رأي قلمي

قل يا محمد...!

تصغير
تكبير

ينظر كثير من أهل العلم إلى صحيفة المدينة المنورة، على أنها وثيقة قانونية لتنظيم العلاقات بين الأفراد، ومن الواضح أن الصحيفة نظرت فيما يُصلح الحالة الاجتماعية لسكان المجتمع الواحد، بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية والعرقية.

فطر الله تعالى جميع مخلوقاته من الذرة حتى المجرة على النزوع إلى الاستقلال وبلورة كينونة ذاتية ذات اعتبار وجود خاص، ولأن الإنسان يتمتع بالخيال والروح الحرة وبالرغبة والشهوة إلى الاستحواذ على المال والشهرة والنفوذ من غير أي حدود، كانت هناك حاجة ملحة إلى إيجاد إطار حواري يكفل للذات الإنسانية التفاهم والتوافق مع الغير، ويكفل تنظيم العلاقة بين الذوات المختلفة على نحو يمنع الخلافات بين الناس.

ومن هذا المنطلق نحن بأشد الحاجة إلى الحوار بين الأطراف، بقطع النظر عن صفتهم الاجتماعية، سواء كانوا أزواجاً، أو إخواناً، أو أقرباء، أو أصدقاء، أو زملاء، أو أو أو. وذلك لأن كل واحد منا يحمل بصمة روحية وعقلية خاصة به، ويحمل كل شخص بصمة ثقافية خاصة به اكتسبها من بيئته التي تربى فيها، وهذا يجعل الناس يعيشون في حالة من التحدي لفهم بعضهم بعضاً بشكل جيد، حتى وإن كانوا يعيشون في المنزل نفسه.

الحوار هو عبارة عن احتكاك عقل بعقل ورؤى برؤى أخرى ومن خلال هذا الاحتكاك يتولّد الوضوح، والفهم المتبادل. ولا نقصد من الحوار بين المتحاورين أياً كانت صفة العلاقة بينهم تغيير القناعات أو المعتقدات، وإنما كسر العزلة والتوحد التي تنشئها التجارب الإنسانية السيئة ويتم تعميمها على كل من يخالفنا في الرأي، كما أننا نريد من الحوار تبادل الإضاءات للنقاط العمياء في التصورات التي نحملها عن بعضنا، لنصل إلى نقاط وقواسم مشتركة كفيلة بحل الخلافات.

والحوار حتى ينجح يحتاج إلى الشفافية والمصارحة، وأن يعبّر كل طرف من الأطراف سواء كانوا زوجاً وزوجته، أو أخاً وأخته، أو صديقين، أو زميلي دارسة أو عمل، عن مرئياته وهواجسه، دون تحفظ أو حذر، ومن خلال الحصيلة المعرفية التي نحصل عليها من الحوار، يتم البحث عن حلول للتقبل دون إقصاء أو إضرار بأي طرف.

ولا يخفى على أحد منا أن الحوار دائماً ينطوي على نوع من التنازل، حيث يظهر المحاور في مظهر المستفهم والمتسائل والراغب في التعليم عوضاً عن الظهور بمظهر الواثق بكل الثقافة والمرئيات التي يحملها، ويستميت لإقناع الطرف الآخر فيها.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى الجميل في قوله سبحانه: «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» (سبأ:24).

أي قل يا محمد لمن يخالفك ولا يصدقك، تعالوا لنتحاور ونتبادل الآراء والبراهين. يقول بعض أهل العلم إن (أو) في الآية ليست للشك، وإنما للتشكيك، ولهذا فالمعنى هو استدراج الآخر إلى التساؤل والحوار، والنظر فيما هو فيه الهداية للقواسم المشتركة والحلول التي تنهي الخلاف بين الأطراف.

وفي الختام تحاوروا، تحاوروا، تحاوروا، اجعلوا الحوار في حياتكم من الضروريات، التي لا يمكن الاستغناء عنها، وبفقدها تتصدع وتنهار العلاقات.

[email protected]

mona_alwohaib@

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي