ذلك الزمن الجميل

تصغير
تكبير

أحنُّ إلى زمنٍ مضى...

ما كان أغناهُ بالبساطةِ،

وما كان أفقرَهُ إلى التكلُّفِ والادِّعاءِ.

أحنُّ إلى الجهراءِ،

حين كانت البيوتُ متجاورةً كقلوبِ أهلها،

وكانت الدواوينُ مدارسَ للمروءةِ،

لا مجالسَ للمظاهر.

هناك...

كانت شبَّةُ النار لا تنطفئُ ليلاً ولا نهاراً،

كأنها تقول لكلِّ عابرِ سبيلٍ:

«هنا بيتٌ يعرفُ معنى الكرم».

وتغلي دلالُ القهوةِ في هدوءٍ،

فيفوحُ البنُّ المحمَّصُ،

ويختلطُ بعبيرِ الهيلِ والقرنفلِ،

حتى يصبحَ للعطرِ صوتٌ،

وللضيافةِ رائحةٌ لا تُنسى.

كان الضيفُ إذا أقبل،

قام إليه صاحبُ الديوانِ قبل أن يعرفَ اسمَه،

فيصافحهُ بقلبهِ قبل يدِه،

ويقولُ: حيَّاكَ الله...

فالدارُ دارُك، ونحنُ أهلُك.

وكان الرجالُ يلتفونَ حولَ النارِ،

يتبادلونَ الحديثَ،

ويصلحونَ بين المتخاصمين،

ويواسونَ المحتاج،

ويفرحونَ لفرحِ جيرانهم،

وكأنَّ الحيَّ كلَّهُ بيتٌ واحد.

لم تكن قيمةُ الإنسانِ بما يملك،

بل بما يعطي،

ولا بما يقول،

بل بما يفعل.

وكان الصغيرُ يتعلَّمُ الكرمَ

قبل أن يتعلَّمَ القراءة،

ويحفظُ أسماءَ الرجالِ الطيبين،

قبل أن يحفظَ أسماءَ المدن.

يا ليتَ الزمانَ يعودُ ساعةً،

لأجلسَ في ذلك الديوانِ مرةً أخرى،

وأستمعَ إلى حكاياتِ الآباءِ والأجداد،

وأرتشفَ فنجانَ قهوةٍ

تفوحُ منه رائحةُ الهيل،

ويختلطُ بخارُهُ بدعواتِ الكبار.

ذلك الزمنُ لم يكن جميلاً لأنَّ الحياةَ كانت سهلة،

بل لأنَّ النفوسَ كانت أصفى،

والقلوبَ أرحب،

والمودَّةَ أصدق.

سلامٌ على الجهراءِ...

وسلامٌ على دواوينِها،

وسلامٌ على كلِّ يدٍ صبَّتْ فنجانَ قهوةٍ لضيفٍ لا تعرفُه،

إيماناً بأنَّ الكرمَ خُلُقٌ،

وأنَّ الإنسانَ يُعرَفُ بما يُقدِّمُ لإخوانه.

وسيظلُّ ذلك الزمنُ الجميلُ

يسكنُ ذاكرتي ما بقي في القلبِ نبضٌ،

وفي العينِ دمعةُ حنين.

رحم الله جيلاً عشنا بينه وتعلمنا منه كل جميل من ذلك الزمن الجميل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي