامة والإباء، وذلك دفعه لاعمال العقل والتحليل في كتابه «عالم السدود والقيود»... لان العقاد لم يمدح الرجعية وأحزاب الأقلية ورجال الحكم بكلمة واحدة في هذا الكتاب، والكتاب يعد نقطة سوداء في وجه الرجعية، حيث أشار فيه الى ان المحاكمة وان لم يفصل القول فيها «لكن تبقى ان المحصلة النهائية هي ان الحكم كان ظالما».