لوحتان متناقضتان تتوافقان على إبراز جدلية الحياة

محطة / لور غريب ونجلها مازن كرباج شاركا في معرض مختلف

u0644u0648u062du0629 u0641u0646u064au0629 (u062au0635u0648u064au0631 u062cu0648u0632u064au0641 u0646u062eu0644u0629)
لوحة فنية (تصوير جوزيف نخلة)
تصغير
تكبير
|بيروت - من اسماعيل فقيه|

معرض تشكيلي مشترك بين الفنانة لور غريب ونجلها مازن كرباج، احتوى على مجموعة من اللوحات التي لا يمكن الجمع بينها، ذلك ان لكل منهما نظرته لبناء اللوحة. فالأم تتعامل مع اللوحة كإطار هندسي مدروس وتنطلق من اقتناع يحتاج الى رؤية هادئة وترو، للوصول الى اللوحة الكاملة. والابن يرسم بدافع عشوائي، ولا يتوقف كثيراً في مناخ التروي كي يصل الى الهدف المنشود أو اللوحة الكاملة.

ورغم هذا التباعد بين النهجين في الرسم والبناء، التقيا في معرض مشترك، وكأن الهدف من هذا اللقاء، عبر اللوحة، هو لقاء- الافتراق، وهنا تكمن المسألة والصورة والمعنى.

تقول لور غريب انها ارادت من هذا اللقاء المشترك مع نجلها ان تظهر الصورة على اختلاف مداها وامتدادها: «لوحتى بالتأكيد مختلفة كلياً عن لوحة مازن، فهو يرسم تطلعات خاصة وأنا أرسم تطلعات خاصة وربما متناقضة مع ما يرسمه مازن، ولكن ثمة لقاء أو فسحة تجمعنا، فسحة الشكل والمعنى والصورة والاشارات والدلالة. إن لوحتي مشغولة بعناية البحث والتدقيق، وأنا أرسم كانني أسأل وأحاور وأستكين في حركة متواصلة تكاد تؤثر في أنفاسي، ومازن يرسم ويتحرك ضمن حركة سريعة لا تؤثر في نشاطه في التعبير، وتخرج صوره إلى العلن بسرعة، وفي هذه السرعة تكمن التفاصيل والنتائج التي قد تبني معناه على مراحل».

ويقول مازن «أرسم بثقة وإن كانت رسومي تبدو للآخر كأنها منسوجة من داخل الحركة السريعة. إن هذه الحركة هي نشاط الفعل وهي التفصيل الذي يؤسس للفكرة والصورة والمعنى وحتى التجلي».

في لوحات لور غريب دقة متماسكة من حيث الشكل، وتكاد تكون اللوحة أشبه بنص من الحروف المنمقة والمكثفة، ومن يدخل نص لوحتها، لا يمكنه الخروج من تفاصيلها بسهولة، ذلك انها لوحة مفتوحة لا نهاية لها، وتقول غريب عن هذا التماسك المكثف «ارسم بهدوء هائل، قد تستغرق اللوحة الواحدة أشهراً لانجزها، وتحتاج اللوحة مني كي تظهر الى الاخر جهداً كبيراً، وكل هذا عائد الى الزمن الذي أسعى الى تجسيده وتفعيله في لوحتي... إنني أتواصل مع حياتي أولاً، ثم مع زمني الذي انطلق منه، وحين أتوسع في ذلك، فان في الامر ما يستدعي الاصغاء الى كثير من العوامل الداخلية والخارجية، عوامل تتأسس تحت ضغط اللحظة المعيوشة، وعوامل تولد من رحم الاشياء الثابتة والمتحركة. وتصير حركة اللوحة، محاولة مستمرة للوصول، الوصول الى حيث يجب، حيث تتكامل الاسئلة الكامنة في الروح مع الاسئلة المدرجة والمتنقلة على ارصفة الزمن والانسان».

