الرجل الثاني في حياة العظماء والمشاهير (2) / حارب مع الرسول في معظم غزواته (2 من 2)
أبوبكر الصدّيق... سيرة إيمانية عطرة
مسجد أبي بكر الصديق
| القاهرة من محمد عبدالفتاح |
في تاريخ كل أمة رجال عظماء قادوا النضال والكفاح في سبيل تحرير أوطانهم والوصول بها إلى بر الأمان... واستطاعوا بما لديهم من قدرات خاصة وموهبة في القيادة وشجاعة وإقدام أن يحققوا أهداف وطموحات شعوبهم، وأيضا نجوم ومشاهير قدموا الكثير وحفروا أسماءهم في ذاكرة الناس وصفحات التاريخ كل في مجاله، فنالوا كل تكريم واحترام وحفظهم التاريخ في ذاكرته.
وفي حياة كل عظيم «رجل ثان» كان معه يشد من أذره ويسانده ويدعمه ويقف بجواره في أصعب المواقف وأحرج اللحظات وكان له بمثابة الذراع اليمنى... ومن هؤلاء من اكتفى بهذا الدور وارتضى أن يظل دائما في الظل وربما ينساه التاريخ، ومنهم من أراد أن يحقق ذاته هو الآخر وأن يقفز إلى مكانة الرجل الأول ووصل بعضهم بالفعل إلى هذه المكانة، ولكنهم احتفظوا بولائهم واحترامهم لزعمائهم، وساروا على دربهم وأكملوا مسيرتهم... ومنهم من ضعف إيمانه وانساق وراء شيطانه وانقلب على زعيمه فقتله أو عزله واحتل مكانه ليحقق ذاته أو عن اقتناع منه بأنه هو السبب في كل ما تحقق من إنجازات، ومن ثم يرى نفسه الأحق باحتلال الصدارة.
«الراي» في سلسلة حلقات «الرجل الثاني في حياة العظماء والمشاهير... رجل ثان» تلقي الضوء على حياة هؤلاء الرجال وكيف كانوا سببا في ما وصل إليه بعض العظماء من مجد وشهرة بفضل مساندتهم المخلصة لهم. وكيف تحول بعضهم إلى عظماء هم أيضا وصنعوا لأنفسهم تاريخا لا يقل عن تاريخ العظماء الذين اتبعوهم في بداية حياتهم .
كما ترصد في دقة تفاصيل العلاقة التي تجمع بين الاثنين من البداية وحتى النهاية، وتستعرض مسيرة الرجل الثاني منذ ولادته، وكيف تعرف على الرجل الأول أو زعيمه، والاسباب التي دفعته للانضمام إليه ومرافقته كفاحه الطويل ، وبعض المواقف التي برز دوره فيها بوضوح.
وخلال «15» حلقة نتناول عددا من الشخصيات المؤثرة في التاريخ سواء في أوطانهم أو على المستوى العالمي... منهم الساسة والقادة العسكريون ورجال الفكر والأدب.
كذلك تعرض الحلقات لبعض قصص النجاح في الوسط الفني التي كان الرجل الثاني فيها سببا مباشرا في سطوع نجم الفنان وبلوغه قمة المجد والشهرة.
لم يذكر التاريخ صديقا مخلصا، وداعما قويا لصديقه... مثل أبي بكر الصديق- رضي الله عنه - الذي آمن بالرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - وبرسالته، ووقف بجواره وآزره وناصره الى ان أظهر الله دينه... وطوال فترة الرسالة كان شريكا أساسيا للنبي في غزواته وفتوحاته، ولم يبخل يوما بماله فجاد به كله في سبيل الله، وكان بحق نعم الصديق والرفيق لرسول الاسلام، وفي شأنه نزل قرآن يتلى الى يوم القيامة... حيث قال تعالى «إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ اذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ اذْ هُمَا فِي الْغَارِ اذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ انَّ اللَّهَ مَعَنَا» «سورة التوبة».
وأبوبكر الصديق هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن كعب التيمي القرشي... ولد سنة 51 قبل الهجرة الموافقة للعام 573 الميلادي، أي بعد عام الفيل بنحو 3 سنوات، ويلتقي في نسبه مع النبي محمد بن عبد الله عند مرة بن كعب، وينسب الى «تيم قريش»، فيقال: «التيمي».
أما أمه - بحسب كتب التاريخ - فهي أم الخير سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم... وقيل انها كانت لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة، فقالت: «اللهم ان هذا عتيقك من الموت، فهبه لي»؛ ويقال ان هذا سبب تسميته بالعتيق، ويرُوى ان اسمه كان قبل الاسلام عبد الكعبة ؛ وحين أسلم سماه النبي عبدالله... وكانت أمه «أم الخير» من أوائل النساء اسلاما.
نشأ أبوبكر في مكة، ولما جاوز عمر الصبا عمل بزازا - أي بائع ثياب - ونجح في تجارته وحقق من الربح الكثير. وكانت تجارته تزداد اتساعا فكان من أثرياء قريش، ومن ساداتها ورؤسائها. تزوج في بداية شبابه قتيلة بنت عبد العزى، ثم تزوج من أم رومان بنت عامر بن عويمر. كان يعرف برجاحة العقل ورزانة التفكير، وأعرف قريش بالانساب. وكانت له الديات قبل الاسلام. وكان ممن حرّموا الخمر على انفسهم في الجاهلية ولم يعبد الأصنام كما كان يفعل أهل مكة.
إسلامه
تختلف الروايات حول اسلام أبي بكر... وجاء الطبري في تاريخه بأقوال مختلفة، ولكن يؤمن المسلمون السنة بروايات تقول انه أول من أسلم من الذكور البالغين... وروي عن ابن اسحاق انه الوحيد الذي أسلم من دون تردد وصدق دعوة محمد على الفور، لذا لقب بالصديق.
وورد في قصة اسلامه - رضي الله عنه - انه رأى يوما في منامه وهو في الشام ان الشمس والقمر نزلا في حِجره، فأخذهما بيده وضمهما الى صدره وأسبل عليهما رداءه، ثم انتبه من نومه فذهب الى راهب يسأله عن الرؤيا، فقال الراهب: من أين انت؟ قال: من مكة. فقال: وما شانك؟ قال: التجارة. فقال له الراهب: «يخرج في زمانك رجلٌ يقال له محمد الأمين تتبعه، ويكون من قبيلة بني هاشم وهو نبي آخر الزمان، وانت تدخل في دينه وتكون وزيره وخليفته من بعده، قد وجدتُ نعته وصفته في التوراة والزبور».
فلما سمع سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه - صفة النبي ونعته ـ صلى الله عليه وسلم - رق قلبه واشتاق الى رؤيته، وما لبث ان رأى رسول الله وأسلم بين يديه، فكان أول من أسلم من الرجال.
ويعرّف في التراث السني بأبي بكر الصديق، لانه صدّق محمدا في قصة الاسراء والمعراج، وأيد جميع أقوال النبي على مرآى ومسمع من جميع قادة قريش، وقال مقولته المشهورة: «لو كان قد قال... فقد صدق»... وهي المقولة التي أذهلت المشركين وأغضبتهم، وقيل لانه كان يصدق النبي في كل خبر يأتيه من دون مناقشة أو مجادلة.
وبعد ان أسلم أبوبكر الصديق وهب حياته لخدمة الاسلام، وساند النبي في دعوته الى دين الله، مستغلا مكانته الكبيرة في قريش وحبهم له، فأسلم علي يديه الكثير، منهم 5 من العشرة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، والزُّبير بن العوَّام، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيدالله، وقام بشراء وعتق الكثير ممن أسلم من العبيد المستضعفين الذين قاسوا من العذاب ألوانا على أيدي ساداتهم من كفار قريش، منهم: بلال بن رباح. وقد قاسى أبوبكر نفسه من تعذيب واضطهاد قريش للمسلمين، فتعرض للضرب والتعذيب حين خطب في القريشيين، وحين دافع عن محمد لما اعتدى عليه الوثنيون... فقد دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة واجتمع المشركون عليه وسألوه عن آلهتهم وهو لا يكذب، فأخبرهم فاجتمعوا عليه يضربونه، وجاء الصريخ أبا بكر يقول له: أدرك صاحبك فأسرع أبوبكر اليه وجعل يخلصه من أيديهم.
هجرته
لما أذن الله - عز وجل - لنبيه بالهجرة الى المدينة... أمر - صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه ان يهاجروا، وجعل أبابكر يستأذنه في الهجرة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يمهله ويقول له: «لا تعجل لعلّ الله يجعل لك صاحبا»، وظل أبوبكر منتظرا قرار الهجرة، وجهز راحلتين لهذا الغرض واستأجر عبدالله بن أرقد من بني الديل بن بكر، وكان مشركا ليدلهما على الطريق، ولم يعلم بخروجهما غير علي بن أبي طالب وآل أبي بكر... حتى نزل جبريل -عليه السلام- على النبي وأخبره ان قريشا قد خططت لقتله، وأمره ألا يبيت ليلته بمكة وان يخرج منها مهاجرا، فخرج النبي -صلي الله عليه وسلم - وفتيان قريش وفرسانها محيطون ببيته ينتظرون خروجه ليقتلوه، ولكن الله أخذ أبصارهم فلم يروه، وذهب - صلى الله عليه وسلم - الى بيت أبي بكر - وكان نائما فأيقظه - وأخبره ان الله قد أذن له بالهجرة.
تقول عائشة: «لقد رأيت أبا بكر عندها يبكي من الفرح»، ثم خرجا فاختفيا في غار ثور، واجتهد المشركون في طلبهما حتى شارفوا الغار، وقال أبوبكر: لو ان أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال له النبي- صلي الله عليه وسلم : «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»، وأقاما في الغار 3 أيام ثم انطلقا، وكان أبو بكر أعرف بالطريق، وكان الناس يلقونهما فيسألون أبا بكر عن رفيقه فيقول: «انه رجل يهديني الطريق».
واستمرا في طريقهما حتى بلغا المدينة، واستقبل الصحابة مهاجرين وانصارا رسول الله وصاحبه بسرورٍ وفرحٍ عظيمين، وانطلق الغلمان والجواري ينشدون الانشودة الشهيرة: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع.
وعاش أبوبكر في المدينة طوال فترة حياة النبي وشهد معه الكثير من المشاهد، تقول الروايات انه ممن حاولوا اقتحام حصن اليهود في غزوة خيبر، وانه ممن ثبتوا مع النبي في معركة «حنين» حين انفض عنه المسلمون خوفا وتفرقوا، كذلك يقال انه حامل الراية السوداء في غزوة «تبوك»، حيث كانت هناك رايتان احداهما بيضاء وكانت مع الانصار والأخرى سوداء، وقد اختلفت الروايات على حاملها فقيل علي بن أبي طالب وقيل أبو بكر. تزوج من حبيبة بنت زيد بن خارجة فولدت له أم كلثوم، ثم تزوج من أسماء بنت عميس فولدت له محمدا.
في تاريخ كل أمة رجال عظماء قادوا النضال والكفاح في سبيل تحرير أوطانهم والوصول بها إلى بر الأمان... واستطاعوا بما لديهم من قدرات خاصة وموهبة في القيادة وشجاعة وإقدام أن يحققوا أهداف وطموحات شعوبهم، وأيضا نجوم ومشاهير قدموا الكثير وحفروا أسماءهم في ذاكرة الناس وصفحات التاريخ كل في مجاله، فنالوا كل تكريم واحترام وحفظهم التاريخ في ذاكرته.
وفي حياة كل عظيم «رجل ثان» كان معه يشد من أذره ويسانده ويدعمه ويقف بجواره في أصعب المواقف وأحرج اللحظات وكان له بمثابة الذراع اليمنى... ومن هؤلاء من اكتفى بهذا الدور وارتضى أن يظل دائما في الظل وربما ينساه التاريخ، ومنهم من أراد أن يحقق ذاته هو الآخر وأن يقفز إلى مكانة الرجل الأول ووصل بعضهم بالفعل إلى هذه المكانة، ولكنهم احتفظوا بولائهم واحترامهم لزعمائهم، وساروا على دربهم وأكملوا مسيرتهم... ومنهم من ضعف إيمانه وانساق وراء شيطانه وانقلب على زعيمه فقتله أو عزله واحتل مكانه ليحقق ذاته أو عن اقتناع منه بأنه هو السبب في كل ما تحقق من إنجازات، ومن ثم يرى نفسه الأحق باحتلال الصدارة.
«الراي» في سلسلة حلقات «الرجل الثاني في حياة العظماء والمشاهير... رجل ثان» تلقي الضوء على حياة هؤلاء الرجال وكيف كانوا سببا في ما وصل إليه بعض العظماء من مجد وشهرة بفضل مساندتهم المخلصة لهم. وكيف تحول بعضهم إلى عظماء هم أيضا وصنعوا لأنفسهم تاريخا لا يقل عن تاريخ العظماء الذين اتبعوهم في بداية حياتهم .
كما ترصد في دقة تفاصيل العلاقة التي تجمع بين الاثنين من البداية وحتى النهاية، وتستعرض مسيرة الرجل الثاني منذ ولادته، وكيف تعرف على الرجل الأول أو زعيمه، والاسباب التي دفعته للانضمام إليه ومرافقته كفاحه الطويل ، وبعض المواقف التي برز دوره فيها بوضوح.
وخلال «15» حلقة نتناول عددا من الشخصيات المؤثرة في التاريخ سواء في أوطانهم أو على المستوى العالمي... منهم الساسة والقادة العسكريون ورجال الفكر والأدب.
كذلك تعرض الحلقات لبعض قصص النجاح في الوسط الفني التي كان الرجل الثاني فيها سببا مباشرا في سطوع نجم الفنان وبلوغه قمة المجد والشهرة.
لم يذكر التاريخ صديقا مخلصا، وداعما قويا لصديقه... مثل أبي بكر الصديق- رضي الله عنه - الذي آمن بالرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - وبرسالته، ووقف بجواره وآزره وناصره الى ان أظهر الله دينه... وطوال فترة الرسالة كان شريكا أساسيا للنبي في غزواته وفتوحاته، ولم يبخل يوما بماله فجاد به كله في سبيل الله، وكان بحق نعم الصديق والرفيق لرسول الاسلام، وفي شأنه نزل قرآن يتلى الى يوم القيامة... حيث قال تعالى «إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ اذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ اذْ هُمَا فِي الْغَارِ اذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ انَّ اللَّهَ مَعَنَا» «سورة التوبة».
وأبوبكر الصديق هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن كعب التيمي القرشي... ولد سنة 51 قبل الهجرة الموافقة للعام 573 الميلادي، أي بعد عام الفيل بنحو 3 سنوات، ويلتقي في نسبه مع النبي محمد بن عبد الله عند مرة بن كعب، وينسب الى «تيم قريش»، فيقال: «التيمي».
أما أمه - بحسب كتب التاريخ - فهي أم الخير سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم... وقيل انها كانت لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة، فقالت: «اللهم ان هذا عتيقك من الموت، فهبه لي»؛ ويقال ان هذا سبب تسميته بالعتيق، ويرُوى ان اسمه كان قبل الاسلام عبد الكعبة ؛ وحين أسلم سماه النبي عبدالله... وكانت أمه «أم الخير» من أوائل النساء اسلاما.
نشأ أبوبكر في مكة، ولما جاوز عمر الصبا عمل بزازا - أي بائع ثياب - ونجح في تجارته وحقق من الربح الكثير. وكانت تجارته تزداد اتساعا فكان من أثرياء قريش، ومن ساداتها ورؤسائها. تزوج في بداية شبابه قتيلة بنت عبد العزى، ثم تزوج من أم رومان بنت عامر بن عويمر. كان يعرف برجاحة العقل ورزانة التفكير، وأعرف قريش بالانساب. وكانت له الديات قبل الاسلام. وكان ممن حرّموا الخمر على انفسهم في الجاهلية ولم يعبد الأصنام كما كان يفعل أهل مكة.
إسلامه
تختلف الروايات حول اسلام أبي بكر... وجاء الطبري في تاريخه بأقوال مختلفة، ولكن يؤمن المسلمون السنة بروايات تقول انه أول من أسلم من الذكور البالغين... وروي عن ابن اسحاق انه الوحيد الذي أسلم من دون تردد وصدق دعوة محمد على الفور، لذا لقب بالصديق.
وورد في قصة اسلامه - رضي الله عنه - انه رأى يوما في منامه وهو في الشام ان الشمس والقمر نزلا في حِجره، فأخذهما بيده وضمهما الى صدره وأسبل عليهما رداءه، ثم انتبه من نومه فذهب الى راهب يسأله عن الرؤيا، فقال الراهب: من أين انت؟ قال: من مكة. فقال: وما شانك؟ قال: التجارة. فقال له الراهب: «يخرج في زمانك رجلٌ يقال له محمد الأمين تتبعه، ويكون من قبيلة بني هاشم وهو نبي آخر الزمان، وانت تدخل في دينه وتكون وزيره وخليفته من بعده، قد وجدتُ نعته وصفته في التوراة والزبور».
فلما سمع سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه - صفة النبي ونعته ـ صلى الله عليه وسلم - رق قلبه واشتاق الى رؤيته، وما لبث ان رأى رسول الله وأسلم بين يديه، فكان أول من أسلم من الرجال.
ويعرّف في التراث السني بأبي بكر الصديق، لانه صدّق محمدا في قصة الاسراء والمعراج، وأيد جميع أقوال النبي على مرآى ومسمع من جميع قادة قريش، وقال مقولته المشهورة: «لو كان قد قال... فقد صدق»... وهي المقولة التي أذهلت المشركين وأغضبتهم، وقيل لانه كان يصدق النبي في كل خبر يأتيه من دون مناقشة أو مجادلة.
وبعد ان أسلم أبوبكر الصديق وهب حياته لخدمة الاسلام، وساند النبي في دعوته الى دين الله، مستغلا مكانته الكبيرة في قريش وحبهم له، فأسلم علي يديه الكثير، منهم 5 من العشرة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، والزُّبير بن العوَّام، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيدالله، وقام بشراء وعتق الكثير ممن أسلم من العبيد المستضعفين الذين قاسوا من العذاب ألوانا على أيدي ساداتهم من كفار قريش، منهم: بلال بن رباح. وقد قاسى أبوبكر نفسه من تعذيب واضطهاد قريش للمسلمين، فتعرض للضرب والتعذيب حين خطب في القريشيين، وحين دافع عن محمد لما اعتدى عليه الوثنيون... فقد دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة واجتمع المشركون عليه وسألوه عن آلهتهم وهو لا يكذب، فأخبرهم فاجتمعوا عليه يضربونه، وجاء الصريخ أبا بكر يقول له: أدرك صاحبك فأسرع أبوبكر اليه وجعل يخلصه من أيديهم.
هجرته
لما أذن الله - عز وجل - لنبيه بالهجرة الى المدينة... أمر - صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه ان يهاجروا، وجعل أبابكر يستأذنه في الهجرة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يمهله ويقول له: «لا تعجل لعلّ الله يجعل لك صاحبا»، وظل أبوبكر منتظرا قرار الهجرة، وجهز راحلتين لهذا الغرض واستأجر عبدالله بن أرقد من بني الديل بن بكر، وكان مشركا ليدلهما على الطريق، ولم يعلم بخروجهما غير علي بن أبي طالب وآل أبي بكر... حتى نزل جبريل -عليه السلام- على النبي وأخبره ان قريشا قد خططت لقتله، وأمره ألا يبيت ليلته بمكة وان يخرج منها مهاجرا، فخرج النبي -صلي الله عليه وسلم - وفتيان قريش وفرسانها محيطون ببيته ينتظرون خروجه ليقتلوه، ولكن الله أخذ أبصارهم فلم يروه، وذهب - صلى الله عليه وسلم - الى بيت أبي بكر - وكان نائما فأيقظه - وأخبره ان الله قد أذن له بالهجرة.
تقول عائشة: «لقد رأيت أبا بكر عندها يبكي من الفرح»، ثم خرجا فاختفيا في غار ثور، واجتهد المشركون في طلبهما حتى شارفوا الغار، وقال أبوبكر: لو ان أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال له النبي- صلي الله عليه وسلم : «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»، وأقاما في الغار 3 أيام ثم انطلقا، وكان أبو بكر أعرف بالطريق، وكان الناس يلقونهما فيسألون أبا بكر عن رفيقه فيقول: «انه رجل يهديني الطريق».
واستمرا في طريقهما حتى بلغا المدينة، واستقبل الصحابة مهاجرين وانصارا رسول الله وصاحبه بسرورٍ وفرحٍ عظيمين، وانطلق الغلمان والجواري ينشدون الانشودة الشهيرة: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع.
وعاش أبوبكر في المدينة طوال فترة حياة النبي وشهد معه الكثير من المشاهد، تقول الروايات انه ممن حاولوا اقتحام حصن اليهود في غزوة خيبر، وانه ممن ثبتوا مع النبي في معركة «حنين» حين انفض عنه المسلمون خوفا وتفرقوا، كذلك يقال انه حامل الراية السوداء في غزوة «تبوك»، حيث كانت هناك رايتان احداهما بيضاء وكانت مع الانصار والأخرى سوداء، وقد اختلفت الروايات على حاملها فقيل علي بن أبي طالب وقيل أبو بكر. تزوج من حبيبة بنت زيد بن خارجة فولدت له أم كلثوم، ثم تزوج من أسماء بنت عميس فولدت له محمدا.