اما لوحة مازن ففي سياق آخر، تسعى الى بناء جسر مع الوهم وإن كان القلق مفتوحاً على مداه في معظم الحركات المتشظية داخل لوحته، ويقول «حين أنتقل الى لوحتي والى حروفها المبعثرة، فإنني اسعى عبر هذا الانتقال الى فتح ما يشبه الثغرة للوصول الى هدف ما، او النظر عبر هذه الثغرة الى ضوء قد يساهم في انتاج الشكل الذي يرضي غايتي وهدفي... انها لوحة استعين بها كي اصل ولا اصل في آن واحد، وليس ذلك من اهدافي بقدر ما هو نتيجة داخل الحركة التي انطلق منها لبناء لوحتي... أنا أرسم وانطلق ولا اصل، ولا يهمني ان وصلت او لا، المهم انني انطلق واسعى في انطلاقتي لتحقيق الرغبة التي هي في الاصل حركة وعي ودفع لظنوني وافكاري في اتجاهات عدة».

وعن الهدف من العرض المشترك بين نهجين متباعدين في النظرة الفنية، تقول غريب «ربما يقدم هذا التنافر أو هذا التناقض بين عملين مختلفين صورة متماسكة، على عكس ما يظن البعض، فكلما كانت الصورة متنوعة الى حد التباعد، فإنها تقدم مشهداً جديداً يصب في الزمن الجديد. نعم انه زمن جديد يولد ويتوالد داخل اللوحتين، داخل المسافة الفاصلة بينهما... ان اهم ما يمكن قوله في هذا السياق، هو ان اللوحة هي صورة الاصل، الاصل الذي يعيشه الانسان، وحين تجتمع الاشكال المتباعدة والمتنافرة، فانها تعطي صورة اوضح للتناقض الحياتي. اليست الحياة، عبر ناسها، تعبيراً عن التنوع وصورة صافية تعكس التحول؟».

وتضيف «مهما كان التناقض قائماً بين لوحتينا، الا ان هذا التناقض يمثل ذروة الوضوح والتفاصيل، وضوح الرؤية لكل معنى وبروز التفاصيل التي تساهم في بلورة حركة الحياة وجدليتها. التناقض هو الجواب الحتمي والمقنع عن كل سؤال، عن كل جواب».

لا يشعر مازن كرباج بأنه في حال صراع مع اجيال سبقته، ويعتبر ان مشاركته في هذا المعرض المشترك هي ما يشبه الحوار والتحاور بين جيلين، حوار بين خطين لا يلتقيان الا في مساحة الشكل، ويختلفان في مساحة المعنى، ويقول «مشاركتي في هذا المعرض هي حركة مستمرة اهدف من خلالها الى بناء صورة معينة، صورة تساهم في بلورة الصورة ذاتها التي انطلقت منها. وما يجعلني اكثر ارتباطاً بعملي هو هذا التناقض او تلك المواجهة الجميلة مع عمل آخر لا يشبهني على الاطلاق».

بدورها، تقول غريب «في لوحتي الكثير من الشكل والاكثر من المعنى والاكثر الاكثر من التفاصيل التي يحتاج اليها الاخر، بما يمثل من حال بصرية تساعده على انتاج المعنى، وحين يصل الاخر عبر لوحتي الى المعنى الذي قد يخاطب روحه، تصلني انا اشارات حسية معينة، وأجد نفسي في مساحة جديدة وفي مكانة عالية، تشدني اكثر الى ذاتي، وتالياً تساعدني من جديد على الابتكار والقول والتعبير، فألجأ الى اللوحة مجدداً وأبدأ برحلة اخرى على متن حروف مباشرة وغامضة ومبعثرة تلتقي في التفسير الموسّع».

ويقول مازن «لوحتي ليست هدفاً بقدر ما هي صورة مفتوحة لمن يزورها ولمن يريد ان يعرف ويتعرف على فوضى مدروسة، فوضى تساهم في بلورة المعنى الجاد الذي قد لا يخرج الى النور الا بجهد هائل وربما عنيف».

معرض مشترك بين فنانة وابنها رسم حقيقة المعنى الانساني. توافقا على رسم صورة التناقض بينهما ليدخلا، كل على حدة، عالمهما الخاص، وتصورهما للاخر في شكل يضمن التوجه الفني، ويحفظ لولب الحركة والاشارة، لتصل الى رمزيتها بما تشكل الاطار الواسع، الاطار الذي يمكن ان يحتوي التناقض ويقدمه الى الاخر والى نفسه في آن واحد. فالحياة أجمل حين تبرز تناقضاتها خصوصاً حين تكون هذه التناقضات قائمة بين الانسان ونفسه.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي